/ 157

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

1

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

2
  •  

  •  

  • القسم الاوّل: كلام العلّامة الخوئی‌

  •  

  •  

  •  

  •  

  • کلام العلّامة الخوئِی حُوْل رُؤیة الهلال‌

  • بسم اللَه الرّحمن الرّحیم‌

  • و صلّى اللَه على محمَّدٍ و آله الطاهرین و لعنة اللَه على أعدائهم أجمعین‌

  •  لا یخفی أنّ سماحة الآیة الحجّة أُستاذنا العلّامة المحقّق الحاج السید أبی القاسم الخوئی مُدَّ ظلُّهُ العالی أصدر فَتوی منه حَول مسألة رؤیة الهلال، على عدم لزوم اتّحاد البلاد فی الآفاق، و كفایة الرُّؤیة الاجمالیة لجمیع الأصقاع و النّواحی فی العالم.

  •  و أدرجها مع ما استدلّ علیه دام ظلّه فی رسالة منهاج الصّالحین.

  •  و لمّا كانت هذه الفتوى مع الأدلّة التی أقامها علیها غیر تامّةٍ عندی على حسب نَظَری القاصر؛ كتبتُ رسالةً و أرسلتُها إلى حضرته؛ و بینتُ فیها مواضع النَّقد و التّزییف؛ و أقمتُ براهین و شواهد على أنَّ الحقّ هو فتوى المشهور، بلزوم الاتّحاد فی الآفاق فی الرُّؤیة، و عدم كفایة الرُّؤیة للآفاق البعیدة. و ها نحن نورد أوّلًا عین عباراته دام ظلّه فی رسالة المنهاج؛ ثمَّ نُورد عین الرّسالَة المُرسَلَة؛ حتّى تتبین مواقع الجواب، و یتّضح تطبیقه على مواضع ما أفاده مُدَّ ظلّه من كلامه.

  •  قال مُدَّ ظلّه: مسئلة ٧٥:

  •  إذا رُئی الهلال فی بلدٍ كفى فی الثّبوت فی غیره مع اشتراكهما فی الآفاق، بحیث إذا رُئی فی بلد الرُّؤیة، رئی فیه، بل الظّاهر كفایة الرُّؤیة فی بلدٍ ما فی الثُّبوت لغیره من البلاد مطلقاً. بیان ذلك: البلدان الواقعة على سطح الأرض تنقسم إلى قِسمین:

  •  أحدهما ما یتّفق مشارقه و مغاربه أو تتقارب.

  •  ثانیهما ما تختلف مشارقه و مغاربه اختلافاً كبیراً.

  •  أمّا القسم الاوّل، فقد اتّفق علماء الإمامیة على أنّ رؤیة الهلال فی بعض هذه‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

3
  •  البلاد كافیةٌ لثبوته فی غیرها؛ فإنّ عدم رؤیته فیه إنّما یستند لا محالة إلى مانع یمنع من ذلك، كالجبال أو الغابات أو الغیوم أو ما شاكل ذلك.

  •  و أمّا القسم الثانی (ذات الآفاق المختلفة) فلم یقع التَّعرُّض لحكمه فی كتب علمائنا المتقدّمین؛ نعم حكی القول باعتبار اتّحاد الافق عن الشیخ الطوسی فی المبسوط؛ فإذن المسألة مسكوت عنها فی كلمات أكثر المتقدّمین؛ و إنّما صارت معركةً للآراء بین علمائنا المتأخّرین.

  •  المعروف بینهم القول باعتبار اتّحاد الافق و لكن قد خالفهم فیه جماعةٌ من العلماءِ و المحقّقین؛ فاختاروا القول بعدم اعتبار الاتّحاد و قالوا بكفایة الرُّؤیة فی بلدٍ واحدٍ لثبوته فی غیره من البلدان و لو مع اختلاف الافق بینهما.

  •  فقد نقل العلّامة فی التذكرة هذا القول عن بعض علمائنا و اختاره صریحاً فی المنتهى و احتمله الشهید الاوّل فی الدُّروس و اختاره صریحاً المحدِّث الكاشانی فی الوافی و صاحب الحدائق فی حدائقه و مال إلیه صاحب الجواهر فی جواهره و النراقی فی المستنَد و السید أبوتُراب الخونساری فی شرح نجاة العباد و السید الحكیم فی مُستمسَكه.

  •  و هذا القول أی كفایة الرُّؤیة فی بلدٍ ما لثبوت الهلال فی بلدٍ آخر و لو مع اختلاف أُفقهما هو الأظهر. و یدلّنا على ذلك أمران:

  • الدلیل الاوّل على كفایة الرؤیة الإجمالیة

  •  الأوّل: أنّ الشهور القمریة إنّما تبدأ على أساس وضع سیر القمر و اتّخاذه موضعاً خاصّاً من الشّمس فی دورته الطبیعیة و فی نهایة الدورة یدخل تحت شعاع الشّمس و فی هذه الحالة (حالة المحاق) لا یمكن رؤیته فی أیة بقعةٍ من بقاع الأرض؛ و بعد خروجه عن حالة المحاق و التمكّن من رؤیته ینتهی شهرٌ قمری و یبدء شهرٌ قمری جدید.

  •  و من الواضح أنّ خروج القمرمن هذا الوضع هو بدایة شهر قمری جدید لجمیع بقاع الأرض على اختلاف مشارقها و مغاربها؛ لا لبقعةٍ دون أُخرى؛ و إن كان القمر مریتاً فی بعضها دون الآخر؛ و ذلك لمانع خارجی كشعاع الشّمس أو حیلولة بقاع الأرض أو ما شاكل ذلك؛ فإنّه لا یرتبط بعدم خروجه من المحاق، ضرورة أنه لیس‌لخروجه منه أفرادٌ عدیدةٌ؛ بل هو فردٌ واحدٌ متحقّقٌ فی الكون؛ لا یعقل تعدُّده بتعدُّد البقاع و هذا بخلاف طلوع الشّمس؛ فإنّه یتعدَّد بتعدّد البقاع المختلفة؛ فیكون لكلِّ بقعةٍ طلوعٌ خاصّ بها.

  •  و على ضوءِ هذا البیان فقد اتّضح أنّ قیاس هذه الظاهرة الكونیة بمسئلة طلوع الشّمس و غروبها، قیاسٌ مع الفارق؛ و ذلك لأنّ الأرض بمقتضى كُرویتها تكون بطبیعة

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

4
  •  الحال لكلِّ بقعة منها مشرقٌ خاصٌّ و مغربٌ كذلك؛ فلا یمكن أن یكون للأرض كلّها مشرقٌ واحدٌ و لا مغربٌ كذلك؛ و هذا بخلاف هذه الظاهرة الكونیة؛ أی خروج القمر عن منطقة شعاع الشّمس؛ فإنّ لعدم ارتباطه ببقاع الأرض و عدم صلته بها لا یمكن أن یتعدّد بتعدّدها.

  •  و نتیجة ذلك: أنّ رؤیة الهلال فی بلدٍ ما أمارةٌ قطعیةٌ على خروج القمر عن الوضع المذكور الذی یتّخذه من الشّمس فی نهایة دورته، و بدایة لشهرٍ قمری جدیدٍ لأهل الأرض جمیعاً، لالخصوص البلد الذی یرى فیه و ما یتّفق معه فی الافق.

  •  و من هنا یظهر أنَّ ذهاب المشهور إلى اعتبار اتّحاد البلدان فی الافق مبنی على تخیل ارتباط خروج القمرعن تحت الشعاع ببقاع الأرض، كارتباط طلوع الشّمس و غروبها؛ إلّا أنّه لاصلة كما عرفت لخروج القمر عنه ببقعة معینة دون أُخرى، فإنّ حاله مع وجود الكثرة الأرضیة و عدمها سواءٌ.

  • الدلیل الثانی على عدم اعتبار الاتحاد فی الافق‌

  •  الثّانی: النصوصُ الدالّة على ذلك و نذكر جملةً منها:

  •  ١ صحیحة هِشام بن الحکم عن أبی عبداللَه علیه‌السلام: أنهُ قَالَ فِیمَنْ صَامَ تِسْعَةً وَ عِشْرِینَ قَالَ: إنْ کانَتْ لَهُ بَینَةٌ عَادِلَةٌ عَلَى أهْلِ مِصْرٍ أنهُمْ صَامُوا ثَلَاثِینَ عَلى رُؤْیتِهِ، قَضَى یوْماً.

  •  فإنّ هذه الصحیحة بإطلاقها تدلُّنا بوضوحٍ على أنّ الشهر إذا كان ثلاثین یوماً فی مصرٍ كان كذلك فی بقیة الأمصار بدون فرقٍ بین كون هذه الأمصار متّفقةً فی آفاقها أو مختلفةً؛ إذ لو كان المراد من كلمة مصرفیها المصر المعهود المتفق مع بلد السائل فی‌الافق لكان على الإمام علیه السّلام أن یبین ذلك؛ فعدم بیانه مع كونه علیه السّلام فی مقام البیان كاشفٌ عن الإطلاق.

  •  ٢ صحیحة أبی بصیر عن أبی عبداللَه علیه السّلام أنهُ سُئِلَ عَنِ الْیوْمِ الذی یقْضَى مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ؛ فَقَالَ: لَا تَقْضِهِ إلَّا أنْ یثْبُتَ شَاهِدَانِ عَادِلَانِ مِنْ جَمِیعِ أهْلِ الصَّلَوةِ مَتَى کانَ رَأسُ الشَّهْرِ؛ وَ قَالَ: لَا تَصُمْ ذَلِک الْیوْمَ الذی یقْضَى إلَّا أنْ یقْضِی أهْلُ الأمْصَارِ؛ فَإنْ فَعَلُوا فَصُمْهُ.

  •  الشاهد فی هذه الصحیحة جملتان: الاولى: قوله علیه السّلام: «لَا تَقْضِهِ إلَّا أنْ یثْبُتَ شَاهِدَانِ عَادِلَانِ مِنْ جَمِیعِ أَهْلِ الصَّلَوةِ» إلخ. فإنّه یدلّ بوضوح على أنّ رأس الشهر القمری واحدٌ بالإضافة إلى جمیع أهل الصّلاة على اختلاف بلدانهم باختلاف آفاقها

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

5
  •  و لا یتعدّد بتعدّدها.

  •  الثانیة قوله علیه السّلام: لَا تَصُمْ ذَلِكَ الْیوْمَ إلَّا أنْ یقْضِی أَهْلُ الأمْصَارِ؛ فإنّه كسابقه واضح الدّلالة على أنّ الشهر القمری لا یختلف باختلاف الأمصار فی آفاقها؛ فیكون واحداً بالإضافة إلى جمیع أهل البقاع و الأمصار و إن شئت فقل: إنّ هذه الجملة تدلّ على أنّ رؤیة الهلال فی مصرٍ كافیةٌ لثبوته فی بقیة الامصار، من دون فرقٍ فی ذلك بین اتّفاقها معه فی الآفاق أو اختلافها فیها؛ فیكون مردّه إلى أنّ الحكم المترتّب على ثبوت الهلال أی خروج القمر عن المحاق حكمٌ لتمام أهل الأرض، لا لبقعةٍ خاصّةٍ.

  •  ٣ صحیحة إسحاق بن عمّار قال: سَألْتُ أبَا عَبْدِ اللَهِ عَلَیهِ السَّلَامُ عَنْ هِلَالِ رَمَضَانَ یغَمُّ عَلَینَا فی تِسْعٍ وَ عِشْرِینَ مِنْ شَعْبَانَ؛ فَقَالَ: وَ لَا تَصُمْهُ إلَّا أنْ تَرَاهُ، فَإنْ شَهِدَ أهْلُ بَلَدٍ ءَاخَرَ أنَّهُمْ رَ أوْهُ فَاقْضِهِ.

  •  فهذه الصحیحة ظاهرة الدلالة بإطلاقها على أنّ رؤیة الهلال فی بلدٍ تكفی لثبوته فی سائر البلدان بدون فرق بین كونها متّحدةً معه فی الافق أو مختلفةً؛ و إلّا فلابدّ من التقیید بمقتضى ورودها فی مقام البیان.

  •  ٤ صحیحة عبدالرحمان بن أبی عبداللَه قال: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَهِ عَلَیهِ السَّلَامُ عَنْ هِلَالِ رَمَضَانَ یغَمُّ عَلَینَا فی تِسْعٍ وَ عِشْرِینَ مِنْ شَعْبَانَ؛ فَقَالَ: لَا تَصُمْ إلَّا أنْ تَرَاهُ؛ فَإنْ شَهِدَ أهْلُ بَلَدٍ ءَاخَرَ فَاقْضِهِ.

  •  فهذه الصحیحة كسابقتها فی الدلالة على ما ذكرناه.

  • الشواهد على عدم لزوم الاشتراك فی الآفاق‌

  •  و یشهد على ذلك ما ورد فی عدّة روایاتٍ فی كیفیة صلاة عیدَی الأضحى و الفطر و ما یقال فیها من التكبیر من قوله علیه السّلام فی جملة تلك التكبیرات:

  •  أسْألُكَ بحقّ هَذَا الْیوْمِ الذی جَعَلْتَهُ لِلْمُسْلِمِینَ عِیداً.

  •  فإنّ الظاهر أنّ المشار إلیه فی قوله علیه السّلام: «هَذَا الیوْمِ» هو یومٌ معینٌ خاصٌّ الذی جعله اللَه تعالى عیداً للمسلمین؛ لا أنّه كلّ یوم ینطبق علیه أنّه یوم فطر أو أضحى على اختلاف الأمصار فی رؤیة الهلال باختلاف آفاقها.

  •  هذا من ناحیةٍ؛ و من ناحیةٍ أُخرى أنّه تعالى جعل هذا الیوم عیداً للمسلمین كلّهم، لا لخصوص أهل بلدٍ تقام فیه صلاة العید.

  •  فالنّتیجة على ضوئهما أنّ یوم العید واحدٌ لجمیع أهل البقاع و الأمصار على اختلافها فی الآفاق و المطالع.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

6
  •  و یدلّ أیضاً على ما ذكرناه الآیة الكریمة الظاهرة فی أنّ لیلة القدر لیلةٌ واحدةٌ شخصیةٌ لجمیع أهل الأرض على اختلاف بلدانهم فی آفاقهم؛ ضرورة أنّ القرآن نزل فی لیلةٍ واحدةٍ؛ و هذه اللَّیلة الواحدة هی لیلة القدر و هی خیرٌ من ألف شهرٍ و فیها یفرق كلُّ أمرٍ حكیمٍ.

  •  و من المعلوم أنّ تفریق كلِّ أمر حكیم فیها لا یخصّ بقعة معینةً من بقاع الأرض؛ بل یعمّ أهل البقاع أجمع. هذا من ناحیةٍ و من ناحیةٍ أُخرى قد ورد فی عدّةٍ من الرّوایات أنّ فی لیلة القدر یكتب المنایا و البلایا و الأرزاق و فیها یفرق كلّ أمرٍ حكیمٍ.

  •  و من الواضح أنّ كتابة الأرزاق و البلایا و المنایا فی هذه اللّیلة إنّما تكون لجمیع أهل العالم؛ لا لأهل بقعةٍ خاصّةٍ؛ فالنّتیجة على ضوئهما أنّ لیلة القدر لیلةٌ واحدةٌ لأهل الأرض جمیعاً؛ لا أنّ لكلّ بقعةٍ لیلةٌ خاصّةٌ.

  •  هذا مضافاً إلى سكوت الروایات بأجمعها عن اعتبار اتّحاد الافق فی هذه المسألة؛ و لم یرد ذلك حتّى فی روایةٍ ضعیفةٍ.

  •  و منه یظهر أنّ ذهاب المشهور إلى ذلك لیس من جهة الروایات؛ بل من جهة ما ذكرناه من قیاس هذه المسألة بمسألة طلوع الشّمس و غروبها و قد عرفت أنّه قیاس مع الفارق انتهى ما أفاده أطال اللَه عمره.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

7
  • الموسوعة الاولى حُوْل رُؤیة الهِلال‌

  •  

  •  

  • الموسوعة الاولى‌

  •  

  •  

  •  

  •  

  • بسم اللَه الرّحمن الرّحیم‌

  •  و صلّى اللَه على محمّدٍ و آله الطاهرین و لعنة اللَه على أعدائهم أجمعین.

  •  السّلام علیك‌یا أمیرالمؤمنین و إمام الموحّدین و سید الوصیین و قائد الغُرِّالمحجَّلین‌و رحمة اللَه و بركاته‌

  • و حَیاةِ أشْواقی إلَیک و تُربةِ الصَّبرِ الجَمیلِ‌   ***   مَا استَحْسَنَتْ عَینی سِواک وَ ما صَبَوتُ إلى خَلیلِ‌

  • أیا کعبةَ الْحُسْنِ التی لِجَمالِها   ***   قُلوبُ اولِی الألْبابِ لَبَّتْ وَ حَجَّتِ‌

  • بَریقَ الثَّنایا منک أهدى لنا سَنا   ***   بُرَیقِ الثَّنایا فهْو خیرُ هَدیةِ

  • وَ أوْحى لِعَینی أنَّ قَلْبی مُجاوِرٌ   ***   حِماک فَتاقَتْ لِلْجَمالِ وَ حَنَّتِ‌

  • وَ لَوْلاک مَا اسْتَهْدَیتُ بَرْقاًو لاشَجَتْ‌   ***   فُؤادی فَأبْکتْ إذ شَدَتْ وُرقُ أیکةِ

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

8
  •  سَلامٌ على السید السَّند و الحبر المعتمد أُستاذنا الأفخم العَلَم العالِم العلّام حُجَّة المسلمین و الإسلام الآیة العظمى الحاجّ السید أبی القاسم الخوئی أمدّ اللَهُ أظلاله الشّارفة و بلّغه غایة مناه بحقّ مُحَمَّدٍ و عِترتِهِ الطّاهِرَة.

  • أ رَجُ النَّسیمِ سَرَى مِنَ الزَّوراءِ   ***   سَحَراً فَأحْیى مَیتَ الأحْیاءِ

  • و لِفِتْیةِ الحَرَمِ المَنیعِ وَ جیرةِ الْ‌   ***   حَی المَریعِ تَلَفُّتی وَ عَنائِی‌

  • وا حَسْرَتا ضاعَ الزَّمانُ و لَمْ أفُزْ   ***   مِنْکمْ أُهَیلَ مَوَدَّتی بِلِقاءِ

  • وَ مَتى یؤَمِّلُ راحَةً مَنْ عُمْرُهُ‌   ***   یوْمانِ یومُ قِلی و یوْمُ تَناءِ

  • یا ساکنِی الْبَطْحاءِ هَلْ مِن عَوْدَةٍ   ***   أحْیی بِها یا ساکنِی الْبَطْحاءِ

  • إن ینْقَضی صَبْری فَلَیسَ بِمُنْقَضٍ‌   ***   وَ جْدِی الْقَدیمُ بِکمْ و لا بُرَحائِی‌

  • واهاً عَلى ذاک الزَّمانِ وَ ما حَوَى‌   ***   طیبُ الْمَکانِ بِغَفْلَةِ الرُّقْباءِ

  • أیامَ أرْتَعُ فی مَیادینِ الْمُنى‌   ***   جَذِلًا وَ أرفُلُ فی ذُیولِ حِباءِ

  • ما أعْجَبَ الأیامَ تُوجِبُ لِلْفَتى‌   ***   مِنَحاً وَ تَمْحَنُهُ بِسَلْبِ عَطاءِ

  • وَ کفی غَراماً أنْ أبیتَ مُتَیماً   ***   شَوْقی أمامی وَ الْقَضاءُ وَرائی‌

  •  و بعد إهداءِ أحسن مراتب السلام و أكملِ التحیات و أتمّ الإكرام و إبراز غایة ودّی و إخلاصی و ولهی وفرط اشتیاقی إلى لقیا طلعتك المنیرة و وجهك المیمون و الاستمطار من شآبیب فیضك الواسع و نفحات سرّك المصون.

  •  أحمده على آلائه التی منها أن وفّقنی للمُثول بین یدیك فی هذه اللّحظات بهذه الوُریقات بالكتابة التی هی إحدى اللقائین؛

  •  كما أحمده على بلائه الذی منه أن حرمنی منذ سنین عدیدة عن التشرّف باستلام عتبة باب العلم و معدن الحكمة مولانا أمیرالمؤمنین علیه صلوات اللَه و الملائكة المقرّبین؛

  •  و عن زیارة سماحتك بوّابه الآیة الحجّة؛ جعله اللَه من عباده المخلَصین و أولیائه المقرّبین؛ آمین ربّ العالمین.

  • سبب كتابة الموسوعة

  •  ثمّ إنّی طالما كنتُ مطّلعاً على فُتیاكم فی مسألة رؤیة الهلال و عدم لزوم الاشتراك‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

9
  •  فی الآفاق فی رسالة منهاج الصالحین؛ ولكنّ المانع من تذكاری إیاكم بجهات المسألة

  •  أوّلًا: أنّ اختلاف الآراء أمرٌ دارجٌ بین الطلبة و الأعلام؛

  •  و ثانیاً: أنّ مثلی مع ضیق النطاق و قصور الباع و البضاعة المزجاة لایلیق للتعرّض‌حول هذه المسأئل؛ و لكن لمّا كان عید الفطر فی هذه السنة معركةً عجیبةً فی جمیع النواحی و باعثاً للاختلاف الشدید الموجب لترك الجماعات و سقوط الابّهة و العظمة و بروز النفاق و أیادی الشیطان؛ هذا من ناحیةٍ؛ و من ناحیةٍ أُخرى؛ أنَّ صدرك الواسع و حجرك المبسوط أجازا للمشتغلین من قدیم الأیام، البحث و النَّقد، و إن طالا و اتّسعا مع اللُّطف و الكرامة و الإرشاد و الهدایة؛ صلَّیتُ و استخرتُ اللَه ثمّ أجزتُ نفسی و تجرّأت أن أكتب لسماحتك مطالب حول هذه المسألة؛ فإن تلَقَّیتَها بعین القبول و الرضا فلا مناص من تجدید النظر و تبدیل الكلام بفتوى لزوم الاشتراك فی الآفاق. و ما توفیقی إلّا باللَه علیه توكّلت و إلیه أُنیب.

  •  بسم اللَه الرحمن الرحیم و الحمد للّه ربّ العالمین الذی جعل الشّمس ضیاءاً و القمر نوراً لیعلم الناس عددَ السِّنینَ و الحساب. قال عزَّ مِن قائلٍ: فالِقُ الْإِصْباحِ وَ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ‌1؛ و قال: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِ‌2 و قال: الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبانٍ‌3.

  •  و صلّى اللَه على خیر من أُوتی جوامع الكلَم و فصل الخطاب، نبینا الأعظم، محمّد بن عبد اللَه، الحمید المحمود و على آله الطیبین الطاهرین أُمناءِ المعبود.

  •  و بعد فهذه رسالةٌ حول مسألة رؤیة الهلال؛ جمعت فیها ما مرّ على فكری القاصر و خطر على قلبی الفاتر، من لزوم اشتراك البلدان فی الآفاق بالنسبة إلى رؤیة الهلال فی الحكم بدخول الشهر الهلالی و عدم كفایة الرُّؤیة فی الآفاق البعیدة.

  •  فنقول بحول اللَه و قوّته و لا حول و لا قوّة إلّا باللَه العلی العظیم:

  •  إن البحث حول هذه المسألة یقع فی جهتین؛ الاولى: الجهة العلمیة؛ و الثانیة: الجهة الشرعیة.

    1. الآية ٩٦، من السورة ٦: الانعام.
    2. الآية ١٨٩، من السورة ٢: البقرة.
    3. الآية ٥، من السورة ٥٥: الرحمن.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

10
  • البحث عن الجهة العلمیة فی المسألة

  •  امّا البحث عن الجهة الاولى فسرد الكلام فیها یقع بعد تمهید مقدّمات و إن كان بعضها نافعاً للجهة الشرعیة أیضاً.

  • المقدّمة الاولى والثانیة

  •  الاولى: نسبة القرب و البعد بین الكرتین من الكرات السَّماویة لا تختلف؛ سواءٌ جعلنا الاولى ساكنةً و الاخرى متحرّكةً أو بالعكس؛ فما فی فرضیة بطلمیوس من سكون الأرض و حركة الشّمس حولها و حركة القمر حول الأرض لا یوجب اختلافاً فی القرب و البعد و النّسبة سواءٌ.

  •  إن مدار حركة الأرض حول الشّمس فی الهیئة الجدیدة عبارةٌ عن منطقة البروج التی كانت مداراً لحركة الشّمس حول الأرض فی الهیئة القدیمة.

  •  و لذلك لا یرى الاختلاف الفاحش بین الزّیجات المستخرجة من مرصودات المتقدّمین كصاحب المِجَسطی: بطلمیوس و البتّانی و الحكیم محیی الدین المغربی و المحقّق الطوسی و الراصدین فی سمرقند و الزیج الهندی و الزیج البَهادُری و أصحاب زیج أُلُغ بیك و بین حساب منجّمی الغرب جمعیاً، و القلیل من الاختلاف المشاهدبینهما إنّما هو بسبب أدقّیة نظر المتأخّرین.

  •  و العجب أنّ زیج لُورِّیة الفرنسی مثل الزیج البهادری فی غالب المحاسبات و هو أدقّ الزیجات. نعم إن كان بینهما فرق و اختلاف ففی الثَّوانی و الثَّوالث و الرَّوابع و أحیاناً فی الدقائق لا فی الدرجات فی الأغلب؛ هذا مع بعد العهد و طول الزَّمن.

  •  الثانیة: أنّ القمر یدور حول الأرض من المغرب إلى المشرق دوراً كاملًا یساوی ٣٦٠درجةً فی طول ٢٧ یوماً و ٨ ساعاتٍ تقریباً. و هذه المدّة تسمّى شهراً نجومیاً. فالقمر یطوی المدار نحو المشرق كلّ درجة منه قریب ساعتین.

  •  و بما أنّ الأرض بحركتها الانتقالیة أیضاً تسیر نحو المشرق دوراً كاملًا یساوی ٣٦٠درجةً فی طول ٣٦٥ یوماً و ربع یوم، فتطوی المدار نحو المشرق كلّ یومٍ ما یقرب درجةً و هو ٥٩ دقیقةً و ٥٨ ثانیةً یعنی أقلّ من درجةٍ بقلیلٍ فلا بدّ عند حساب الشَّهر الهلالی الملحوظ فیه الزّمان الحاصل بین اقترانیهما المتوالیین أن یلاحظ مجموع مقدار حركة القمر و حركة الأرض و هذا الزمان یبلغ ٢٩ یوماً و ١٣ ساعةً تقریباً و هذه المدّة تسمّى شهراً هلالیاً.

  •  فالقمر فی الشهر الهلالی یدور فی المدار دوراً أزید من الدورة الكاملة و هو

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

11
  •  ٣٨٩ درجةً تقریباً.

  • المقدّمة الثالثة و الرابعة

  •  الثالثة: أنّ الشهر القمری و هو فصل زمان مقارنتی الشّمس و القمر المتوالیتین أو مقابلتهما كذلك أو فصل زمان وقوعی الشّمس و القمر المتوالیین على خطّ نصف النّهار الواحد یطول تسعةً و عشرین یوماً و اثنتی عشرة ساعةً و أربعاً و أربعین دقیقةً تحقیقاً.

  •  قه عت یوماً

  •  (٤٤/ ١٢/ ٢٩).

  •  فلمّا كان هذا المقدار یتعسّر ضبطه بل یتعذّر العلم به لعامّة الناس فلا یعرفه إلّا الأوحدی العالم الخبیر بالزّیجات المستخرجة من الأرصاد الصحیحة الدقیقة جعلوا1 شهراً واحداً ثلاثین یوماً و آخر تسعةً و عشرین یوماً و هكذا إلى آخر السنة فیصیر مجموع الأیام على هذا النهج فی السنة الكاملة القمریة یساوی ثلاثمأة و أربعاً و خمسین یوماً و ثمان ساعاتٍ و ثمان و أربعین دقیقةً ٤٨/ ٨/ ٣٥٤/ (٤٤/ ١٢/ ٢٩)، ١٢ ثمّ لمّا كان هذا المقدار أزید من ٣٥٤ یوماً بثمان ساعات و ثمان و أربعین دقیقةً (٤٨/ ٨) جعلوا للسنوات القمریة كبائس فجعلوا لكلّ ثلاث سنین تقریباً سنةً كبیسةً و لكلّ ثلاثین سنةً إحدى و عشرة سنةً كبیسةً تحقیقاً و جعلوا فی هذه السنة الشهور التامّة سبعةً و الشهور الناقصة خمسةً فیصیر المجموع ٣٥٥ یوماً و على هذا النّهج كانوا یستخرجون التقاویم و جعلوا الكبائس سنة ٢ و ٥ و ٧ و

    1. و سمّوا الأوّل شهراً وسطيّاً و هذا الشهر شهراً حقيقيّاً و الأوّل مبنى الأرصاد و الثاني يستخرج من الأوّل بعد محاسبة التعديلات و غيرها (منه عُفي عنه).

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

12
  •  ١٠و ١٣ و ١٦ و ١٨ و ٢١ و ٢٤ و ٢٦ و ٢٩.

  •  كلّ هذا على منهج الملل و الأقوام قبل الإسلام و بعده الذین جعلوا الشهور القمریة مبدء تواریخهم بلا نظر إلى الامور الشرعیة.

  •  الرّابعة: أنّ كلّ كوكب إذا أشرق على كوكب آخرٍ أصغر منه یكون نصف الطرف المستشرق من الكوكب الأصغر المواجه للكوكب الأكبر أكبر من الطرف الآخر المظلم الذی لایواجه الكوكب المشرق.

  •  فإذن یحدث بهذا الإشراق ظلٌّ مخروطی ممدودٌ تكون قاعدته الدائرة الصغیرة المنطبقة على دائرة فصل النور و الظُّلمة.

  •  فلمّا كانت الأرض أصغر من الشّمس بكثیرٍ فبطلوع الشّمس و إشراقها یحدث ظلٌ مخروطی طویلٌ تكون قاعدته‌

  •  ما یقرب من الدائرة العظیمة فیظلم نصف الأرض الواقع فی هذا المخروط.

  •  و بما أنّ الأرض تدور حول نفسها مرّةً واحدةً فی كلّ یوم و لیلةٍ بحركتها الوضعیة فلا محالة یدور هذا الظلّ المخروطی حول الأرض دائماً و لا یمكث آناً أبداً و إن شئتَ فقل إنّ الأرض تدور دائماً فی هذا الظلّ المخروطی.

  •  فابتداء اللّیل فی كلّ ناحیة هو أوّل دخول الأرض فی هذا المخروط. فلا محالة لا یكون فی جمیع العالم ابتداء اللّیل إلّا فی خطٍّ واحدٍ1 شمالًا و جنوباً و هذا الخطّ هو

    1. ما ذکرنا من انطباق أوّل اللّيل على خطٍّ واحدٍ شمالًا و جنوباً إنّما هو على المسامحة للدّلالة علي المقصود علي سبيل التقريب إلى الذهن؛ وإلّا ففي الحقيقة لا يکون أوّل اللّيل في نقطة من الأرض إلّا إذا دخلت هذه النقطة في نقطةٍ من دائرة الظلّ المخروطيّ و هذه الدائرة صغيرةٌ لا تکاد تمرّ على القطبين لکنّها في أوّل الحمل و أوّل الميزان حيث انطبقت دائرة معدّل النهار على منطقة البروج تکون موازية لدائرة نصف نهارِ مارٍّ على القطبين و في غيرهما حيث تسير الأرض شمالًا و جنوباً و يصير المعدّل بعيداً عن المنطقة إلى نهاية مقدار ٢٣ درجةً و ٣٠دقيقةً و ١٧ ثانيةً فلا محالة خرجت عن الموازاة؛ و هکذا الأمر بالنسبة إلى آخر اللّيل و هو الخروج عن الظلّ. (منه عفي عنه)

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

13
  •  نصف النهار للبلاد الواقعة جمیعاً فی طولٍ واحدٍ إذا بلغ حدّ غروب الشّمس.

  •  و بهذه المناسبة لا یكون آخر اللّیل و هو الخروج عن الظلّ إلّا فی خطّ واحد كذلك و لا یكون نصف اللّیل و ثُلثه و ربعه و خمسه و هكذا إلّا فی خطوطٍ خاصّةٍ لا یتعدّاها إلى غیرها.

  •  و بالمناسبة الإضافیة أیضاً لا یكون أوّل النهار و آخره و وسطه إلّا فی خطوطٍ خاصّةٍ بعینها لایتعدّاها إلى غیرها، لأنّ الظلّ المخروطی حیث یتحرّك، یتحرّك بتبعه نصف كرة الأرض المستضئُ بتبع حركة الظّلّ المخروطی؛ ففی كلّ نقطة من نقاط العالم على حسب اختلاف مشرقه و مغربه یوم خاصّ و لیلةٌ خاصّةٌ.

  •  فاللّیل و النهار فی بلدة طهران مثلًا غیر اللّیل و النهار فی مایلیها من البلاد الواقعة فی المشرق و المغرب كسمنان و همدان مثلًا.

  • المقدّمة الخامسة

  •  الخامسة: قسّموا الدائرة الكاملة ثلاثمأة و ستّین درجةً؛ فقسّموا الأرض بما أنّها تدور حول نفسها على محور القطبین شرقاً و غرباً على ٣٦٠درجةً.

  •  و اعتبروا هذا التقسیم فی البلاد مبتدئاً من جزائر خالدات التی كانت فی غرب إسبانیا مائلًا نحو المشرق و سمّوها بالطول الجغرافیائی.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

14
  •  مثلًا قالوا إنّ طول مكّة ٧٧ درجة1 یعنی أنّها بعیدة عن هذه الجزیرة شرقاً بهذا المقدار.

  •  و لمّا أصبحت هذه الجزائر غریقةً تحت الماءِ2 ذهبوا یعینون المبدء من رصد كرنویج الواقع فی ناحیة الشمال الغربی من مدینة لندن و ذلك، لأنّ هذه المدینة واقعة فی ما یقرب من أوّل المعمورة طولًا من الرُّبع المسكون و لا یختلف طولها عن جزائر خالدات إلّا بدرجاتٍ قلیلةٍ أوّلًا؛

  •  و لأنّ فیها رصداً یمكن النظر إلى الكواكب جمیعاً و إلى السیارات و الشّمس و القمر و إرصادها فی أی نقطةٍ من المدار ثانیاً.

  •  فإذا وصل مركز الشّمس إلى نصف النهار بالنسبة إلى ذلك الرصد، جعلوا یقدّرون أول مبدء الطول.

  •  المنجّم المعروف: فِلا مِسْتید فی القرن الثامن عشر المیلادی كان رئیساً لهذا الرصد؛ و ألّف تألیفاتٍ نافعةً لطول البلاد و عرضها و خرائط مهمّةً و طرقاً نافعةً لإرصاد الكواكب.

  •  و قسّموا الأرض أیضاً جنوباً و شمالًا على مأة و ثمانین درجةً و سمّوها بالعرض الجغرافیائی؛ و كان المبدء خطّ الإستواء المسمّی بدلدائرة الاعتدالیة أو معدّل النّهار إلى قطبَی الشمال و الجنوب.

  •  و قسّموا النواحی الشمالیة على ٩٠درجةً مائلًا نحو الشمال حتّى إذا وصل نفس القطب الشمالی.

  •  مثلًا عرض بلدة طهران یساوی ٥٩ ثانیةً و ٤١ دقیقةً و ٣٥ درجةً یعنی أنّها واقعةٌ فی العرض الشمالی على هذا البُعد من دائرة معدّل النّهار و قسّموا النواحی الجنوبیة أیضاً كذلك و سمّوها بالعرض الجنوبی.

  • المقدّمة السادسة والسابعة

  •  السّادسة: أنّ الأرض كرویة لا مسطّحة و هذه النظریة قد أصبحت فی هذا العصر من البدیهیات التی لا مجال للنقد و البحث فیها أی مجال فإذن تطلع الكواكب و تغرب و منها القمر فی ناحیة دون أُخرى.

  •  السابعة: أنّ الافق الحقیقی فی كلّ ناحیة هو محیط الدائرة العظیمة التی تنصف‌

    1. قال في شرح الجِغمينيّ: طول مکة من جزائرخالدات (عزي) أي سبع و سبعون درجةً و عشر دقائق و عرضها (کام) أي إحدى و عشرون درجةً و أربعون دقيقةً. (منه عفي عنه(
    2. و هذا بعد ما حاسبوا الطول من ساحل البحر الغربيّ من إسبانيا في مدّة طويلةٍ.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

15
  •  كرة الأرض بنصفین متساویین بحیث یمرّ الخطّ القائم المارّ على رؤوس أهل هذه الناحیة على مركز هذه الدائرة. و الافق المحلّی فی كلّ ناحیة هو أكبر دائرة صغیرةٍ على سطح الأرض یراها أهل هذه الناحیة؛ موازیةً للدائرة العظیمة.

  •  مثلًا إذا قام انسان فی بیداء سهل بلاجبلٍ یرى فی غایة مدّ بصره أنّ السماء متّصلةٌ بالأرض بالدائرة التی تحیطها من كلّ جانب. هذه الدائرة تسمّى بالافق المحلّی.

  •  و المناط فی إمكان رؤیة الكواكب و عدمه، كونها فوق الافق المحلّی و كونها تحت هذا الافق؛ لا الافق الحقیقی؛ و هذا واضحٌ.

  • المقدّمة الثامنة

  •  الثامنة: أنّ القمر فی حال المقارنة مع الشّمس تنطبق الدائرة الظاهرة1 منه على الدائرة المستضیئة من شعاع الشّمس فإذن لا یرى نصفه الذی یسامت الأرض. و هذه الحالة تسمّى بالمحاق لمحق نوره.

    1. المراد من الدائرة الظاهرة من القمر هو نصفه الذي يسامت الأرض في أيّ حال و زمان. و هذه الدائرة ربّما تکون مرئيّة بتمامها و يسمّى البدر و هو في حال المقابلة، و ربّما تکون غير مرئيّة أصلًا و يسمّى المحاق و هو في حال المقارنة و ربّما تکون بعضها مرئيّة فقط و هو في حال کونه هلالًا و في سائر أحواله کالتّسديس و التّربيع و التّثليث. (منه عفي عنه).

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

16
  •  و هذا على قسمین:

  •  الاوّل: حالة الكسوف و هی حالة اجتماع الأرض و القمر فی درجةٍ واحدةٍ من برجٍ واحد على عرضٍ واحدٍ و على رأی القدماء اجتماع الشّمس و القمر كذلك.

  •  الحالة الثانیة: فیما إذا كانا فی برجٍ واحدٍ و درجةٍ واحدةٍ و لكن لم یكونا فی عرضٍ واحدٍ؛ بل كان الاختلاف بینهما قلیلًا إلى خمس درجاتٍ شمالًا أو جنوباً؛ أو أكثر من الخمس باختلاف المنظر.

  •  و ذلك لأنّ القمر تختلف نسبة حركته إلى منطقة البروج فتارةً یمیل إلى الجنوب خمس درجات و أُخرى إلى الشّمال كذلك، فإذن لا یتحقّق الكسوف لاختلاف العرض و إن كانت المقارنة حقیقیةً؛ و لكن لمحق نوره لا یرى أبداً.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

17
  •  و علّة عدم رؤیته أنّ وضعه قریب جدّاً فی الظاهر1 للمحلّ الذی تشغله الشّمس فی السماء، فیوجّه نحو الأرض نصف كرته المظلم المحجوب عن الأشعّة الشّمسیة. و هذا یتّفق فی كلّ شهرٍ هلالی مرّةً واحدةً.

  •  و لولا اختلاف العرض فی القمر لكان فی كلّ شهر هلالی یتحقّق كسوفٌ فی آخره و خسوفٌ فی وسطه لكن لمكان اختلاف العرض لا یتحقّق الكسوف فی المحاق أواخر الشهور؛ و بملاحظة محق نوره تسمّى هذه الحالة حالة المحاق.

  •  و إذا خرج القمر عن هذه الحالة لابدّ أن یرى على شكل هلالٍ ضعیفٍ؛ لكنّ دقّة القطر المنوّر للهلال جدّاً تمنعنا عن رؤیته إلى حدّ یسیرُ فی الفضاءِ و یبعد عن الشّمس بقدرٍ یصیر قابلًا لرؤیته بشكل الهلال. هذا الفصل من الزمان یسمّى تحت الشعاع و هو ما إذا كان الفاصل بین جرمَی الشّمس و القمر على قدر نصف جرمیهما.

  •  و أمّا مدّة مكث القمر تحت الشعاع فبعد خروجه من المحاق إلى أن یسیر فی المدار ما یقرب ثمان درجات، و حیث نعلم أنّ زمان سیر القمر فی المدار فی كلّ درجةٍ

    1. يعني ليس وضعه حينئذٍ قريباً من المحلّ الحقيقيّ للشمس؛ بل وضعه قريبٌ من المحلّ الذي يظهر لنا من الشّمس، و هو امتداد شعاع أبصارنا إليها. (منه عفي عنه(

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

18
  •  یطول ما یقرب ساعتین‌1؛ فإذن یخرج القمر عن تحت الشعاع بعد ستّ عشرة ساعةً تقریباً.2

  •  إعلم أنّ حالّتی المحاق و تحت الشعاع جمیعاً تطولان ثمان و أربعین ساعةً تقریباً3؛ لأنّ القمر یدخل تحت شعاع الشّمس قبل المقارنة باثنتی عشرة درجةً فی المقارنة و یخرج عن تحت الشعاع بعد اثنتی عشرة درجةً من المقارنة فالمجموع أربع و عشرون درجةً المساوی لسیر القمر فی المدار زماناً لثمان و أربعین ساعةً.

  •  بعضهم یسمّى المحاق و تحت الشعاع باسمٍ واحدٍ و عبّر عنهما بالمحاق أو تحت الشعاع؛ و لا مشاحّة فی التعبیر.

  • المقدّمة التاسعة

  •  التّاسعة: أنّ حركة الأرض حول الشّمس لم تكن على كیفیة واحدةٍ بحیث تنطبق دائرة معدّل النهار على دائرة منطقة البروج دائماً؛ بل تختلف نسبة المعدّل إلى المنطقة فی كلّ یوم من الأیام.

  •  ففی أوّل الحمَل الذی هو أوّل نقطة الاعتدال الربیعی، تنطبق الدائرتان؛ و یكون الیوم و اللّیلة فی جمیع نقاط الأرض متساویین.

  •  ثمّ تمیل دائرة معدّل عن المنطقة إلى طرف الشمال‌4 شیئاً فشیئاً، میلًا دائماً مستمرّاً، ثلاثة أشهر إلى آخر الجوزاء و أوّل السَّرَطان.

  •  و فی جمیع هذه المدّة تختلف نسبة الأیام إلى لیالیها فی جمیع نقاط الأرض إلّا

    1. أى ساعةً و ٤٩ دقيقةً و بِضع عشرة ثانيةً م.
    2. و ١٤ ساعةً و ٣٤ دقيقةً و بضع عشرة ثانيةً تحقيقاً م.
    3. و ٤٣ ساعةً و ٤٢ دقيقةً و بضعاً و خمسين ثانيةً تحقيقاً م.
    4. التعبير إلى طرف الشمال على مبنى القدماء و ما هو المشاهد بالحسّ و المتعارف في التعبير من حرکة الشّمس حول الأرض و أمّا بالنسبة إلى الواقع و هو حرکة الأرض حول الشّمس فتمايل المعدّل عن المنطقة إلى طرف الجنوب يقرب الصيف و تصير الأيّام في النواحي الشماليّة أطول من الليالي و أوّل السرطان الذي هو اوّل نقطة الإنقلاب الصيفي في النواحي الشماليّة يکون آخر ميل المعدّل عن المنطقة جنوبيّاً. (منه عفي عنه)

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

19
  •  فی نفس خطّ الاستواءِ و حوالیه تقریباً و آخر انتهاء میل المعدّل عن المنطقة یكون ثلاث و عشرین درجةً و ثلاثین دقیقةً و سبع عشرة ثانیةً شمالیةً (١٧ و ٣٠و ٢٣ لی).1

  •  و أوّل السرطان و هو اوّل نقطة الانقلاب الصیفی یكون أطول أیام السنة فی النواحی الشمالیة بالنسبة إلى خطّ الاستواء و دائرة المعدّل؛ و أقصرها فی النواحی الجنوبیة؛ و هذا آخر نقطة المیل الشمالی؛ ثمّ یمیل المعدل إلى المنطقة جنوباً من أوّل السرطان شیئاً فشیئاً ثلاثة أشهر إلى آخر السُّنبلة و أوّل المیزان فیرجع المعدل إلى حالته الاوّلیة فینطبق علی المنطقة؛ فتتساوى الأیام و اللیالی مرّةً أُخرى فی جمیع بقاع الأرض.

  •  ثمّ یمیل المعدل أیضاً نحو الجنوب من أوّل المیزان الذی هو أوّل نقطة الاعتدال الخریفی، شیئاً فشیئاً حتّى یبلغ ثلاثاً و عشرین درجةً و ثلاثین دقیقةً و سبع عشرة ثانیةً جنوبیةً (١٧ و ٣٠و ٢٣ بی) فی مدّة ثلاثة أشهر إلى آخر القوس و أوّل الجَدْی. و یكون عندئذٍ أقصر أیام السنة فی النواحی الشمالیة و أطولها فی النواحی الجنوبیة؛ و هذا آخر المیل الجنوبی.

  •  ثمّ یمیل المعدّل أیضاً نحو الشمال من أوّل الجدی الذی هو اوّل نقطة الانقلاب الشتوی، ثلاثة أشهر إلى آخر الحوت و أوّل الحَمَل، فتنطبق الدائرتان أیضاً و یتساوى المَلَوان.2

  •  و مدّة هذا المیل الشمالی و الجنوبی فی دورةٍ كاملةٍ لحركة الأرض حول الشّمس المسمّاة بالحركة الانتقالیة تبلغ اثنی عشر بُرجاً كاملًا؛ لا ربط لها بالشهور الهلالیة؛ و تسمّى بالسنة الشمسیة.3

  •  ثمّ تكرّرت السنوات بدوران الأرض حول الشّمس مع میل المعدّل عن المنطقة شمالًا و جنوباً على هذا المنهج دائماً.4

  • المقدّمة العاشرة والحادیة عشرة والثانیة عشرة

  •  العاشرة: أنّ حركة القمر حول الأرض لیست على كیفیةٍ واحدةٍ بحیث ینطبق مداره على منطقة البروج دائماً بل ینطبق بعض الأحیان على المنطقة ثمّ یمیل عن‌

    1. اعلم أنّ القدماء ضبطوا غاية ميل المعدل عن المنطقة ٢٣ درجةً وثلاثين دقيقةً ولکنّ المتأخّرين ضبطوها ٢٣ درجةً و ٢٧ دقيقةً و تخيّلوا أنّ القدماء لم تکن محاسباتهم المبنيّة على أرصادهم دقيقةً لکن قبل خمس عشرة سنةً جائت کشفيّةٌ جديدةٌ في عالم النجوم و هو أنّ غاية ميل المعدّل عن المنطقة لا تکون أمراً ثابتاً بل متغيّرة دائماً على جهة النقصان فإذن تبيّن أنّ محاسبةَ القدماء صحيحةٌ و هذا الاختلاف حصل من مرور الدهور. (منه عفي عنه)
    2. کهذه الصورة:
      \Y”
    3. » اعلم أنّ مدار الارض حول الشمس ليس بيضيّاً صحيحاً هندسيّاً بل إنّما هو شبه الدائرة و وقعت الشمس خارجةً عن مرکزها، و لهذا سمّى هذا المدار فى ألسنة العرف بالبيضىّ. ثمّ إنّ هذا المدار إنّما هو بسبب الشکل الاصلىّ لمدار الارض أوّلًا و جذب القمر و المرّيخ و زُحل و بقيّة السيّارات و الشمس إيّاها ثانياً، فنتيجة جميع هذه العوامل صيّرت المدار على هذا النهج منه عفى عنه
    4. بيان الفصول الاربعة وفقاً للهيئة القديمة إنّ بيان کيفيّة إيجاد الفصول فى هذه المقدّمة کما مرّ مبنىّ على ما هو المشاهد بالحسّ و المتعارف فى التعبير الموافق فى الظاهر لمبنى القدماء من حرکة الشمس حول الارض، حيث إنّهم کانوا يعتقدون انّ الشمس تدور حول الارض مرّةً واحدةً کلّ أربع و عشرين ساعةً و إنّ ميلها يتغيّر على مدى السنة، فيسبّب تغيّر ميل الشمس حصول الفصول المختلفة. و أمّا فى علم الهيئة الحديث فيقال: إنّ الارض تدور حول نفسها مرّةً واحدة کلّ أربع و عشرين ساعةً، و مع ذلک تدور حول الشمس مرّةً واحدة فى کلّ سنة و يبقى امتداد محورها بحاله. و حيث إنّ محور الارض مائل عن سطح مدارها بزاوية فى حدود ٦٦ و ٣٣، فإنّ هذا الميل هو العلّة الاساسيّة لحصول الفصول المختلفة.
      ولا يخفى أنّه على الرغم من اختلاف البيانين فى حصول الفصول، لا يوجد لذلک أثر ملاحظ فى أغلب الحسابات الفلکيّة، و خاصّةً فى موضوع هذا الکتاب (رؤية الهلال) حيث إنّه لا يؤدّى إلى أىّ تغيير أساسىّ‌بيان الفصول الاربعة وفقاً للهيئة الحديثة
      وبيان الفصول الاربعة وفقاً لعلم الهيئة الحديث على النحو التالى:
      أ) إنّ الارض تدور حول الشمس خلال السنة على مسير شبيه بالدائرة تقع الشمس فى مرکزه أو بتعبير أدقّ مسير بيضوىّ قريب من الدائرة جدّاً تقع الشمس فى إحدى بؤرتيه و تُدعى هذه الحرکة بالحرکة الانتقاليّة للارض.
      ب) يصنع مستوى دائرة البروج مع صفحة الاستواء أو صفحة معدّل النهار زاويةً تعادل ٢٣ و ٢٧، و هذه الزاوية ثابتة تقريباً، و لهذا الدليل فإنّ محور دوران الارض يصنع زاويةً مع مستوى دائرة البروج تعادل ٦٦ و ٣٣.
      ج) يتلاقى مستوى دائرة البروج و مستوى معدّل النهار فى خطّ اذا ما مرّ هذا الخط على الشمس يدعى بخطّ الاعتدالين، يشکل انتهاؤه على الکرة السماويّة نقطتين تدعيان بنقطتى الاعتدالين: نقطة الاعتدال الربيعىّ و نقطة الاعتدال الخريفىّ.
      د) لو مدّ خطّ من محلّ الشمس على مستوى دائرة البروج بحيث يکون عموديّاً على خطّ الاعتدالين، فإنّ هذا الخطّ سيُدعى خطّ الانقلابين، و يکون انتهاؤه على الکرة السماويّة نقطتين تدعيان بنقطة الانقلاب الصيفىّ و نقطة الانقلاب الشتوىّ.
      ه) إذا وصلت الارض خلال حرکتها الانتقاليّة إلى محاذاة نقطة الاعتدال الربيعىّ (أى فى أوّل برج الحمل)، فإنّ الشمس ستکون على امتداد مستوى استواء الارض، و يتساوى طول الليل و النهار فى جميع نقاط الارض، و يکون ذلک بداية فصل الربيع فى نصف الکرة الارضيّة الشمالىّ
      و) تتحرّک الارض حول الشمس، و لمّا کان محور الارض مائلًا بزاوية عن دائرة البروج، فإنّ الشمس ستخرج تدريجيّاً إثر دوران الارض عن امتداد صفحة استواء الارض، إلى أن تقع بعد مرور ثلاثة أشهر (أى فى أوّل برج السرطان) على مستوٍ يمرّ بمحور الارض و يکون عموديّاً على دائرة البروج، و تکون الارض حينذاک قد وصلت إلى محاذاة نقطة الانقلاب الصيفىّ، و يکون ذلک بداية فصل الصيف فى نصف الکرة الارضيّة الشمالىّ. و باعتبار أنّ أشعّة الشمس تکون عموديّةً بصورة أکثر على المناطق الشماليّة، فإنّ طول النهار سيزداد و حرارة الجوّ سترتفع.
      ز) تستمرّ الارض فى حرکتها الانتقاليّة، فتصل بعد ثلاثة أشهر أُخرى (أى فى أوّل برج الميزان) إلى محاذاة نقطة الاعتدال الخريفىّ، و يمثّل ذلک بداية فصل الخريف فى نصف الکرة الارضيّة الشمالىّ. و يتساوى مرّةً ثانيةً طول الليل و النهار، إذ تکون الشمس ثانيةً على امتداد مستوى استواء الارض.
      ح) و أخيراً تصل الارض خلال حرکتها الانتقاليّة بعد ثلاثة أشهر أُخرى (أى فى أوّل برج الجدى) إلى محاذاة نقطة الانقلاب الشتوىّ، فتقع الشمس ثانيةً على مستوٍ يمرّ بمحور القطبين و يکون عموديّاً على دائرة البروج، فيکون ذلک بداية فصل الشتاء فى نصف الکرة الارضيّة الشمالىّ. و باعتبار أنّ أشعّة الشمس تکون مائلةً بالنسبة إلى المناطق الشماليّة بدرجة أکبر، فإنّ النهار سيکون أقصر و درجة الجوّ ستکون أبرد.
      ط) بعد مرور ثلاثة أشهر أُخرى تکون الارض قد أکملت حرکتها حول الشمس و بلغت من جديد نقطة الاعتدال الربيعىّ.
      وبهذا الترتيب تتعاقب الفصول الاربعة على الارض دائماً، و بهذه الحرکة التى تستغرق اثنى عشر شهراً يتحقّق مرور السنة الشمسيّة
      \Y” ى) شروع جميع الفصول فى نصف الکرة الجنوبىّ عکس نصفها الشمالىّ، أى بداية الصيف فى نصف الکرة الشمالىّ هى بداية الشتاء فى نصفها الجنوبىّ، کما أنّ الربيع و الخريف فيهما متعاکسان- م

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

20
  •  المنطقة شمالًا ما یقرب خمس درجاتٍ؛ ثمّ یرجع إلى المنطقة؛ ثمّ یمیل عن المنطقة جنوباً ما یقرب خمس درجات؛ ثمّ یمیل إلى المعدّل.

  •  و تستمرّ حركة القمر على هذه الوَتیرة دائماً.1

  •  الحادی عشرة: الشهر القمری على أربعة أقسام:

  •  الاوّل: الشهر القمری الحسابی؛ و هو فصل زمان مقارنتَی النیرین المتوالیتین؛ و یكون تسعةً و عشرین یوماً و اثنتى عشرة ساعةً و أربع و أربعین دقیقةً (٤٤ قة ١٢ عت ٢٩ یوماً) و هذا لایختلف بمرّ الدهور.

  •  الثانی: الشهر القمری الوَسَطی، و هو جعل شهرٍ ثلاثین ثمّ تسعةً و عشرین ثمّ‌

    1. إنّ مدار القمر متمايل عن دائرة البروج دائماً ما يقرب خمس درجات و تسع دقائق؛ فالقمر يدور فوق دائرة البروج فى نصف مداره و تحتها فى نصفه الآخر
      \Y”

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

21
  •  ثلاثین ثمّ تسعةً و عشرین و هكذا على هذا المنهج.1

  •  و صحّحوا المقادیر الجزئیة الخارجة عن هذه الضابطة بجعل كبائس كما عرفت. و علیه الملاحدة الإسماعیلیة.

  •  الثالث: الشهر القمری الهلالی الفلكی؛ و هو المبدوّ بأوّل زمان إمكان رؤیة الهلال عند الفلكیین.

  •  و لا یكون هذا إلّا تسعةً و عشرین یوماً أو ثلاثین یوماً على حسب اختلاف المقامات و الأوضاع الفلكیة الدخیلة فی الرُّؤیة عند الخبیر المتضلّع باستخراج التقاویم.

  •  فإذن تارةً یكون شهرٌ تسعةً و عشرین ثمّ ثلاثین ثمّ تسعةً و عشرین ثمّ ثلاثین و تارةً یكون شهران متوالیان أو ثلاثة أشهرٍ متوالیاتٍ، تسعةً و عشرین؛ و لا یمكن أزید من ذلك؛ و تارةً یكون شهران متوالیان أو ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر متوالیاتٍ، ثلاثین؛ و لا یمكن أزید من ذلك. فلا یمكن أن یكون أربعة أشهرٍ متوالیات تسعةً و عشرین؛ و لا خمسةُ أشهرٍ متوالیاتٍ ثلاثین.

  •  الرابع: الشهر القمری الهلالی الشرعی؛ و هو المبدوّ برؤیة الهلال خارجاً؛ لا إمكان رؤیتها كما ستعرف إنشاء اللَه تعالى.

  • الامور الدخیلة فی إمكان رؤیة الهلال‌

  •  الثانیة عشرة: الامور الدخیلة فی إمكان رؤیة الهلال فی أوّل الشّهر الهلالی وجوهٌ:

  •  الاوّل: اختلاف البلاد طولًا، لأنّ كلّ بلدٍ یكون طوله أقلّ من جزائر خالدات أو من رَصَد كرنویج، أقرب فی الرُّؤیة؛ لغروب النیرین فیه بعد غروبهما من البلد الذی یكون طوله أكثر.

  •  فیمكن أن یرى الهلال فیه دون ذلك؛ و إن كان عرضهما سواءً.

  •  مثلًا إذا فرضنا فی بلدة طهران التی یكون طوله من نصف نهار كرنویج واحداً و خمسین درجةً و نصف درجةٍ تقریباً و تغرب الشّمس فیها قبلها بثلاث ساعات وستّ و عشرین‌

    1. لا يخفي أن محاسبة الشهور الوسطيّة على هذا المنهج هو المتفق عليه بين الفلکيّين المتفکرين في خلق السماوات و الأرض کلّهم لا يکتفون بها بل يعيّنون الشهور الحقيقيّة بعد محاسبة المقادير الجزئيّة المعروفة بالتعديلات؛ فتصير شهوراً هلاليّة فلکيّة حقيقيّة کما في القسم الثالث و أمّا الملاحدة من الإسماعيليّة فلا يعتنون بالشهور الحقيقيّة بل يبنون في محاوراتهم و أعمالهم على الشهور الوسطيّة و يلتزمون بالکبائس کما بيّنّاه. (منه عفي عنه)

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

22
  •  دقیقةً (٣ عتٍ و ٢٦ قة)؛ أن یكون القمر وقت الغروب تحت الشعاع و أن یكون إلى خروجه درجةٌ واحدةً؛ فإذن یخرج بعد ساعتین.

  •  ففی طهران و جمیع البلاد التی یكون طولها أزید من ساعةٍ و ستّ و عشرین دقیقةً، لا یكون الهلال قابلًا للرؤیة، و إن كانت متساویةً فی العرض بالنسبة إلى طهران فی الجملة.

  •  و فی جمیع البلاد التی یكون طولها أقلّ من ساعةٍ واحدةٍ و ستّ و عشرین دقیقةً، یكون قابلًا لها.

  •  الثّانی: اختلاف البلاد عرضاً. و هذا من ثلاث جهات:

  •  الجهة الاولى، بُعد المعدّل عن المنطقة و قربه منها، لما ذكرنا أنّ أیام السنة تختلف طولًا و قصراً على حسب درجة اختلاف بعد المعدّل عن المنطقة؛ و من هذه الناحیة أیضاً یختلف وقت غروب الشّمس فی الأماكن المختلفة عرضاً؛ فیمكن أن تغرب الشّمس فی ناحیةٍ و لم یخرج القمر عن تحت الشعاع؛ ثمّ تغرب فی ناحیةٍ أُخرى و قد خرج عن تحته؛ فیرى الهلال فی الثانیة دون الاولى.

  •  مثلًا فی بلدة طهران التی یكون عرضها الشمالی (٥٩ ثانیةً و ٤١ دقیقة و ٣٥ درجةً) یكون أطول أیام السّنة و هو أوّل السّرطان، ما یقرب أربَعَ عشرةَ ساعةً و نصف ساعةٍ؛ و فی نفس الیوم یكون النهار فی بلدة جنوبیةٍ من المعدّل بحیث یكون عرضها الجنوبی بهذا المقدار و هو (٥٩ ثانیةً و ٤١ دقیقة و ٣٥ درجةً) جنوبیةً و كانت متساویة الطول لطهران، أقصرَ أیام السنة، و هو تسع ساعاتٍ و نصف ساعةٍ تقریباً؛ فإذن یكون الاختلاف بینها و بین طهران خمس ساعاتٍ؛ فیطلع الشّمس فی طهران بنصف هذا المقدار و هو ساعتان و نصف ساعةٍ قبل تلك البلدة، و یغرب أیضاً بعدها بهذا المقدار. فحینئذٍ إذا فرضنا وقت الغروب فی تلك البلدة، كون القمر تحت الشعاع بدرجةٍ واحدةٍ؛ لم یرَ الهلال فیها؛ و بعد سیره فی المدار بدرجةٍ واحدةٍ تطول ساعتین، یخرج و یرى فی طهران؛ لأنّ غروب الشّمس فی طهران إنّما هو بعد نصف ساعةٍ من خروج القمر عن تحت الشعاع.

  •  الجهة الثانیة: بُعد القمر عن المعدل شمالًا و جنوباً ما یقرب عشر درجات. فإذا كان القمر بعیداً عنها شمالًا لم یرَ الهلال فی بعض النواحی الجنوبیة؛ و إذا كان بعیداً عنها جنوباً لم یرَ الهلال فی بعض النواحی الشمالیة، و إن كانت النّواحی متساویة الطول.

  •  الجهة الثالثة: لمّا كان مدار حركة القمر حول الأرض غالباً حول المعدّل؛ فكلّ‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

23
  •  بلدٍ یكون أبعد من المعدّل شمالًا و جنوباً یكون دائرة مدار حركة القمر حولها بالنسبة إلیه أبعد من المناطق الاستوائیة؛ فیكون اضطجاعها إلى الافق أكثر.

  •  فیلزم أوّلًا، أن یكون الهلال عند الغروب فیه إلى الافق أقرب.

  •  و ثانیاً، تكون الأغبرة المجتمعة فی حوالی الافق فیه أكثر و تكون الرُّؤیة أصعب.

  •  و هذه الجهة موجبة لامتناع الرُّؤیة أو صعوبتها فی البلاد التی یكون عرضها كثیراً؛ بخلاف ما إذا كان مدار القمر فی البلد أقرب إلى الانتصاب؛ فتكون الرُّؤیة أسهل.

  •  الثالث: الأوضاع الفلكیة و هی أُمورٌ:

  •  الأمر الأوّل، بُعد تقویم القمر عن تقویم الشّمس المعبّر عنه بالبعد سُّوی‌1 و هو بُعد مكان القمر عن الشّمس فی السماء2، لأنّ القمر إذا بعد عن الشّمس مقداراً قریباً من اثنتی عشرة درجةً أو أقلّ بقلیل أو أكثر كذلك، خرج عن تحت الشعاع‌3 و صار قابلًا للرؤیة؛ و المعروف عند المحقّقین أنّ أقلّ مقدار بُعد سُّوی عشر درجات.

  •  لكنّ المقامات تختلف؛ لأنّه ربّما خرج فی أوّل الغروب فیكون قابلًا للرؤیة و لكن بصعوبةٍ؛ لأنّ القطر المنوّر للهلال حینئذٍ دقیق جدّاً؛ و أمّا إذا خرج مثلًا فی أوّل النهار قبل غروب الشّمس باثنتی عشرة ساعةً؛ یسیر فی المدار إلى الغروب ستّ درجاتٍ؛ فحینئذٍ یكون بُعده عن الشّمس عند الغروب بثمان عشرة درجةً؛ فیزید بعد سوی و یصیر القطر المنوّر ضخیماً یرى بالسهولة.

  •  الأمر الثانی: بُعدُ مغرب القمر عن مغرب الشّمس زماناً المعبّر عنه بالبعد المعدّل و هو بُعد زمان مَغیبَیهما، ثمّ یحاسب على حسب الدرجات مكاناً فیصیر بُعد جِرم القمر عن جِرم الشّمس فی السّماء لكن على جهة الغروب.

  •  لأنّه كلّما كان هذا الفصل أطول كان زمان مكث الهلال فوق الافق أكثر؛ فیرى فوق الافق بسهولةٍ. و أمّا إذا كان هذا البعد قلیلًا، یغرب القمر بعد غروب الشّمس بفاصلةٍ قلیلةٍ؛ و لا یكون قابلًا للرؤیة.

    1. سُوي بالضمّ و القصر، فما ربّما يُسمع أو يُرى في بعض الکتب من ضبطه بالفتح و المدّ او بالکسر و المدّ أو القصر فهو لحن (منه عفي عنه.(
    2. أي تفاوت تقويمَي النيّرين أي تقويم الشّمس الحقيقيّ، و تقويم القمر المرئيّ (منه عفي عنه).
    3. لا يخفي أنّ تحت الشعاع على قسمين: أحکاميّ و هلاليّ. و ما حدّدناه في طيّ کلامنا باثنتي عشرة درجةً إنّما هو في الأحکاميّ؛ و أما الهلاليّ فهو أقلّ منه کثيراً (منه عفي عنه.(

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

24
  •  و المذكور فی الكتب المشهورة، أنّه ینبغی أن یكون البعد بین مغربَی النیرین أكثر من عشرة أجزاءٍ و قیل: ینبغی أن یكون ما بینهما عشرة أجزاء أو أكثر؛ حتّى یكون مكث الهلال فوق الافق بعد غروب الشّمس ثُلثی ساعةٍ أو أكثر؛ ولكنّ التّحقیق أنّ الهلال یرى ببُعد تسع درجاتٍ أیضاً.

  •  و لأنّ الأرض تدور حول نفسها كلّ درجةٍ فی أربع دقائق؛ و فی هذه المدّة یقرب الهلال من محلّ غروبه درجةً واحدةً؛ فإذا كان بُعدُ مغرب القمر عن مغرب الشّمس عشر درجاتٍ؛ فبَعد حاصل ضربهما و هو (١٠* ٤/ ٤٠) أربعون دقیقةً یخفی الهلال تحت الافق.

  •  واعلم أنّ من جملة ما هو دخیلٌ فی البعد المعدّل، حالة ترقّص القمر عند علماء الفلك؛ فیشاهد القمر كأنّه واقفٌ مضطربٌ.

  •  ففی هذه الحالة یكون مكث القمر فوق الافق أكثر ممّا لم یكن فیه هذه الحالة

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

25
  •  فتكون الرُّؤیة أسهل.

  •  و حالة الترقّص هی حالة مدار سیر القمر حول الشّمس فیما یقرب القمر من زاویة مداره المضرّس بقلیل و فیما یبعد عنها كذلك.

  •  و هذا المدار المضرّس هو مداره حول الشّمس الحاصل من نتیجة سیر القمر حول الأرض و سیر الأرض حول الشّمس.

  •  ثمّ اعلم أنّ ممّا هو دخیل فی الرُّؤیة و سهولتها، ارتفاع الهلال من الافق لأنّه كلّما كان أكثر كانت الرُّؤیة أسهل.

  •  هذا و لكنّ الارتفاع لیس دخیلًا فیها بحذاء البعد السُّوی و البعد المعدّل؛ بل هو أمرٌ تابعٌ لمقدار هما فبحصول مقدار بُعدَیهما یحصل قدرُ الارتفاع قهراً.

  •  و أمّا انحراف القمر عن الشّمس شمالًا أو جنوباً و تعیین القطر المنوّر للهلال على حَسَب الثوانی الفلكیة فلیسا دخیلین فی الرُّؤیة البتّة؛ و ما ترى أنّ بعض الفلكیین یحاسبو نهما فی مستخرجاتهم فهو من باب المعاونة على تعیین محلّ الهلال و كیفیة مشاهدته.

  •  الرابع: العوامل الفیزیكیة؛ كوجود الأبخرة المائیة فی الهواء و عدمها.

  •  ففی فصل الشتاء تكون الأبخرة المائیة المتلألأة كثیرةٍ فی الهواء؛ فیرى الهلال تحتها رقیقاً و تكون الرُّؤیة أصعب.

  •  و فی فصل الصیف تكون الأبخرة المائیة قلیلةً؛ و الموادُّ المحرقة و الغازاتُ غیر

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

26
  •  المائیة كثیرةً؛ فینعكس النور و ینكسر؛ فیریا لهلال تحتها غلیظاً ضخیماً؛ فتكون الرُّؤیة أسهل.

  •  هذا مضافاً إلى جهاتٍ أُخرى غیر مستمرّة؛ مثل السحب و الغیوم و الرّیاح الموجبة لكدورة الهواء و تضر یس بعض الأراضی و الجبال و كلالة البصر؛ فتكون الرُّؤیة أصعب.

  •  بخلاف الصحو و صفاء الهواء و تسطیح الأرض وحدّة البصر الموجبة لسهولة الرُّؤیة؛ لكن لا یمكن ضبطها.

  • المقدّمة الثالثة عشرة

  •  الثالث عشرة: إنّ متقدّمی علماء النجوم، أعرضوا عن تخریج ضابطةٍ كلّیةٍ لرؤیة الهلال فی جمیع الشهور، و ذلك لتعذّر تعیین ضابطةٍ كلّیةٍ للأهلّة، من حیث البعد السُوی و البعد المعدّل و الارتفاع و انحرافه عن مغیب الشّمس و مكثه فوق الافق و سائر الجهات الفلكیة التی لا یمكن إدراج جمیعها تحت قاعدةٍ كلّیةٍ أبداً.

  •  و أمّا متأخّروهم فقد أتعبوا أنفسهم فی تخریج هذه الضابطة، لكن لم یأتوا بشئٍ فی المقام؛ و كلّ ما أوردوه ناقصٌ مُراعی فیه بعض الجهات دون بعض.

  •  و قد أتعب نفسَه المحقّق الطوسی كثیراً على ما فی زیج إیلخانی و غیره من الكتب؛ و ذكر نتیجة محاسباته من لحاظ البُعد بین تقویمَی النیرین و بین مغربَیهما المعبّر عنهما بالبعد السُّوی و البعد المعدّل، و ذهب إلى أنّ البعد المعدّل إذا كان عشردرجاتٍ فالهلال قابلٌ للرؤیة أی نحوٍ كان.

  •  فبنى على أنّ فی كلّ ناحیةٍ یكون الهلال قابلًا للرؤیة یبقى فی السماء أربعین دقیقةً؛ لما مرّ علیك من ضرب عشر درجاتٍ فی أربع دقائق.

  •  و لم یكن فی علماء الإسلام فلكی خبیرٌ مثل هذا المحقّق مجدّاً فی تعیین هذه القاعدة الشاملة؛ و لذلك ترى أنّ أصحاب التقاویم المستخرجة من بعده، ذهبوا إلى هذا المرام و لم یتعدّوا عنه و بنوا على أنّ أقلّ درجة البعد المعدّل لابدّ و أن یكون عشر درجاتٍ حتّى یصیر الهلال قابلًا للرؤیة.

  •  و لكنّه (قدّه) مع هذا التعب لم یأت بحسابٍ صحیح دقیق؛ بل هو عین التقریب؛ لأنّه أوّلًا:

  •  أدخل تحت محاسباته بُعد السُّوی الواقعی و البعد المعدل الواقعی؛ و هذا غیر مجدٍ؛ بل لابدّ من محاسبة بُعد السُّوی المرئی و البعد المعدل المرئی؛ لأنّه باختلاف المناظر یختلف بُعداهما؛ و المرئی منهما یختلف باختلاف النواحی و البلاد و باختلاف الشهور

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

27
  •  و لا یكون تحت ضابط.1 و ثانیاً:

  •  أنّه ذهب إلى أنّ أقل بعد سُوی عشر درجاتٍ؛ مع أنّه إذا اجتمع سائر الشرائطبنحو أعلى من كثرة البعد المعدّل و الارتفاع ربّما یمكن الرُّؤیة مع تسع درجات بالنسبةإلى بعد سُوی‌2. هذا مع أنّه ادّعى فلكی خبیرٌ جدّاً أنّه رَصَد الهلال أوّل الغروب من دخول شهرٍ من الشُّهور، فوجد البُعدَ المعدّل ثمان درجاتٍ.

  •  فإذن تعیین الضابطة الكلّیة الحقیقیة لرؤیة الهلال عند المنجّمین من الامور المستحیلة؛ نعم لابأس بما ذكروه على سبیل التقریب.

  • المقدّمة الرابعة عشرة

  •  الرابع عشرة: الأعراب قبل الإسلام كانوا یعرفون الصور الفلكیة و منازل القمر؛ و المنازلُ الثمانیة و العشرون للقمر كانت من مخترعاتهم؛ و أیضاً كانوا خبیرین بحساب الأنواءِ التی هی التغییرات الجویة، و مواضع الطلوع و الغروب.

  •  و كانوا یستدلّون من أوقات الطلوع و سقوط المنازل على اختلاف الأهویة؛ و واقفین بهذه الامور إلى حدٍّ لم یكن یعرف مثله لسائر الملل و الأقوام، بحیث یعرف هذه المواضع من علم النُّجوم من خصائصهم فی زمان الجاهلیة.

  •  الأعراب كانوا یمیزون الكواكب السیارات من الثوابت؛ نرى اسم زُحَل و عُطارِد فی أشعارهم فی الجاهلیة؛ و أیضاً نرى فی مسطوراتهم اسم زُحَل و مشتری و مریخ قبل نقل العلوم من یونان ففی أشعار كمیت المتولّد فی سنة ٦٠من الهجرة و المتوفی فی سنة ١٢٦ نرى اسم زُحَل و مرّیخ.

  •  یقولون: إنّ الأعراب الجاهلیة من بنی تمیم كانوا یعبدون عطارد.

  •  و یستفاد من مسطورات المؤلّفین السُّریانیین و الیونانیین فی القرن الخامس و السادس قبل المسیح أنّ الأعراب المجاورین الشّام و العراق كانوا یعبدون كوكب زهرة فی زمان ظهوره الصباحی.

    1. و لذلک ترى أنّ أرباب الزيجات و أصحاب الأرصاد يحاسبون اختلاف المنظر في الخسوفين و الهلال بلا کلامٍ فلا تقريب من هذه الحيثيّة في محاسباتهم ولکنّ المحقّق المذکور لم يذهب في تعيين الضابطة الکلّيّة إلى محاسبة اختلاف المنظر فأصبحت محاسباته في هذا المقام على سبيل التقريب (منه عفي عنه).
    2. و قد تقدّم أنّ التحقيق أنّ الهلال يُرى على بُعد تسع درجاتٍ أيضاً؛ و بذلک صرّح الرّاصدون بسمرقند؛ بل بأقلّ من تسع درجات بقليل أيضاً. (منه عفي عنه).

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

28
  •  و هذا الذی ذكرنا مختصر ممّا ذكر من اختصاصاتهم بالنجوم و تبحّرهم فی الأنواءِ؛ و التفصیل فی كتب عبد الرحمن الصوفی و المجسطی للبطلمیوس و أنواءِ أبی‌حنیفة الدِّینَوَری و روضة المنجّمین للحكیم شَهْمردان الرازی من كتب القدماءِ و كتاب علم الفلك‌1، تاریخه عند العرب فی القرون الوسطی؛ للمستشرق الایطالیائی: نَلّینو. و المستشرقُ الفرانسوی سِدِیو الذی تَرجم باللغة الفرنسیة مقدّمةَ كتاب زیج أُلُغ بیك ابن شاهرخ بن‌أمیر تیمور، ذكر فی مقدّمة كتابه هذا ما یفید تضلّع العرب فی النجوم و الأنواء.

  • المقدّمة الخامسة عشرة

  •  الخامس عشرة: السنوات القمریة و شهورها لم تكن من مختصّات الإسلام و مخترعاته؛ بل غالب الملل القدیمة كانوا یتّخذون السنوات القمریة و شهورها فی أُمورهم.

  •  ملّة الصّین الذین كانوا یتقدّمون فی علم النجوم على سائر الملل، و ذلك قبل ألفی سنةٍ من میلاد المسیح، و كانوا یستخرجون تقاویم الكواكب و یحسبون الكسوفات و الخسوفات، و كانوا یعینون عبور ثمانیة و عشرین كوكباً من دائرة نصف النهار، و یعینون دورة حركة الشّمس على مقدار ٣٦٥ یوماً و ربع یومٍ؛ كانوا یتّخذون فی أُمورهم و محاوراتهم و تواریخهم السنین القمریة و شهورها.

  •  مِتُن: المنجّم المعروف الیونانی الذی كانت حیاته قبل خمسة قرون من میلاد المسیح؛ اكتشف أنّ تسع عشرة سنةً شمسیةً تشمل مأتین و خمس و ثلاثین رؤیةً للهلال؛ و بَعد هذه المدّة أهلّة القمرعادت على ترتیبها الاوّل و موضعَا الشّمس والقمر عاد اعلى كیفیتهما الاولى بالنسبة إلى الأرض.

  •  إن هذه المدّة سمّیت عند الیونانیین بالدورة الذهبیة.

  •  و الأعراب الجاهلیة بأجمعهم كانوا یتّخذون الشهور القمریة فی مواقیتهم؛ و عند هذه الطوائف جمیعاً كان مبدء الشهر القمری، رؤیة الهلال بعد خروجه عن تحت الشعاع. و لم ینسب إلیهم العلم بمعرفة السّنة الشّمسیة و شهورها.

  •  إذا تمهّدت هذه المقدّمات، نقول:

  • مبدئیة خروج القمر عن تحت الشعاع، تخالف اتّفاق جمیع الاقوام والامم‌

  •  اتّفقت الأقوام و الملل الذین كانوا قبل الإسلام و منها العرب الجاهلی الذین كانوا یتمسّكون فی تواریخهم بالشهور القمریةو سنواتها؛ و بعد الإسلام إلى حدّ الآن على أنّ مبدء كلّ شهرٍ هو رؤیة القمر بعد خروجه عن تحت الشعاع.

    1. هذا الکتاب قد ترجم باللغة الفارسيّة أخيراً بعنوان: تاريخ نجوم إسلامي. و فيه بحث تاريخيّ للنَّسئ الوارد في القرآن الکريم و بحوث أُخرى.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

29
  •  و ذلك لا یكون إلّا فی وقت غروب الشّمس یوم التاسع و العشرین أو الثلاثین؛ و بذلك یدخل الشهر اللاحق الذی مبدؤه أوّل دخول اللّیل.

  •  و بهذه المناسبة یجعلون لیلة كلّ یوم، اللّیلة التی قبله لا اللّیلة التی بعده.

  •  و كلّ شهر من هذه الشهور یكون ثلاثین یوماً أو تسعةً و عشرین یوماً. و هذا أمرٌ رائجٌ دارجٌ بین جمیع الأقوام.

  •  و هذا مبنی على أنّ لرؤیة الهلال الدالّة على كون القمر فوق الافق دخلًا فی تحقّق الشهر الهلالی و إلّا لم یتحقّق شهرٌ ثلاثونی أبداً و لا شهرٌ تسعةٌ و عشرونی أبداً، لما عرفت أنّ كلّ شهرٍ قمری فی جمیع الازمنة دقیقاً (٤٤ دقیقةً و ١٢ ساعت و ٢٩ یوماً) فإذا جعلنا مبدء الشهر هو خروج القمر عن تحت الشعاع مثلًا و هو أمرٌ وحدانی فی جمیع العالم؛ فربّما یخرج القمر عن تحت الشعاع بعد ساعة من اللّیل و ربّما بعد ساعتین أو بعد ثلاث ساعات، و هكذا؛ و ربّما یكون خروجه أوّل طلوع الفجر أو أوّل طلوع الشّمس أو بَعد ساعةٍ من طلوعها أو بَعد ساعتین أو بَعد ثلاث ساعاتٍ؛ أو فی وسط النهار وقت زوالها؛ فلا یمكن تعیینه و تقدیره بوجهٍ من الوجوه.

  •  و السّرُّ فی ذلك أنّا ذكرنا أنّ القمر یخرج عن تحت الشعاع بَعد اثنتی عشرة درجةً من المقارنة؛ و كلّ درجة یطول ساعتین زماناً.

  •  فعلى هذا إذا فرضنا فی حین من الأحیان مثل وقت غروب الشّمس بأُفق طهران لمّا یخرج القمر عن تحت الشعاع و یخرج بعد سیره فی المدار بقدر الدرجتین المسأویتین لأربع ساعات زماناً؛ ففی نفس الغروب لم یدخل الشهر الجدید قطعاً؛ و لكن بعد سیره بقدر درجتین بمدّة أربع ساعات یخرج القمر و یدخل الشهر الجدید قطعاً؛ فعلى هذا لابدّ و أن تكون هذه الساعات من الشهر الماضی و بقیة ساعات اللّیل من الشهر الآتی بلا كلام.

  •  مثلًا إنّ أربع ساعاتٍ من لیلة الثلاثین من رمضان تكون من رمضان و بقیة الساعات تكون من لیلة العید و إذا فرضنا أن یكون سیر القمر تحت الشعاع فی المدار بقدر ثلاث درجاتٍ فی مدّة ستّ ساعات زماناً؛ فلا بدّ و أن نحسب ستّ ساعات اللّیل من شهر رمضان و الباقی من لیلة العید.

  •  أو أن یكون سیره تحت الشعاع فی المدار بقدر خمس درجات؛ و هی تطول عشر

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

30
  •  ساعات؛ فلیلة الثلاثین كلّها تكون من شهر رمضان، إذا كان اللّیل مثلًا عشر ساعات؛ و بمجرّد طلوع الفجر یدخل الفطر و هكذا إذا خرج عن تحت الشعاع و هو تحت الأرض.

  •  مثلًا إذا فرضنا كون القمر عند الغروب بأُفق طهران تحت الشعاع بعشر درجاتٍ‌

  •  و یطول خروجه عنه على مقدار عشرین ساعةً؛ فلا محالة یخرج عن تحت الشعاع و هو واقع تحت الأرض؛ فلابدّ و أن نلتزم بأنّ ثُلث یوم الثلاثین أو نصفه أو ثُلثیه و هكذا من شهر رمضان و الباقی من الشوّال.

  •  و هكذا یكون دخول الشهر فی كلّ نقطةٍ نقطةٍ من بقاع الأرض طولًا، غیره فی نقطةٍ أُخرى بحسب ساعات اللّیل و النهار.

  •  فهل یمكن لأحدٍ أن یلتزم بهذه المحاذیر التی یساوی الالتزام بها، إنكار ضروریات الإسلام، بل جمیع الملل و الأدیان، بل جمیع الامم و الأقوام؟ كلّا. فبهذه الوجوه لم یلتزم أحدٌ، بل لم یتفوّه بأنّ الشهور القمریة، هو نفس الخروج عن تحت الشعاع. بل الجمیع متّفقون على أنّ للرؤیة دخلًا فی ذلك.

  •  فجمیع الملل بانون على الرُّؤیة؛ فإذا رأوه حكموا بانقضاءِ الشهر السابق و دخول اللّاحق.

  • اختلاف الآفاق هو السبب الاصلی لرؤیة الهلال فی بعض البلاد دون بعض‌

  •  فإذن لمّا كانت الأرض كرویةً؛ و هی معذلك تدور حول نفسها بحركتها

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

31
  •  الوضعیة من المغرب إلى المشرق دائماً فی كلّ یومٍ و لیلةٍ تامّةٍ، و هو أربع و عشرون ساعةً تقریباً أزید من الدورة الكاملة الّتی‌

  •  تساوی ثلاثمأة و ستّین درجةً بدرجةٍ1 واحدةٍ؛ دوراً كاملًا؛ و فی ساعةٍ واحدةٍ تدور أزید من خمس عشرةٍ درجةٍ بقلیلٍ؛ و فی دقیقةٍ واحدة أزید من ربع درجةٍ بقلیلٍ؛ و لا تلبث لحظةً إلّا و هی تدور حول قطبیها؛ و بذلك تتبدّل دوائر أنصاف النُّهُر؛ و تبعد كلّ نقطةٍ فرضناها عن نقطة طلوع القمر بحسب طول البلاد دائماً؛ فإذا فرضنا خروج القمر عن تحت‌

    1. إنّما قيّدنا اليوم بأربع و عشرين ساعةً تقريباً، لانّ الأرض تدور حول نفسها بحرکتها الوضعيّةمن المغرب إلى المشرق دوراً کاملًا يساوي ثلاثمأة و ستّين درجةً في ثلاث و عشرين ساعةً و ستّ و خمسين دقيقةً تحقيقاً. و يسمّى هذا باليوم النجوميّ. و لمّا تدور الأرض أيضاً من المغرب إلى المشرق بحرکتها الانتقاليّة في کلّ يومٍ ما يقرب درجةً واحدةً التي تطول أربع دقائق تقريباً؛ فيصير المجموع واحدةً و ثلاثمأة و ستّين درجةً في أربع و عشرين ساعةً تقريباً؛ و يسمّى هذا باليوم الشمسيّ. أمّا اليوم النجوميّ فثابت في جميع أيّام السنة؛ و ذلک لأنّ حرکة الأرض‌من أيّ دائرة من دوائر أنصاف النُّهُريّة؛ إذا فرضت مسامِتة أيّ کوکب في السماء إيّاه إلى دور کاملٍ ينتهي إلى مسامتةٍ ذلک الکوکب لتلک الدائرة، لا يختلف أبداً. و أمّا اليوم الشمسيّ فيختلف؛ لأنّ حرکة الأرض الانتقاليّة بيضويّةٌ؛ فيختلف بسببها هذه الاربعة من الدقائق في أيّام السنة، فبعضاً يکون أقلّ، و بعضاً يکون أکثر؛ فلذا قلنا أربع عشرين ساعةً تقريباً. (منه عفي عنه)

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

32
  •  الشعاع یراه الذین كان القمر فوق آفاقهم المحلیة؛ و لا یراه أهل غیر هذه الآفاق ممّن كان القمر تحت آفاقهم.

  •  فبناءً على ما ذكرنا؛ كرویة الأرض مع بُعد البلاد بعضها عن بعض طولًا من المغرب إلى المشرق، و عرضاً من دائرة المعدّل إلى القطبین، هما السببان الأصلیان فی اختلاف الآفاق بالنسبة إلى مطالع القمر و مغاربه؛ و لیس المانع من الرُّؤیة و طلوعه مجرّد مانعیة الجبال أو الغیوم أو ما شابههما.

  •  مثلًا إذا فرضنا مضی ثلاث ساعةٍ أو ساعتین من اللّیل بأُفق طهران؛

  •  فإذا طلع القمر و خرج عن تحت الشعاع فی إسبانیا؛ رآه أهل هذا البلد؛ و أین المانع من رؤیة أهالی طهران إیاه من غیمٍ أو جبلٍ؟

  •  بل المانع هو اختلاف الافق. فطلوع القمر فی إسبانیا أمرٌ واضحٌ لكونه فوق أُفقهم؛ و أمّا بالنسبة إلى أهالی طهران فلا؛ لكونه واقعاً تحته.

  •  و بهذا تبین أنّ الشهر الهلالی یختلف مبدؤه حسب اختلاف البلاد فی رؤیة القمر.

  •  نعم، البلاد التی لم تَرَ الهلال، لا لعدم كون القمر تحت الافق؛ بل لعارض سماوی مثل السُحُب و الغُیوم أو أرضی مثل الكُثب و الجبال و الأتلال، فهی متّحدة

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

33
  •  الافق مع البلاد التی رآه أهلها.

  •  فإذن، الرُّؤیة لیست موضوعاً لدخول الشهر فی كلّ ناحیةٍ على الإطلاق؛ بل موضوعاً دالّا على ثبوت الهلال القابل للرؤیة فوق الافُق.

  •  و بما ذكرنا ظهر أوّلًا:

  •  أ نّ نفس خروج القمر عن تحت الشعاع لا مدخل لها فی تحقّق الشهر الهلالی أصلًا.

  •  و ثانیاً: أنّ للرُّؤیة دخلًا فی هذا التحقّق.

  •  و ثالثاً: فی كلّ بلدٍ تحقّق الرُّؤیة فی أوّل اللّیل أو فی ما قاربه من البلاد فی الآفاق، تحقّق مبدء الشّهر. و فی كلّ بلدٍ لم تتحقّق الرُّؤیة و كان غیر مشترك الافق مع البلد المرئی فیه، لا یتحقّق مبدءُ الشهر بل الشَّهر یبتدئُ من اللّیلة التّالیة. و هذا یكون فی البلاد الشرقیة عن أُفق الرُّؤیة إجمالًا.

  •  و رابعاً: أنّ الرُّؤیة الفعلیة لیست موضوعاً لدخول الشهر فی كلّ بلدةٍ بلدةٍ، بل الرُّؤیة الفعلیة إجمالًا طریقٌ إلى ثبوت الهلال فوق الافق.

  •  فالبلاد المتّحدة الآفاق كلّها فی هذا الحكم سواءٌ و البلاد المختلفة الآفاق، كلّ واحدٍ منها تابعً لحكم نفسه.

  •  و خامساً: أنّ لطلوع القمر و غروبه دخلًا فی تحقّق الشهر؛ و هذا یختلف باختلاف المطالع و المغارب بالنسبة إلى القمر. كما أنّ الشّمس تختلف مشارقها و مغاربها فی النواحی و الأماكن المختلفة و لا فرق بین الشّمس و القمر فی ذلك.

  • طلوع القمر واقعة سماویة مرتبطة بالارض وبقاعها

  •  و أمّا الاستدلال بأنّ الشهر الهلالی لا ربط له بالآفاق الأرضیة و المطالع و المغارب و إنّما هو حادثةٌ سماویةٌ لادخل لها بالأرض مضافاً إلى أنّه دعوی بلا دلیل فتدفعه الأدلّة المتقنة المتقدّمة التی لا مناص لنا من قبولها و الالتزام بها.

  •  و لعمری ما الفرق بین طلوع القمر إذا خرج عن تحت الشعاع و بین الكسوف، فی أنّ كلّ واحدٍ منهما أمرٌ سماوی فكیف إذا تحقّق الكسوف المرئی فی ناحیةٍ و غیر المرئی فی ناحیةٍ أُخرى؛ یلتزم به و بما یترتّب علیه من الأحكام فی هذه الناحیة؛ و لا یلتزم به و لا تترتّب علیه الأحكام فی تلك الناحیة؛ و لا یلتزم ذلك فی طلوع القمر.

  •  فكما أنّ للنواحی المختلفة من الأرض دخلًا فی تحقّق الكسوف و هو اختلاف‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

34
  •  البلاد طولًا و عرضاً؛ فكذلك الأمر فی طلوع القمر؛ و الفرق بینهما تحكّم جدّاً. إن قلتَ: فرق بین الكسوف و خروج القمر عن تحت الشعاع، لأنّ الكسوف لیس أمراً سماویاً؛ و لا ربط له بالقمر؛ بل هو عبارةٌ عن احتجاب الشّمس لأهل الأرض بحیلولة القمر، الحاصل بدخول الأرض فی الظلّ المخروطی من القمر، كما ورد هذا العنوان فی الروایة، بأنّه كُسِفت عَنَّا الشَّمس.

  •  فالاحتجاب إنّما هو بالنسبة إلى الأرض و أهلها؛ و معلوم أنّ الاحتجاب مختلف بالنسبة إلى سكنة الأرض؛ و لا یكونون جمیعاً تحت هذا الحجاب.

  •  فإذن فی كلّ ناحیة من الأرض حصل الاحتجاب، تترتّب علیه أحكامه من صلاة الآیات و غیرها و فی كلّ ناحیةٍ لم یحصل، لا تترتّب علیه الأحكام.

  •  قلتُ: خروج القمر عن تحت الشعاع أیضاً كذلك؛ لأنّه عبارة عن خروجه من مقارنة الشّمس بمسافةٍ معینةٍ بالنسبة إلى أهل الأرض؛ فلولا أهل الأرض و محاذاتهم، لا تتحقّق المقارنة و الخروج أبداً و مع غضّ النظر عن الأرض، لا یختلف حال القمر فی المحاق و تحت الشعاع عن سائر أحواله؛ و هو یدور فی السماء حول الأرض دائماً بلا تغییر كیفیةٍ و لا تبدیل حالٍ؛ و لكن إذا لاحظنا محاذاة الأرض بالنسبة إلیه، فتختلف الأحوال؛ ففی حال المقارنة یصیر المحاق؛ و بعدها یرى بشكل الهلال؛ و فی التسدیس و التربیع و التثلیث بأشكال مختلفة؛ و فی المقابلة بشكل البدر؛ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ. و المحصّل: أنّه إذا قطع النظر عن محاذاة الأرض و نواحیها المختلفة و ملاحظة اختلاف مناظر أهلها بالنسبة إلى القمر فكما أنّه لا یتحقّق خروجٌ عن تحت الشعاع، لا یتحقق كسوف أیضاً؛ و إذا لوحظ محاذاة الأرض و اختلاف مناظر أهلها، فكما أنّ الكسوف له ربطٌ بالأرض، كذلك الخروج عن تحت الشعاع بلا فرق.

  •  و لا یذهب علیك أنّ ما ذكرناه من النقض إنّما هو بالنسبة إلى الكسوف فقطّ؛ و أمّا الخسوف و هو دخول القمر فی الظلّ المخروطی من الأرض، فالنقض غیر واضح، حیث إنّ ظلمة القمر و كدورته حادثةٌ سماویة كما ورد فی الروایة بأنّه خَسَفَ الْقَمَرُ؛ فبحیلولة الأرض ینخسف القمر فی السماء على كلّ حال و إن كانت الأرض دخیلةً فی تحقّقه؛ فلقائلٍ أن یقول فی بادی نظره: إنّ ظلمة القمر واقعةٌ سماویةٌ و إن كان بالتأمّل التامّ یظهر أنّ الخسوف أیضاً كذلك.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

35
  •  فإن قلتَ: سلّمنا ولكنّ الدلیل الشرعی قائمٌ بأنّ فی كلّ ناحیةٍ رئی الكسوف یحكم فیها بأحكام دون ناحیةٍ أُخرى.

  •  قلنا: هكذا الأمر بالنسبة إلى طلوع القمر؛ ففی كلّ ناحیةٍ رئی خروجه عن تحت الشعاع حكم بدخول الشهر القادم، دون ناحیةٍ لم یر الخروج فیها.

  • مناط اتّحاد الافق واختلافه‌

  •  نعم یبقی هنا سؤال معرفة مناط اتّحاد الافق و اختلافه.

  •  و الذی یمكن أن یغری بعضَ الأعلام إلى المیل إلى برفض مسألة الاتّحاد فی الآفاق بالنسبة إلى دخول الشهر هو عدم تعیین مناطٍ خاص لهذه المسألة فی كتب النّجوم والهیئة.

  •  حیث إنّ الشافعیة الموافقین لنا فی لزوم الاتّحاد فی الآفاق التزم بعضهم بأنّ مناط الاختلاف هو مسافة القصر1 و بعضهم بأنّ المناط هو أربعةٌ و عشرون فرسخاً2 كلّ ذلك دعوی بلا دلیل و قیاسٌ بمسافة القصر فی الصلاة و أین هذا من ذاك؟

  •  و الذی یسهّل الخطب أوّلًا:

  •  أ نّ عدم تعیین الآفاق لا یوجب رفع الید عن الحكم الذی بینّا و الالتزامَ بخلافه الذی لا یمكن الالتزام به.

  •  و ثانیاً: أنّ الاتّحاد و الاختلاف فی الآفاق بالنسبة إلى رؤیة القمر هو الاتّحاد و الاختلاف فی مطالعه كما علیه العلماء. و لكن لم یرَ لأحدٍ منهم تعیین ضابطةٍ كلّیةٍ للمطالع.

  • بیان ضابطة كلّیة لتعیین الحدّ فی اشتراك الافق‌

  •  و الذی ألهمنا اللَه تبارك و تعالى فی ضبط قاعدة كلّیةٍ للآفاق المتحدة بالنسبة إلى مطالع القمر، هو الاستمداد من زمان غروب القمر فی النواحی المختلفة؛ و هو الرابطة بین الزمان و المكان: زمان مكث القمر فوق الافق حتّى یغرب، و المكان البعید شرقاً عن محلّ الرُّؤیة.

  •  بیان ذلك: أنّ كلّ درجةٍ من مكث القمر فوق الافق یطول أربع دقائق؛ لأنّ غروبه إنّما هو بسبب الحركة الوضعیة للأرض من المغرب إلى المشرق. و الأرض تسیر نحو المشرق كلّ درجةٍ منها فی أربع دقائق.

    1. التزم به الشيخ يوسف الأردبيلي الشافعي في کتابه: الأنوار لأعمال الأبرار؛ في ص ٢٢٨ من الجزء الأوّل؛ و الرافعيّ کما في حاشية الحاجّ إبراهيم لهذا الکتاب المطبوعة بذيل نفس الصفحة.
    2. کما في کتاب الفقه على المذاهب الأربعة؛ في ص ٤٣٤ من الجزء الاوّل من الطبعة الرابعة مستدلّا بأنّه هو البعد الحاصل لاختلاف مطالع القمر.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

36
  •  فإذا فرضنا أنّ البعد المعدل الذی هو عبارة عن الفصل بین مَغیبی النیرین فی محلّ الرُّؤیة یكون عشر درجات أحیاناً؛ ففی هذه الصورة یغرب القمر بَعد أربعین دقیقةً؛ بمعنى أنّ الأرض تسیر نحو المغرب عشر درجات طولًا فی مدّة أربعین دقیقةً حتّى تُخفی القمر تحتها؛ و بهذه الحركة یصیر محلّ الرُّؤیة بعیداً عن المدار بقدر أربعین دقیقةً؛ و یصل إلى محلٍّ لم یر القمر حین یراه جمیع البلاد التی قبله.

  •  فالبلاد الواقعة بین محلّ الرُّؤیة، و المحلّ الذی یكون طوله نحو المشرق أربعین دقیقةً، متّحدة الآفاق مع محلّ الرُّؤیة؛ لأنّ القمر فی زمان الرُّؤیة یكون قابلًا لها فی جمیع هذه البلاد ولو بلحظةٍ.

  •  البلاد التی تكون قریبةً بالنسبة إلى محلّ الرُّؤیة ترى القمر أطول زماناً من البلاد التی تكون بعیدةً عنه؛ و الجمیع مشترك فی إمكان الرُّؤیة؛ و هو المُعبّر عنه بالآفاق المشتركة.

  •  لكنّ القمر لم یطلع فی جمیع الشهور على نسق واحدٍ حتّى تكون الآفاق المتحدة مع محلّ الرُّؤیة ثابتةً بل بناءً على ما مرّ علیك من طلوع القمر فی بعض الأحیان قریباً من تقویم الشّمس، و فی بعضها بعیداً عنه و هو المعبّر عنه بالبُعد السّوی أوّلًا؛ و من قرب مغربَیهما تارةً و بُعدهما أُخرى، و هو المعبّر عنه بالبعد المعدل ثانیاً؛ و بارتفاعه عن الافق تارةً وانخفاضه أُخرى ثالثاً؛ و بلحاظ اختلاف النّواحی و الأصقاع طولًا و عرضاً رابعاً؛ و بسائر الجهات الدخیلة فی الرُّؤیة خامساً؛ لابدّ و أن نبین تقویم القمر فی أوّل كلّ شهرٍ علیحدة، حتّى نحكم باتّحاد آفاق البلاد التی یكون فیها الهلال قابلًا للرؤیة بحسب تلك الشهور.

  •  و معلوم أنّه لا یتیسّر لنا الوصول إلى هذا المرام إلّا بحساب ریاضی دقیقٍ جدّاً لكلّ شهرٍ بحذائه؛ لكنّ القواعد الشرعیة المبنیة على المسأهلات تأبى ذلك كلّه؛ فاعتبار المطالع المحوِجة إلى الحساب و تحكیم المنجّمین غیر مقبولٍ شرعاً.

  •  فلا مناص إلّا بالأخذ بالقدر المشترك فی الآفاق؛ أی الذی یشترك فیه جمیع الشهور.

  •  فبناءً علیه نقول: إنّ أقلّ درجة البعد المعدل للقمر حتّى یصیر قابلًا للرؤیة یكون ثمانی درجات؛ فأقلّ مدّة بقاء القمر فی السماء فوق الافق المحلّی فی أوّل دخول الشهر یكون على حوالی نصف ساعةٍ بعد غروب الشّمس؛ و یغیب بعد مضی هذه المدّة؛ فكلّ‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

37
  •  بلدٍ شرقی قریب العرض بالنسبة إلى محلّ الرُّؤیة إذا كان الاختلاف بینه و بین محلّ الرُّؤیة بقدر نصف ساعةٍ طولًا، یجوز له رؤیة الهلال فی الافق بعد الغروب بمدّة عشرین دقیقةً، أو خمس عشرةً دقیقةً، أو عشر دقائق، أو خمسة دقائق، أو دقیقتین، إلى دقیقة واحدةٍ، حتّى إلى لحظةٍ واحدةٍ، إذا حصلت الرُّؤیة فی بلدها وقت غروب الشّمس. فجمیع هذه البلاد، متّفقة الآفاق مع محلّ الرُّؤیة و إن لم یرَ أهلُها الهلال.

  •  مثلًا إذا رئی الهلال فی طهران، فیجوز رؤیته فی سِمْنان الواقع فی شرقه بتسع دقائق طولًا؛ و فی دَامْغان بثلاث عشرة دقیقةً، و فی شاهرود بستَّ عشرة دقیقةً؛ و فی سَبْزوار بسبع و عشرین دقیقةً؛ و فی نَیسابور باثنین و ثلاثین دقیقةً؛ و فی المشهد الرضوی على ثاویه آلاف التحیة و الثناء بثلاث و ثلاثین دقیقةً.

  •  و كذا تجوز الرُّؤیة فی البلاد القریبة طولًا من هذه البلاد، و إن اختلفتا عرضاً فی الجملة، كآمل و ساری شمالًا و قُمّ و إصْبَهان جنوباً.

  •  و كذا تجوز الرُّؤیة فی البلاد الغربیة بالنسبة إلى طهران طولًا إذا كان عرضها قریباً من عرضه، كهَمَدان و كِرْمَنْشاه و خانِقَین و بغداد و القاهرة و غیرها.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

38
  •  فإذن یستفاد ممّا ذكرنا ضابطةٌ كلّیة و هی:

  •  الآفاق المشتركة عبارةٌ عن جمیع البلاد الغربیة القریبة العرض بالنسبة إلى مطلع القمر، و جمیع البلاد الشرقیة التی كانت مشتركةً فی إمكان الرُّؤیة مع بلدٍ الرُّؤیة ولو بلحظةٍ؛ واقعةً فی الطول الجغرافیائی بمسافة اثنتین و ثلاثین دقیقةً زماناً.1

  • البحث عن الجهة الشرعیة فی المسألة

  •  هذا كلّه البحث عن الجهة العلمیة فی هذه المسألة

  •  و أمّا الجهة الشرعیة، فنقول: إنّ الموضوعات العرفیة التی هی موضوعات للأحكام الشرعیة، لابدّ و أن یؤخذ معناها، و مدى نطاق سعتها و ضیقها، و إطلاقها و تقییدها، و سائر خصوصیاتها من العرف كالبیع مثلًا.

  •  فإذا قال الشارع: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ، شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ‌، و غیر ها من الآیات؛ یرید تشریع هذا الأحكام متربتةً على ما هو شهر عند العرف.

  •  و نحن نرى أنّ العرف، كان یسمّى الشهر، و ابتداؤه الذی هو أوّل دخول اللّیل عند ما وجد الهلال المرئی فوق الافق، ولو بعد ساعات من خروجه عن تحت الشعاع.

  •  فبناءً علیه، لیلة أوّل رمضان، هو أوّل لیلةٍ لم یسبق برمضان ولو بساعةٍ واحدة.

  •  مثلًا إذا فرضنا أنّ القمر خرج عن تحت الشعاع، ورئی فی إسبانیا و مادرید البعیدتین عن طهران بثلاث ساعات و ستَّ و عشرین دقیقةً غرباً؛ مضى من اللّیل بافق طهران هذا المقدار، و مضى من البلاد الشرقیة بالنسبة إلیه، كبلاد الصین و الیابان أكثر

    1. و لا يذهب عليک أنّ هذه الضابطة لکلّية اشتراک الآفاق انما هي على تقدير کفاية مجرد وجود الهلال فوق الآفاق في دخول الشهور القمرية فتکون الرُّؤية في محل دليلًا على وجود الهلال فوق الافق في هذا العرض العريض؛ و اما على تقدير لزوم امکان تحقق الرُّؤية الفعلية في کل بلدٍ بلدٍ بعد رؤيةٍ فعليةٍ في بلدٍ ما کما سيجبي بيانه بما لا مزيد عليه فغير سديدٍ فعليه لا تنتج الرُّؤية في بلدٍ الّا دخول الشهر في ذلک البلد فقط و لا يسري الحکم إلى أيّ بلدٍ آخر الّا اذا اتّحدا عرفاً (منه عفي عنه).

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

39
  •  من هذا المقدار جدّاً؛ فهذه اللّیل یعدُّ من الشهر السابق.

  •  و ربّما طلع القمر فی إسبانیا أوّل دخول لیلهم، و قد طلع الفجر فی تلك البلاد الشرقیة.

  •  فأهل إسبانیا إذا رأوا هلال رمضان، یصبحون صائمین؛ و أهل الصین و الیابان، یصبحون مجوّزین للإفطار.

  •  و هؤلاء إذا رأوا هلال شوّال، یصبحون مفطرین؛ و هؤلاء یصبحون صائمین.

  •  هذا مضافاً إلى أنّ الشارع فیما اتّفق الفریقان بروایاتٍ مستفیضةٍ صرّح بأنّ المدار فی دخول الشهر هو الرُّؤیة فی الصیام و الحجّ و العمرة و قضاء الدیون و سائر الامور، مثل الأحكام و المسنونات المترتّبة على الشهور كرجب و شعبان و المحرّم و الصّفر و غیرها؛ فالخروج عن هذا و الالتزام بخروج القمر عن تحت الشعاع فی مبدئیة الشهر، و هو آن واحدٌ و لحظةٌ واحدةٌ فی جمیع العالم؛ یوجب الخروج عن جمیع هذه الأحكام البالغة إجمالًا حدّ الضّرورة من الدّین، و الالتزامَ بفقهٍ جدیدٍ، لا یشبه شئٌ منها شیئاً من الفقه، و قلبَ السُّنّة ظهرا لبطن‌

  • مجعولیة الرؤیة، على سبیل الموضوعیة لا الطریقیة

  •  هذا مضافاً إلى أنّ الالتزام بمجرّد خروج القمر عن تحت الشعاع، یستلزم العلم بدخول الشهر بسبب العلم بخروج القمر ولو لم تتحقّق فی العالم رؤیةٌ أبداً؛ فتصیر الرُّؤیةُ كاشفةً محضةً؛ مع أنّ الروایات تدلّ على موضوعیتها فإذن لابدّ من الحكم بدخول الشهر إذا علمنا خروجه بالإرصاد، و الآلات الحدیثة التی رئی بها القمر، فیما إذا كانت الرُّؤیة بالعیون العادیة غیر المسلّحة محالًا؛ أو بحساب المنجّم الماهر الخبیر المطّلع من الزّیجات الدقیقة؛ فهو یحسب لنا دقیقاً أنّ خروج القمر عن تحت الشعاع إنّما یكون بعد ٤٤ قه و ١٢ عت ٢٩ و یوماً من الشهر الماضی تقریباً؛1 و یدلّنا على هذه الشهور واحداً بعد واحدٍ إلى عشر الآف سنةً؛ فنستریح من هذه الضّوضاءِ.

  •  إن قلتَ: إنّ الروایات دلّت على أنّ للرؤیة دخلًا فی الجملة فی تحقّق الحكم؛ فلا بدّ بعد خروج القمر عن تحت الشعاع من رُئی فی ناحیةٍ ما، حتّى نحكم بدخول الشهر.

    1. إنّما قيّدناه بالتقريب لأنّ ما هو الثابت غير المتغيّر دائماً و هو (٤٤ قه و ١٢ عت و ٢٩ يوماً) إنّما هو الفصل بين مقارنتي النيّرين و لکن حيث کان زمان الخروج عن تحت الشعاع متغيّراً فالفصل بين الخروجين يکون هذا المقدار على سبيل التقريب. (منه عفي عنه)

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

40
  •  قلتُ: إنّا نعلم علماً یقینیاً، أنّ خروج القمر عن تحت الشعاع فی أیة نقطةٍ من نقاط العالم تحقّق، یراه خلقٌ كثیرٌ من أهالی تلك النواحی؛ فالرُّؤیة قد تحقّقت؛ و رؤیتنا على حسب المدّعى غیر لازم؛ فالشّهر داخلٌ بلا رؤیة منّا فی آفاقنا القریبة؛ فتصیر إناطة الروایات بالرُّؤیة لغواً؛ لأنّ الرُّؤیة الإجمالیة على أی حال موجودةٌ.

  •  إن قلتَ: لا یمكن الالتزام بذلك؛ لأنّ ظاهر الأخبار، هو الرُّؤیة الحاصلة منّا، أو الواصل إخبارها إلینا فهی الدّخیلة.

  •  قلتُ: فإذن لا مناص من رفع الید عن الحكم بدخول الشهر بمجرّد الخروج عن تحت الشعاع مع رؤیةٍ ما. و هذه التّوالی التی أشرنا إلى بعضها لا یكاد یخفی على المتأمّل فی حاقّ المسألة.

  •  و كذلك لم یذهب أحدٌ من العلماء إلى هذا؛ و الذین ذهبوا إلى عدم لزوم الاشتراك فی الآفاق ذهبوا إلى أنّ خروج القمر عن تحت الشعاع و رؤیته و لو بعد ساعات من اللّیل فی أُفق ما دخیلٌ فی جعل اللّیل من أوّله من الشهر الجدید بنحو الشرط المتأخّر. و سیأتی الكلام فی عدم نهوض أدلّتهم على هذا المرام أیضاً.

  •  فإن قیل: إذا خرج القمر عن تحت الشعاع و رُئی فی بلدٍ ما؛ نحكم بدخول الشهر فی جمیع البلاد، مبتدئأً باللّیل؛ و نلتزم بأنّ الساعات السابقة عن خروج القمر تحسب من ذلك الشهر.

  •  مثلًا إذا خرج و رئی فی إسبانیا لیلة العید، نحكم بأنّ تلك اللّیلة التی مضى منها فی طهران قدرٌ ثلاث ساعات و ستّ و عشرین دقیقةً، كلّها لیلة الفطر؛ و هكذا فی جمیع البلاد إلى الصّین و الیابان نحكم بأنّ جمیع اللّیلة یحسب من الفطر، و إن مضى من بعضها قدر تسع أو عشر ساعات.

  •  قلنا: أوّلًا إنّه دعوی بلا دلیل.

  •  و ثانیاً، إذا التُزم بأنّ مناط دخول الشهر القمری، هو نفس خروج القمر عن تحت الشعاع؛ و هو أمرٌ واحدٌ سماوی فی جمیع العالم، لا ربط له بالأرض و مشارقها و مغاربها، و هذا عمدة الدّلیل الذی ربّما یتمسّك به مع الإطلاقات على عدم لزوم الاشتراك فی الآفاق و كفایة رؤیةٍ ما فی بلدٍ ما لجمیع العالم؛ فإذن إنّ ذلك البناء مناف للدلیل، و خروجٌ عن البناء الذی بُنی؛ و هَدمٌ لأساسه من رأس. ثمّ إنّه إذا خرج القمر عن تحت الشعاع فی النصف الآخر من كرة الأرض؛ فی أوّل نهاره، أو وسطه، أو آخره؛ فكیف‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

41
  •  یمكن الحكم بأ نّ هذه المدّة الطویلة، من أوّل اللّیل، إلى هذا الحدّ من الزمان، یكون من الشهر اللاحق.

  • التفصیل بین البلاد الواقعة فوق الارض والواقعة تحتها، لا یدفع الإشكال‌

  •  و من هذا یعلم، أنّ دفع الإشكال، بأ نّ عدم لزوم الاشتراك فی الآفاق، إنّما هو فی فوق الأرض، دون تحتها؛ لا یدفع المحذور أبداً؛ بل یزید فی الإشكال. فنسأل أوّلًا: إذا حكم با نّ المناط، هو نفس الخروج، و هو أمرٌ وحدانی، لا یتغیر بحركة الأرض و المشارق و المغارب؛ فكیف الفرق بین فوق الأرض و تحتها؛ فهل هذا إلّا هدمٌ لأساس الدلیل؟ و ثانیاً: أی مزیةٍ فی جعلنا هذا الحكم لفوق الأرض، دون تحتها؛

  •  بل نجعله لتحت الأرض دون فوقها؛ و معلومٌ أنّ الفوقیة و التحتیة أمران إضافیان؛ لا یلتزم بأحدهما دون الآخر إلّا بالدلیل.

  •  ثمّ أین مبدأ تمییز البلاد التی تكون فوق الأرض دون تحتها؟ و البلد الذی جعل مبدئأً للحكم أی بلدٍ من البلاد؟

  •  إذا جعلنا هذا البلد مثل الصین و الیابان، فجمیع قارّة آسیة و أُروبة و إفریقیة، یكون مشمولًا للحكم؛ و أمّا إذا جعلناه مثل إیران و عراق، فجمیع الممالك الغربیة و بعض الممالك الأمریكیة، یكون مشمولًا له؛ و إذا جعلناه مثل إسبانیا و برتغال، فجمیع الممالك الأمریكیة یكون مشمولًا له.

  •  هذا إذا أُرید ترتّب الحكم على عنوان الفوقیة؛ و أمّا إذا أُرید ترتّبه على النّواحی القریبة التی یكون اختلافها بالنسبة إلى محلّ الرُّؤیة ستّ ساعات مثلًا؛ دون البعیدة الواقعة تحت الأرض، التی یكون اختلافها اثنتی عشرة ساعةً أو أكثر.

  •  ففیه: أی مناط خارجی فی تعیین محلّ القرب و البعد؛ و أی دلیلٍ شرعی لهذا الفرق؟ و الإطلاقات إن یؤخذ بها فلا مجال فیها لهذا التفصیل؛ و إن لم یؤخذ بها، فانصرافها إلى كلّ بلدة یكون الهلال فوق أُفقها، و المانع من رؤیته أمرٌ عارضی من سحبٍ أو غیومٍ، المعبّر عنها بالبلاد المتحدة الآفاق، هو المتعین.

  •  و إذا أُرید أنّ الإطلاقات منصرفةٌ إلى النّواحی المعمورة من الأرض؛ و حیث إنّ تحتها لا یكون معموراً فی ذلك الزمان، لا یكون الحكم شاملًا له.

  •  ففیه: هلّا یلتزم هذا فی الصلاة و الصوم و الحجّ و غیرها من الأحكام؛ و التُزم باختصاصه بالنسبة إلى رؤیة الهلال و مطالع القمر؟

  •  مع أنّ سیاق جمیع إطلاقات الأحكام الواردة من هذه الجهة على نسقٍ واحدٍ.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

42
  •  و الحقّ عدم الفرق فی المعمورة و غیرها؛ لأنه مضافاً إلى أنّ القدر المتیقّن فی الخارج أو فی مقام التخاطب لا یوجب الانصراف؛

  •  تدفعه العمومات المنصُوصة مثل قوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَ نَذِيراً1، و قوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ‌2، و قوله علیه السلام: إن لِلَّهِ تَبَارَک وَ تعالى حُکمًا یشْتَرِک فِیهِ الْعَالِمُ وَ الْجَاهِلُ؛ لا فرق بین أهالی الأراضی المعمورة و غیرها، من حیث الشمول و الاطلاق و التقیید و سایر الجهات.

  •  فهذه أُمورٌ كلّما دقّق فیها النظر، تزید فی الاشكال و الغموض؛ فرفع الید عنها لا یمكن إلّا برفع الید عن الحكم المبحوث عنه؛ و هو أتقن و أسهل.

  • سبب فتوى المشهور هو موضوعیة الرؤیة ومدخلیة البقاع فیها

  •  و ممّا ذكرنا تبین أنّ ذهاب المشهور إلى لزوم الاشتراك فی البلدان مبنی على دخالة رؤیة القمر فی دخول الشهر؛ و أنّ للمطالع و المغارب بالنسبة إلى القمر دخلًا فی دخول شهرٍ و خروج شهر؛ و عدمِ كفایة نفس خروج القمر عن تحت الشعاع فی هذا الأمر؛ لاعلى تخیل ارتباط خروج القمر عن تحت الشعاع ببقاع الأرض، كارتباط طلوع الشّمس‌غروبها بها.

  •  فإن من الواضح أنّ نفس الخروج لاصلة لها ببقاع الأرض، مع غمض النظر عن المحاذاة؛ ولكنّ الرُّؤیة بعد الخروج الدخیلة فی تكوین الشهر القمری بما لها من الأحكام، لها صلةٌ ببقاع الأرض.

  •  لأنّ حالة القمر، مع وجود النواحی الكثیرة، المختلفة الأوضاع فی الأرض، و عدمها و إن كانت سواءً ولكنّ حالة رؤیة القمر التی هی الاسّ، لم تكن مع هذه و عدمهاسواءً.

  •  و هذه علّة ذهاب المشهور إلى فتواهم.

  • استدلال القائلین بعدم لزوم الاشتراك مبنی على منع اختلاف المطالع‌

  •  و لذلك ترى أنّ من اشكل على لزوم الاشتراك فی الآفاق، لم یستدلّ بعدم ارتباط هذه الحادثة السماویة ببقاع الأرض.

  •  بل كما ذهب إلیه العلّامة فی أوّل كلامه فی المنتهى، و كما فی الجواهر، بمنع اختلاف المطالع فی الربع المسكون؛ إمّا لعدم كرویة الأرض، بل لكونها مسطّحةً، فلا تختلف المطالع حینئذٍ، و أمّا لكونه قدراً یسیراً لا اعتداد باختلافها بالنسبة إلى عُلُوّ

    1. سورة سبأ ٣٤ الآية ٢٨.
    2. سورة أنبياء ٢١ الآية ١٠٧.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

43
  •  السَّماءِ.

  •  كما أنّ صاحب الحدائق الذی أصرّ على عدم لزوم الاشتراك، إصراراً لم نر مثله لأحدٍ فی هذه المسألة بنى لزوم الاشتراك فی الآفاق على كرویة الأرض؛ لكنّه حیث أبطل كرویتها، و استدلّ على تسطیحها بالأدلّة السمعیة و الأخبار النبویة و لوازم كلّها بعیدةٌ عن المقام؛ التزم بعدم لزوم الاشتراك فی الآفاق. و كما قال الشیخ المحقّق فخر الدین فی شرحه على القواعد:

  •  و مبنى هذه المسألة، على أنّ الأرض هل هی كرویةٌ أو مسطّحةٌ؛ و الأقرب الأوّل، لأنّ الكواكب تطلع فی المسأكن الشرقیة قبل طلوعها فی المسأكن الغربیة، و كذا فی الغروب.

  •  و كلّ بلدٍ غربی بَعُد عن الشرقی بألف میلٍ؛ یتأخّر غروبه عن غروب الشرقی ساعةً واحدةً؛ و إنّما عرفنا ذلك بإرصاد الكسوفات القمریة، حیث ابتدأت فی ساعات أقلّ من ساعات بلدنا فی المسأكن الشّرقیة؛ فعرفنا أنّ غروب الشّمس فی المساكن الشرقیة، قبل غروبها فی بلدنا؛ و غروبها فی المساكن الغربیة، بعد غروبها فی بلدنا.

  •  ولو كانت الأرض مسطّحةً، لكان الطلوع و الغروب فی جمیع المواضع فی وقتٍ واحدٍ.

  •  و لأنّ السائر على خطٍّ من خطوط نصف النَّهار إلى الجانب الشِمالی، یزداد علیه ارتفاع الشمالی، و انخفاض الجنوبی و بالعكس انتهى. أی ارتفاع الكوكب الشمالی و انخفاض الكوكب الجنوبی.

  •  و بالجملة إنّ كرویة الأرض، لمّا أصبحت فی هذا العصر من الامور البدیهیة؛

  •  بما استدلّ علیه هذا الشیخ المحقّق و نظائره من المحقّقین، و الواضحة باستعمال الآلات الحدیثة و بأ نّ السائر من أیة نقطةٍ من نقاط الأرض على الخطّ المستقیم، إذا سار إلى المشرق؛ ینتهی إلى نفس النقطة من طرف المغرب؛ و بالعكس.

  •  و كذا بسائر الأدلّة التی ذُكر بعضها فی مقدّمة تفسیر البیان، على مؤلّفه التَّحیةُ و الإكرام؛ لم یكن مجالٌ لاحتمال عدم لزوم الاشتراك فی الآفاق؛ و الذهاب إلى القول بكفایةِ رؤیةٍ ما، فی الحكم بثبوت الشهر فی جمیع العالم.

  •  فما ذهب إلیه صاحب الحدائق ساقطٌ من رأس.

  • كلمات العلّامة (قدّه) حول المسألة

  •  و أمّا العلّامة فی التذكرة، و إن نقل هذا عن بعض علمائنا، لكنّه صرّح بلزوم‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

44
  •  الاشتراك فی الآفاق، و لم یمل إلى عدم اعتباره.

  •  بل ردّ جمیع الأدلّة التی أقامها بعض الشافعیة و أحمد بن حنبل و اللّیث بن سعد و بعض علمائنا؛ قائلین إنّه یومٌ من شهر رمضان فی بعض البلاد للرؤیة، و فی الباقی بالشّهادة؛ فیجب صومه؛ لقوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ‌؛ و قوله علیه السّلام: فَرَضَ اللَهُ شَهْرِ رَمَضَانَ؛ و قد ثبت أنّ هذا الیوم منه؛ و لأنّ الدَّین یحلّ به؛ و یقع النذر المعلّق علیه؛ و لقول الصادق علیه السّلام: فَإن شَهِدَ أَهْلُ بَلَدٍ آخَرَ فَاقْضِه؛ و قال علیه السّلام فی من صام تسعةً و عشرین، قال: إنْ کانَتْ لَهُ بَینَةٌ عَادِلَةٌ عَلَى أَهْلِ مِصْرٍ، أَنهُمْ صَامُوا ثَلَاثِینَ عَلَى رُؤْیةٍ قَضَى یوْماً، و لأنّ الأرض مسطّحةٌ؛ فإذا رئی فی بعض البلاد، عرفنا أنّ المانع فی غیره شئٌ عارضٌ.

  •  ردّ العلّامة جمیع هذه الأدلّة، بقوله:

  •  إن الهلال لیس بمحلّ الرُّؤیة؛

  •  و نمنع كونه من رمضان فی حقّ الجمیع؛ فإنّه المتنازع؛

  •  و لا نسلّم التعبّد بمثل هذه الشهادة؛ فإنّه أوّل المسألة؛

  •  و قول الصادق علیه السّلام محمول على البلد المتعارب لبلد الرُّؤیة، جمعاً بین الأدلّة؛

  •  و نمنع تسطیح الأرض؛ بل المشهور كرویتها انتهى.

  •  و أمّا فی المنتهى، فلم یصرّح بهذه الفتوى؛ كما توّهم.

  •  نعم؛ یظهر منه البناء أوّلًا؛ ولكنّه فی آخر كلامه رجع و أفتى بأنّ عدم تساوی البلاد فی حكم الرُّؤیة بناءً على كرویة الأرض، هو الحقّ.

  •  فها نحن ننقل عین عباراته، كی یتّضح المرام.

  •  قال رحمة اللَه علیه: إذا رأى الهلال أهل بلدٍ، وجب الصوم على جمیع النّاس؛ سواءٌ تباعدت البلاد أو تقاربت؛ و به قال أحمد و اللیث بن سعد و بعض أصحاب الشافعی.

  •  و قال الشیخ قدّس سرّه: إن كانت البلاد متقاربةً؛ لا تختلف المطالع، كبغداد و بصرة، كان حكمها واحداً، و إن تباعدت كبغداد و مصر، كان لكلّ بلدٍ حكم نفسه؛ و هو القول الآخر للشافعی.

  •  و اعتبر بعض الشافعیة فی التباعد مسافة التقصیر؛ و هو ثمانیة و أربعون میلًا؛ فاعتبر لكلّ بلدٍ حكم نفسه إن كان بینهما هذه المسأفة و روى عن عِكرِمة أنّه قال: لأهل‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

45
  •  كلّ بلدٍ رؤیتهم؛ و هو مذهب القاسم و سالم و إسحاق.

  •  لنا أنّه یومٌ من شهر رمضان فی بعض البلاد للرؤیة، و فی الباقی بالشهادة، فیجب صومه؛ لقوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ؛ و قوله علیه السّلام: فَرَضَ اللَهُ صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ. و قد ثبت أنّ هذا الیوم منه و لأنّه یحلّ به الدَّین و یجب به النذر و یقع به الطلاق و العتاق المختلفان به عندهم فیجب صیامه لأنّ البینة العادلة شهدت بالهلال؛ فیجب الصوم؛ كما لو تقاربت البلاد؛

  •  و لأنّه شهد برؤیته من یقبَل قوله، فیجب القضاء لوفات؛ لما رواه الشیخ عن ابن مُسكان و الحلبی جمیعاً، عن أبی عبد اللَه علیه السّلام؛ قال فیها: إلَّا أَنْ یشْهَدَ لَک بَینَةٌ عُدُولٌ؛ فَإنْ شَهِدُوا أنهُمْ رَأوُا الهلالَ قَبْلَ ذَلِک، فَاقْضِ ذَلِک الْیوْمَ؛

  •  و فی روایة منصور بن حازم، عنه علیه السّلام‌: فَإنْ شَهِدَ عِنْدَک شَاهِدَانِ مَرْضِیانِ بِأنّهُمَا رَأیاهُ فَاقْضِهِ؛

  •  و فی الحسن عن أبی بصیر عن أبی عبد اللَه علیه السّلام، أنّه سئل عن الیوم الذی یقضى من شهر رمضان؛ فقال: لَا تَقْضِهِ إلَّا أنْ یشْهَدَ (یثْبُتَ خ ل) شَاهِدَانِ عَدْلَانِ مِنْ جَمِیعِ أَهْلِ الصَّلَوةِ، مَتَى کانَ رَأسُ الشَّهْرِ؛ وَ قَالَ: لَا تَصُمْ ذَلِک الْیوْمَ الذی یقْضَى؛ إلَّا أَنْ یقْضِی أَهْلُ الأمْصَارِ؛ فَإنْ فَعَلُوا، فَصُمْهُ.

  •  علّق علیه السّلام وجوب القضاء بشهادة العدلین من جمیع المسلمین؛ و هو نصّ فی التعمیم، قرباً و بعداً ثمّ عقّبه بمساواته لغیره من أهل الأمصار؛ و لم یعتبر علیه السّلام القرب فی ذلك؛

  •  و فی حدیث عبد الرحمان بن أبی عبد اللَه عن أبی عبد اللَه علیه السّلام: فَإنْ شَهِدَ أَهْلُ بَلَدٍ آخَرَ، فَاقْضِهِ‌ و لم یعتبر القرب أیضاً؛

  •  و فی الصحیح عن هشام بن الحكم عن أبی عبد اللَه علیه السّلام، قال فی من صام تسعةً و عشرین؛ قال: إن کانَتْ لَهُ بَینَةٌ عَادِلَةٌ عَلَى أَهْلِ مِصْرٍ أنهُمْ صَامُوا ثَلَاثِینَ عَلَى رُؤْیةِ الهلالِ، قَضَى یوْماً.

  •  علّق علیه السّلام قضاء الیوم على الشَّهادة على مصر؛ و هو نكرةٌ شائعةٌ، یتناول الجمیع على البدل؛ فلا تخصیص فی الصلاحیة لبعض الأمصار إلّا بدلیلٍ.

  •  و الأحادیث كثیرةٌ بوجوب القضاء، إذا شهدت البینة بالرُّؤیة؛ و لم یعتبروا قرب البلاد و بعدها؛ ثمّ نقل روایةً عامّیةً، دلیلًا على القول الآخر؛ إلى أن قال:

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

46
  •  و لو قالوا: إنّ البلاد المتباعدة تختلف عروضها؛ فجاز أن یرى الهلال فی بعضها دون بعضٍ، لكرویة الأرض؛

  •  قلنا: إنّ المعمورة منها قدر یسیر، و هو الرُّبع؛ و لا اعتداد به عند السماء.

  •  و بالجملة، إن علم طلوعه فی بعض الأصقاع (الصّفائح خ ل)، و عدم طلوعه فی بعضها المتباعد عنه؛ لكرویة الأرض؛ لم یتساو حكما هما؛ أمّا بدون ذلك فالتساوی هو الحقّ. انتهى.

  •  هذا ما أفاده العلّامة فی المنتهى؛ نقلناه بطوله؛ و آخره كما ترى، ینا فی أوّله صریحاً؛ كما اعترف به صاحب الجواهر قدّه.

  •  لأ نّ ما ذكره أوّلًا من الاستدلال، فهو من قبیل احتمالات الفقیه فی بدو بحثه حول المسئلة، و إیراد غایة ما یمكن أن یستدلّ به المخالف فی نقیض المطلوب؛ ثمّ یختار ما عنده بحسب رأیه.

  •  و لذلك ترى أنّ ما أفاده أوّلًا، هو عین ما نقل فی التذكرة عن بعض الشافعیة و اللیث بن سعد و أحمد بن حنبل و بعض علمائنا؛ ثمّ ر دّ كلّ واحدٍ من هذه الوجوه؛ و التذكرة هو أتقن كتب العلّامة و أحسنها. و ممّا یشهد على ذلك أنه أدخل فی جملة أدلّته نفس ما تمسّك به المخالفون من حلول الطلاق و العتاق به و معلومٌ أنه منافٍ لمذهبه لمكان مانعیة التعلیق فیهما. و بالجملة اختیار العلّامة فی المنتهی هو عدم تساوی البلاد، إن علم طلوع القمر فی بعض الأصقاع، و عدم طلوعه فی بعضها المتباعد عنه، لكرویة الأرض.

  •  و أمّا بدون ذلك؛ أی إن یعلم عدمُ طلوعه فی بعضها الغیر المتباعد، بجهةٍ أُخرى، غیر كرویة الأرض؛ مثل ما إذا كانت السماء متغیمةً، غیر مصحیةٍ؛ أو لعدم كرویة الأرض كما إذا فرض تسطیها؛ فالتَّساوی هو الحقّ.

  •  و هذا بعینه مذهب المشهور.

  • كلام صاحب الحدائق (ره) فی المقام‌

  •  لكن صاحب الحدائق، المصرَّ على عدم لزوم الاشتراك فی الآفاق، بانیاً على مذهبه من تسطیح الأرض؛ و الرّادَّ على الفاضل الخراسانی ره فی الذخیرة ر دَّه على العلّامة ما استدلّ به فی أوّل كلامه؛ أوَّلَ ما استدرك به العلّامة فی كلامه الأخیر، حیث قال:

  •  و أمّا قوله أخیراً: و بالجملة إلى آخره، فالظاهر أنه إشارة إلى منع ما ادّعوه من الطلوع فی بعض، و عدم الطلوع فی بعضٍ للتباعد، و أنه غیر واقع، لما ذكره أوّلًا من أنّ المعمورة من الأرض قدرٌ یسیرٌ، لااعتداد به بالنسبة إلى سعة السماء؛ و أنه لو فرض حصول العلم بذلك فالحكم عدم التساوی؛ فلا منافاة فیه لأوّل كلامه، كما استدركوه علیه.

  •  و ملخّصه، أنّا نقول بوجوب الصوم، أو القضاء مع الفوات، متى تثبت الرُّؤیة فی‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

47
  •  بلدٍ آخر قریباً أو بعیداً؛ و ما ادّعوه من الطلوع فی بعضٍ و عدم الطلوع فی آخر، بناءً على ما ذكروه من الكرویة ممنوعٌ انتهى.

  •  و أنت خبیرٌ بأنّ هذا تأویلٌ لم یرض به صاحبه.

  •  العلّامة كان ینادی صریحاً، بأنه إذا احتمل كون الهلال فوق الافق و أمكن الرُّؤیة، لتسطیح الأرض، أو لكرویتها، لكن لكون المعمورة منها بالنسبة إلى سعة السّماء قلیلًا؛ لا تمنع من رؤیته؛ ففی هاتین الصورتین فالحقّ هو التساوی؛

  •  و أمّا إذا فرضنا كرویتها، و قلنا بأنّ الكرویة تمنع من الرُّؤیة؛ ففی هذه الصورة لم یكن الهلال فوق الافق فی البلاد المتباعدة؛ بل یخفی تحت قوس الأرض؛ فلا یحكم بدخول الشهر.

  •  و هذا بعینه مذهب المشهور.

  •  ثمّ أین فی كلامه إنكار الكرویة؛ مع أنّه فی التذكرة صرّح بمنع التسطیح، و أنّ المشهور كرویة الأرض؛ و ذكرنا أیضاً استدلال ولده: فخر المحقّقین فی شرحه على القواعد على كرویتها.

  •  ثمّ إنّه على فرض ذهاب العلّامة إلى مذهب غیر المشهور، بانیاً على عدم كرویة الأرض؛ كیف یمكن أن یورَد كلامه تأییداً لخلاف مذهب المشهور؛ حیث أنّ الكرویة ثابتةٌ قطعاً؛ فلا مجال لبقاء حكمه المبنی على عدم الكرویة أی مجال.

  •  هذا مع أنّه فی القواعد ذهب إلى الحكم بلزوم التقارب فی البلاد بلا احتمال‌خلافٍ.

  • كلام الشهید (قدّه) فی «الدروس»

  •  و امّا الشّهید (ره) فی الدروس، فقد قطع بلزوم تقارب البلاد فی الرُّؤیة؛ و لم یمِلْ إلى غیره أصلًا حیث قال: و البلاد المتقاربة كالبصرة و بغداد متّحدة؛ لا كبغداد و مصر؛ قاله الشیخ؛ و یحتمل ثبوت الهلال لمن فی البلاد المغربیة، برؤیته فی البلاد المشرقیة، و إن تباعدت؛ للقطع بالرُّؤیة عند عدم المانع انتهى.

  •  و هذا كلامه، كما ترى ینادی صریحاً بلزوم التقارب؛ و أمّا احتمال ثبوت الهلال فی المغرب برؤیته فی المشرق، فلیس من باب المیل إلى اتّحاد البلاد شرقاً و غرباً؛ و إلّا لما خصّ بالبلاد الغربیة بل لأنّ القمر إذا رئی فی البلاد الشرقیة، رئی فی غالب البلاد الغربیة؛ كما فصّلنا سابقاً؛ لاتّحاد أُفق الرُّؤیة فی مطلعه و مغربه فی ذلك؛

  •  فغالب البلاد الغربیة متّحد الافق فی طلوع القمر مع البلاد الشرقیة المرئی فیها القمر؛ و لا عكس. و لعلّ من نَسب إلیه ذلك، لم یطالع نفس الدروس؛ و اكتفى بما نقله‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

48
  •  صاحب الجواهر (قدّس سره) من كلامه بعد ذكر الأدلّة التی أُقیمت على خلاف مذهب المشهور حیث قال:

  •  و لعلّه لذا قال فی الدروس، بعد نسبة ما فی المتن إلى قول الشیخ: و یحتمل ثبوت الهلال فی البلاد المغربیة برؤیته فی البلاد المشرقیة، و إن تباعدت؛ للقطع بالرُّؤیة عند عدم المانع انتهى.

  •  و أنت بأدنى تأمّلٍ تعرف: بأنّ صاحب الجواهر (ره) أخطأ فی إسناد هذه النسبة إلى الشهید (قدّه)؛ و لو بلفظ لعلّ الدالّ على الترجّی و الاحتمال، و لم یفهم مَغزَى مراده.

  •  الشهید (ره) لم یذهب إلى المیل باتّحاد البلاد فی الحكم بثبوت الشهر؛ بل كان بصدد بیان الآفاق المتحدة موضوعاً؛ فذهب إلى اتّحاد البلاد الغربیة فی مطالع القمر، إذا طلع فی البلاد الشرقیة. و أین هذا من ذاك؟

  •  تبصرةٌ: إنّ العلّامة فی التذكرة و القواعد، و الشهید فی الدروس، فرّعوا على المبنى المشهور، من عدم كفایة رؤیة بلدٍ للبلاد المتباعدة فروعاً؛ و نحن نذكرها بلفظ الدروس:

  •  منها: ما لو رأى الهلال فی بلدٍ، و سافر إلى بلدٍ آخر یخالفه فی حكمه؛ انتقل حكمه إلیه؛ فیصوم زائداً أو یفطر على ثمانیة و عشرین؛ حتّى لو أصبح مُعیداً، ثمّ انتقل، أمسك.

  •  و لو أصبح صائماً للرؤیة ثمّ انتقل، ففی جواز الافطار نظرٌ. (أی لو رأى الهلال‌مثلًا فی لیلة الجمعة ثمّ سافر إلى بلدةٍ بعیدةٍ مشرقیةٍ، قد رُئی الهلال فیها لیلة السبت؛ أو بالعكس؛ صام‌فی‌الاوّل‌واحداً و ثلاثین یوماً؛ و یفطر فی الثانی على ثمانی وعشرین‌یوماً). و زاد فی الجواهر:

  •  بأنّهُ لو أصبح معیداً، ثمّ انتقل لیومه، و وصل قبل الزوال أمسك بالنیة و أجزأه و لو وصل بعد الزوال مع القضاء، ولو أصبح صائماً للرؤیة، ثمّ انتقل؛ احتمل جواز الافطار لانتقال الحكم؛ و عدمه لتحقّق الرُّؤیة و سبق التكلیف بالصوم انتهی. ثمّ قال: كلّ هذه الفروع ساقطةٌ على المختار من عدم لزوم الاشتراك فی الآفاق.

  • كلام النراقی (ره) فی «المستند» على خلاف المشهور

  •  و أمّا صاحب المستند (ره)1 فهو بعد ما ذكر علل اختلاف البلدان فی رؤیة الهلال، و أنّه راجع إلى طول البلاد من جهةٍ واحدةٍ، و إلى عرضها من جهتین قال: ثمّ الحقّ الذی لا محیص‌عنه عند

    1. و هو الحاج مولى أحمد النراقيّ (ره) خالنا الأعلى من طرف الامّ أعني أخا أُمّ أُمّ أُمّ أُمّي فأبوه و هو الحاجّ مولى المهديّ النراقيّ (ره) کان جدّنا الأعلى من طرف الامّ أعني أبا أُمّ أُمّ أُمّ أُمّي (منه عفي عنه)

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

49
  •  الخبیر كفایة الرُّؤیة فی أحد البلدین للبلد الآخر مطلقاً، سواءٌ كان البَلَدان متقاربین أو متباعدین كثیراً؛ لأنّ اختلاف حكمهما موقوف على العلم بأمرین، لا یحصل العلم بأحدهما البتّة:

  •  أحدهما: أن یعلم أنّ مبنى الصوم و الفطر على وجود الهلال فی البلد بخصوصه؛ و لا یكفی وجوده فی بلدٍ آخر؛ و أنّ حكم الشّارع بالقضاء بعد ثبوت الرُّؤیة فی بلدٍ آخر، لدلالته على وجوده فی هذا البلد أیضاً. و هذا ممّا لاسبیل إلیه.

  •  لمَ لا یجوز أن یكفی وجوده فی بلدٍ لسایر البلدان أیضاً مطلقاً.

  •  و ثانیهما: أن یعلم أنّ البلدین مختلفان فی الرُّؤیة البتّة؛ أی یكون الهلال فی أحدهما دون الآخر؛ و ذلك أیضاً غیرُ معلوم؛ إذ لا یحصل من الاختلاف الطولی و العرضی إلّا جواز الرُّؤیة، و وجود الهلال فی أحدهما دون الآخر؛ و أمّا كونه كذلك البتّة فلا؛ إذ لعلّه خرج القمر عن تحت الشعاع قبل مغربیهما؛ و إن كان فی أحدهما أبعد من الشعاع من الآخر.

  •  و العلم بحال القمر، و أنه فی ذلك الشهر بحیث لا یخرج عن تحت الشعاع فی هذاالبلد عند مغربه؛ و یخرج فی البلد الآخر غیر ممكن الحصول؛ و إن أمكن الظنّ به؛ لابتنائه على العلم بقدر طول البلدین و عرضهما و قدر بُعد القمر عن الشّمس فی كلّ من المغربین، و وقت خروجه عن تحت الشعاع فیهما و القدر الموجب للرؤیة من البعد عن الشّعاع.

  •  و لا سبیل إلى معرفة شئ من ذلك إلّا بقول هَیوی واحدٍ، أو متعدّدٍ راجع قول راصدٍ أو راصدین یمكن خطاءُ الجمیع غالباً.

  •  و بدون حصول العلم بهذین الأمرین، لاوجه لرفع الید عن إطلاق الأخبار أو عمومها.

  •  فإن قیل: المطلقات إنّما ینصَرف إلى الأفراد الشّایعة، و ثبوت هلال أحَدِ البلدین المتباعد كثیراً فی الآخر نادرٌ جدّاً.

  •  قلت: لا أعرف وجهاً لندرته؛ و إنّما هی یكون لو انحصر الأمر فی الثّبوت فی الشّهر الواحد؛ و لكنّه یقید بعد الشهرین و أكثر أیضاً؛ و ثبوت الرُّؤیة بمصر فی بغداد، أو ببغداد لطوس، أو للشّام فی إصفهان و نحو ذلك بعد شهرین أو أكثر لیس بنادرٍ؛ لتردّد القوافل العظیمة كثیراً انتهى.

  • البحث حول كلام «المستند»

  •  و هذا كما ترى أنه (ره) أناط حكم المشهور بالعلم بكبرى المسألة، و العلم بصغراها.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

50
  •  أما الكبرى، فهو لزوم وجود الهلال فی بلدٍ بخصوصه، و عدم كفایة وجوده فی بلدٍ آخر.

  •  و أمّا الصغرى فهو العلم باختلاف البُلدان فی الرُّؤیة، أی العلم بكون الهلال فی أحدهما دون الآخر.

  •  ثمّ أنكر كلتا المقدّمتین؛

  •  بأنّه لا سبیل إلى إثبات الكبرى؛ و لا یمكن الالتزام بأنّ الشّارع أناط مبنى الصّوم و الفطر على وجود الهلال فی بلدٍ بخصوصه، لا فی بلدٍ آخر.

  •  و أنه لا سبیل إلى إثبات الصغرى؛ لأنّ الهلال إذا رئی فی بلدٍ، لا یحصل لنا العلم بعدم كونه فی البلد المتباعد؛ لأنّ العقل یحكم بجواز عدمه فی بلدٍ آخر، و لا یحكم بعدمه بتّاً؛ لما بَین من الجهات المختلفة الدّخیلة فی رؤیة الهلال الموجبة لصعوبة الحكم بعدمه فی بلدٍ آخر عند عدم رؤیته.

  •  ثمّ رتّب على عدم العلم بحصول هذین الأمرین، تحكیم الإطلاقات و العمومات الواردة؛ و عدم جواز رفع الید عنها. انتهى ما أردنا إیراده من كلامه.

  •  أقول: أمّا العلم بكبرى المسئلة، فهو الجمع بین الأخبار المستفیضة بین الخاصّة و العامّة الدالّة على لزوم الرُّؤیة فی دخول الشهر؛ و الأخبار الدالّة على لزوم القضاءِ بعد ثبوت الرُّؤیة فی بلدٍ آخر؛ كما اعترف به العلّامة فی التذكرة.

  •  و هذا الجمع كما نذكره إنشاء اللَه تعالى، بنحو الحكومة، لا التّعارض؛ لأنّ أخبار وجوب القضاءِ بعد ثبوت الرُّؤیة فی بلدٍ آخر، حاكمةٌ على الأخبار الأوَل الدالّة على لزوم الرُّؤیة؛ حیث إنّها تحكم علیها بتوسیع دائرة الرُّؤیة، و أنها غیر مختصّةٍ برؤیة أهل البلد؛ بل الرُّؤیة أعمٌّ من رؤیتهم و رؤیة غیرهم. و بهذا نلتزم بأنّ الحكم بالقضاء بعد ثبوت الرُّؤیة فی بلدٍ آخر؛ لدلالته على تحقّق الرُّؤیة فی هذا البلد تنزیلًا؛ بعد ما سنبین بما لا مزید علیه، من عدم تسلیم عموم خبر أو إطلاقه فی هذا المورد؛ و أنّ ما ظاهره العموم أو الإطلاق منصرفٌ إلى الأفراد الشایعة؛ و هی البُلدان المتقاربة.

  •  و أمّا ما أفاده من عدم عرفان وجهٍ لندرة الحكم للبلدین المتباعدین، فستعرف أنّه غیر مقبول؛ مضافاً إلى جهات أُخرى، عقلیةٍ و نقلیةٍ مانعةٍ من قیام المطلقات على إطلاقها.

  •  و أمّا العلم بصغرى المسئلة، فإنّا لا ندّعی العلم بعدم وجود الهلال فی الآفاق البعیدة؛ بل ندّعی العلم بوجوده فی الآفاق القریبة المتحدة كما بینّا سابقاً؛ و بهذا نلتزم‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

51
  •  باتّحاد الحكم فیها.

  •  و أمّا الآفاق البعیدة، فنحكم بعدم وجود الهلال فیها بالأصل.

  •  و هذا الأصل و إن لم یثبت به الموضوع الموجب للحكم الشّرعی؛ لكنّه یثبت به عدم ثبوت الحكم الشرعی المترتّب على نقیضه من الصیام و الفطر؛ فلا نحكم بهما للاستصحاب.

  •  مضافاً إلى الأخبار الواردة الدّالّة على وجوب إبقاء الشّهر، إلى أن یرى الهلال أو یتمّ ثلاثین.

  •  و العجب، أنّه ره تمسّك بعموم الحكم و إطلاقه عند الشّك فی الموضوع؛ و هذا لا مجالّ له عند الخبیر بالقواعد.

  • البحث حول كلام صاحب الوافی (قدّه) فی المقام‌

  •  و أمّا صاحب الوافی قدّه فقال: و الظاهر أنه لا فرق بین أن یكون ذلك البلد المشهود برؤیته فیه من البلاد القریبة من هذا البلد، أو البعیدة عنه؛ لأنّ بناء التكلیف على الرُّؤیة، لا على جواز الرُّؤیة و لعدم انضباط القرب و البعد لجمهور الناس، و لإطلاق اللّفظ.

  •  فما اشتهر بین متأخّری أصحابنا من الفرق؛ ثمّ اختلافهم تفسیر القرب و البعد بالاجتهاد، لا وجه له انتهى.

  •  أقول: إنّ بناء التكلیف على نفس الرُّؤیة مسلّمٌ، و لكن لا نسلّمُهُ بالجملة، كما اعترف به هو (ره) و حكم باتّحاد جمیع البلدان مع عدم الرُّؤیة إلّا فی بعضها.

  •  و أمّا مناط التكلیف على جواز الرُّؤیة بعد تحقّق رؤیةٍ ما، فلحكومة أخبار القضاءِ على أخبار لزوم الرُّؤیة بتوسیع دائرة الرُّؤیة كما عرفت.

  •  و عدم انضباط القرب و البعد للجمهور، لا یوجب رفع الید عن الحكم؛ بل حالهما كسایر الموضوعات غیر المنضبطة فلا بدّ من الرجوع إلى أهل الخبرة، و عند عدم التمكّن، إلى الاصول الموضوعیة.

  •  و الشهرة بین متأخّری الأصحاب من الفرق، لا تدلٌّ على عدم اشتهار الفرق بین متقدّمیهم؛ بل الأمر كذلك، لبنائهم على الرُّؤیة، و الحكم بالثبوت فی البلاد غیر المرئی فیها الهلال، التی یصل إلیها الخبر من الخارج عادةً.

  •  و لم یعرف منهم الحكم فی البلاد المتباعدة غیر المرئی فیها الهلال، التی لا یصل إلیها الخبر، إلّا بعد أزمنةٍ طویلة بحسبٍ ذلك العصر.

  •  و لو كان بنائُهم على ترتیب أحكام الثُّبوت فیها، لَنُقِل إلینا یقیناً؛ لأنّ الصیام و

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

52
  •  الفطر، فی رمضان لیسا من الامور الخفیة، لرجوعهما إلى مجتمع أهل البلد.

  •  و اختلافهم فی تفسیر القرب و البعد بالاجتهاد، كاختلافهم فی غالب موضوعات الأحكام سعةً و ضیقاً، لادخل له فی الحكم.

  •  ثمّ وجهُ هذا الحكم المشهور، ما سنبین من انصراف الإطلاقات الواردة إلى الأفراد الشایعة.

  •  و أمّا صاحب الجواهر قدّه الذاهبُ إلى عدم لزوم الاشتراك فی البلدان، بناءً على عدم الاختلاف فی المطالع فی الرُّبع المسكون؛ فبما قدّمنا لك من المقدّمات العلمیة، تعرف أنّ ما ذهب إلیه غیر مقبول.

  • البحث حول كلام السید الحكیم (قدّه) فی مستمسكه‌

  •  و أمّا السید الحكیم قدّه، فقال فی مستمسكه:

  •  أقول: لأجل أنه لاینبغی التأمّل فی اختلاف البلدان فی الطّول و العرض، الموجب لاختلافها فی الطلوع و الغروب، و رؤیة الهلال و عدمها؛ فمع العلم بتساوی البلدین فی الطّول، لا إشكال فی حجّیة البینة على الرُّؤیة فی أحدهما لإثباتها فی‌الآخر.

  •  و كذا لورُئی فی البلاد الشرقیة، فإنّه تثبت رؤیته فی الغربیة بطریق أولى.

  •  أمّا لورُئی فی الغربیة، فالأخذ بإطلاق النصّ غیر بعید، إلّا أن یعلم بعدم الرُّؤیة؛ إذ لا مجال حینئذٍ للحكم الظاهری؛ و دعوى الانصراف إلى المتقاربین غیر ظاهرة.

  •  نعم یحتمل عدم إطلاق النصّ بنحوٍ یشمل المختلفین، لوروده من حیث تعمیم الحكم لداخل البلد و خارجها لا من حیث تعمیم المختلفین و المتفقین؛ لكنّ الأوّل أقوى. انتهى.

  •  أقول أوّلًا: إنّ ما أفاده من عدم الإشكال فی حجّیة البینة على الرُّؤیة فی أحدهما لإثباتها فی الآخر فیما إذا تساوى البَلَدان فی الطول على إطلاقه محلّ إشكال، بل منعٍ؛ لما عرفت بما لا مزید علیه:

  •  من أنّ الطول و العرض، كلیهما دخیلان فی مطالع القمر.1

  •  فأبحاثنا فی المقدّمات، تغنیك عن البحث هیهنا.

  •  و ثانیاً: و بهذا المناط یشكل أیضاً بل یمنع، بأولویة الحكم بثبوت الرُّؤیة فی‌

    1. فيمکن أن يکون البلدان متساويين طولًاو مختلفين عرضاً على حدّ يُري الهلال في أُفق قليل العرض و لا يُرى في آخر کثير العرض. (منه عفي عنه)

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

53
  •  البلاد الغربیة فیما إذا رئی فی البلاد الشرقیة.

  •  نعم لا إشكال فیه فی الجملة؛ و هو فیما إذا كانت البلاد متّحدةً طولًا، مع اختلاف یسیر فی العرض.

  •  و ثالثاً: إنّ حكمه بعدم البعد فی الأخذ بإطلاق النصّ فیما رئی فی البلاد الغربیة، لإثباته فی البلاد الشرقیة محلّ منعٍ؛ لأنّ انصراف النصوص فی الإطلاقات الواردة ممّا لا محیص عنه.

  •  و بذلك یخرج المختلفان من حیز الحكم؛ و لا ینافی هذا من حیث تعمیم الحكم لداخل البلد و خارجه.

  •  ثمّ إنّ عدم ذكر الاختلاف فی هذه المسألة فی كلمات أكثر المتقدّمین، لیس إلّا لاتّفاقهم على أنّ الرُّؤیة الكاشفة عن وجود الهلال فوق الافق، شرطٌ فی الحكم بدخول الشهر فی البلد الذی رُئی فیه الهلال، مع ما یقاربه من البلاد.

  •  فحكموا جمیعاً، طبقاً للروایات الواردة، على أنّ الدخیل هو الرُّؤیة؛ و یستند عدم الرُّؤیة لا محالة فی البلاد المتقاربة، المتحدة الآفاق، إلى مانعٍ كالجبال و السحب و الأبخرة و الریاح و ماشابهها.

  •  و أمّا البلاد المتباعدة، فحكمهما أیضاً دائرٌ مدار الرُّؤیة؛ متى رأى أهلها الهلال حكموا بدخول الشهر و إلّا فلا.

  •  فحكمهم بأنّ الرُّؤیة الكاشفة شرطٌ فی دخول الشّهر كافلٌ لجمیع هذه الموارد.

  •  هذا مع ما فی صحیح مُسلم‌1 عن یحیى بن یحیى و یحیى بن أیوب و قُتَیبة و ابن حجر؛ قال یحیى بن یحیى:

  •  أخبرنا، و قال الآخرون: حدّثنا، إسمعیل و هو ابنُ جعفر عن محمّد، و هو ابن أبی حرملة، عن كریب: أنّ أمّ الفضل، بنت الحارث بعثَتْهُ إلى معاویة بالشّام. قال: فقدمتُ الشّام، فقضیتُ حاجتها، و استهلّ عَلَی رمضان، و أنا بالشّام، فرأیت الهلال لیلةَ الجمعة؛ ثمّ قدمتُ المدینة فی آخر الشهر؛ فسألنی عبداللَه بن عبّاس رضی اللَه عنهما، ثمّ ذكر الهلال فقال: متى رأیتم الهلال؟ فقلت: رأیناه لیلة الجمعة.

  •  فقال: أنت رأیته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس، و صاموا و صام معاویة.

  •  فقال: لكنّا رأیناه لیلة السَّبت. فلا نزال نصوم حتّى نكمل ثلاثین أو نراه.

    1. ص ٤٤٠ج ١ من الطبعة الاولي.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

54
  •  فقلت: أولا تكتفی برؤیة معاویة و صیامه؟

  •  فقال: لا، هكذا أمرنا رسول اللَه صلّى اللَه علیه (و آله) و سلّم.

  •  و شكّ یحیى بن یحیى فی نكتفی أو تكتفی انتهى.

  •  و أوردها العلّامة فی التذكرة فی جملة ما استدلّ به على ما ذهب إلیه الشیخ قدّه فی المبسوط، من لزوم الاشتراك فی البُلدان.

  •  و أوردها البیهقی أیضاً فی سُنَنه.1

  •  و هذا ظاهر بأنّ البلاد البعیدة حكمها غیر حكم البلاد القریبة بالنسبة إلى البلدة التی رئی فیها القمر و لكنّ البیهقی قال فی آخر كلامه:

  •  و یحتمل أن یكون ابن عبّاس أراد ما رُوی عنه فی قصّة أُخرى: أنّ النبی صلّى اللَه علیه (و آله) و سلّم أمدّه لرؤیته أو تكمل العدّة و لم یثبت عنده رؤیته ببلدٍ آخر بشهادة رجلین، حتّى تكمل العدّة علی رؤیته؛ لانفراد كریب بهذا الخبر؛ فلم یقبله انتهى.

  •  أقول: و هذا الاحتمال غیر مقبول؛ كما صرّح به فی الجوهر النقی المطبوع بذیل هذا الكتاب:

  •  بأ نّ قول ابن عبّاس: لا؛ حین قال له كریب: أو لا تكتفی برؤیة معاویة؛ یبعّد هذا الاحتمال انتهى.

  •  فإذن هذه المسئلة، مبحوث عنها فی لسان المتقدّمین، و وردت فیها هذه الروایة العامّیة بأسناد مختلفةٍ؛ و إن لم تكن دلیلًا لنا، لعدم العلم باستناد المشهور إلیها؛

  •  لكن تدلّنا على وجود البحث حول هذه المسئلة فی أوّل زمان الفقه؛ و هو زمان ابن عبّاس الذی كان یأخذ علم الفقه و التفسیر، من مولانا علی بن أبی طالب أمیر المؤمنین، علیه صلوات اللَه و الملئكة المقرّبین.

  • الكلام حول التمسّك بالإطلاقات، لعدم لزوم الاشتراك‌

  •  أمّا الاستدلال بإطلاق الأحادیث الواردة فی ذلك؛

  •  فالأوّل: قول الصادق علیه السّلام فی صحیح منصور بن حازم: فَإنْ شَهِدَ عِنْدَک شَاهِدَانِ مَرْضِیانِ بِأنهُمَا رَأیاهُ فَاقْضِهِ.

  •  و الثانی: صحیح هشام بن الحكم عن أبی عبداللَه علیه السّلام، أنّه قال فیمن صام تسعةً و عشرین، قال: إنْ کانَتْ لَهُ بَینَةٌ عَادِلَةٌ عَلَى أهْلِ مِصْرٍ، أنهُمْ صَامُوا ثَلَاثِینَ عَلَى رُؤیتِهِ، قَضَى یوماً.

    1. ص ٢٥١ ج ٤ من الطبعة الاولي.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

55
  •  و الثالث: صحیحة أبی بصیر عن أبی عبد اللَه علیه السّلام، أنّه سئل عن الیوم الذی یقضى من شهر رمضان‌. فقال: لَا تَقْضِهِ، إلَّا أنْ یثْبُتَ شَاهِدَانِ عَادلَانِ مِنْ جَمِیعِ أَهْلِ الصَّلَوةِ، مَتَى کانَ رَأسُ الشَّهْرِ؛ و قال: لَا تَصُمْ ذَلِک الْیوْمَ الذی یقْضَى، إلَّا أنْ یقْضِی أهْلُ الأمْصَارِ؛ فَإنْ فَعَلُوا، فَصُمْهُ.

  •  الرابع: صحیحة إسحق بن عمّار؛ قال: سأَلْتُ أبَا عَبْدِ اللَهِ عَلَیهِ السَّلَامُ عَنْ هِلَالِ رَمَضَانَ، یغَمُّ عَلَینَا فی تِسْعٍ وَ عِشْرِینَ مِنْ شَعْبَانَ؛ فَقَالَ: و لَا تَصُمْهُ، إلّا أنْ تَرَاهُ؛ فَإنْ شَهِدَ أَهْلُ بَلَدٍ آخَرَ، أنهُمْ رَأَوْهُ فَاقْضِهِ.

  •  الخامس: صحیحة عبد الرحمن بن أبی عبد اللَه، قال: سَألْتُ أَبَا عَبْدِ اللَهِ عَلَیهِ السَّلَامُ، عَنْ هِلَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ یغَمُّ عَلَینَا فی تِسْعٍ وَ عِشْرِینَ مِنْ شَعْبَانَ. فَقَالَ: لَا تَصُمْ، إلَّا أنْ تَرَاهُ، فَإنْ شَهِدَ أَهْلُ بَلَدٍ آخَرَ، فاقْضِهِ.

  •  بیان ذلك: أنّ فی جمیع هذه الروایات، حُكم بإطلاق وجوب القضاء؛ و الإطلاق دلیلٌ على العموم.

  •  فتدلّ على وجوب القضاء لكلّ بلدة لم یرَ أهلها الهلال، إذا قامت البینة من أی بلدة رئی فیها الهلال؛ بلا فرق بین الآفاق القریبة و البعیدة.

  •  و حیث لا قضاء إلّا لمن ترك الصیام الواجب، فالصیام واجب لأهل جمیع البلاد، إذارئی الهلال فی بلدة واحدةٍ من جمیع العالم، فالرُّؤیة الإجمالیة سببٌ لدخول الشهر فی جمیع الشهور لعدم الفصل بین شهر رمضان و غیره و الإطلاقات هی عمدة الأدلّة التی ذكروها فی المقام.

  •  و الحقّ أنّ هذه الإطلاقات، لا تقصر عن سائر الإطلاقات الواردة فی أبواب الفقه؛ لولا الانصراف و القرائن العقلیة و النقلیة، الموجبة لحصر المفهوم فی بعض أفراد ما ینطبق علیه.

  •  و هذه الموانع بأسرها موجودة فی المقام.

  • القرائن العقلیة المانعة عن انعقاد ظهور روایات الباب فی الإطلاق‌

  •  أمّا القرینة العقلیة، فهی إنّا نعلم أنّ ساكنی نصف قطر العالم، لا یرون الهلال، بعد خروجه عن تحت الشعاع دائماً.

  •  فإذن تشریع الأحكام المترتّبة على الرُّؤیة؛ ثمّ عدم تنجیزها بتّاً؛ بعدم تحقّق الرُّؤیة خارجاً لغوٌ، غیر صادر من الحكیم.

  •  لأنّ فائدة تشریع الحكم فی مقام الجعل و الإنشاء، إمكان تنجّزها فی الجملة؛ بالعلم و القدرة و سائر الشرائط العامّة للتكلیف.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

56
  •  و إلّا فالحكم المجعول فی عالم الإنشاءِ، غیر القابل للتنجیز، بعدم تحقّق ما یوجب تنجّزه دائماً، عبثٌ محضٌ.

  •  و أنت ترى أنّ أظهر مصادیق هذا الحكم العقلی الذی ذكرناه، هو الحكم بوجوب الصیام أداءً المترتّب على الرُّؤیة، بالنسبة إلى نصف العالم، مع عدم إمكان تحقّقها؛ بمجرّد تحقّقها فی القطر الآخر.

  •  فإن قلتَ: إنّ من شرائط الوجوب تحقّق الرُّؤیة، فحیث إنّ فی هذا القطر لم تتحقّق؛ لم یتحقّق التكلیف بالصیام؛ فأی محذورٍ فیه؟

  •  قلتُ: أوّلًا، إنّا نعلم علماً یقینیاً أنّ القمر خرج عن تحت الشعاع بالحساب فی نقطةٍ من نقاط العالم فرآه كثیرٌ من أهالی تلك النواحی و البلاد، و إن لم یصل الأخبار برؤیتهم إلى هذا القطر إلى الأبد؛ فالرُّؤیة فی الجملة قطعیةٌ؛ و العلم بها حاصلٌ؛ و الأخبار بها لیس شرطاً للموضوع.

  •  فإذن یصیر أهل هذا القطر مشمولًا للحكم، لتحقّق الموضوع.

  •  و محصّل الكلام: إن سُلّم تحقّق الرُّؤیة، فالحكم ثابتٌ و غیر معقول؛ و مع عدم معقولیته حیث لا حكم و لا تشریع، فالقضاء غیر معقول.

  •  و ثانیاً، حكم الشارع بوجوب القضاء، یوجب تقلّب الحكم على المسلمین؛ لما ذكرنا من أنّ ساكنی نصف القطر لا یرون الهلال دائماً.

  •  فلو حكّم الشارع على المسلمین فی أقطار العالم، و جعل صومهم علیه الرُّؤیة؛ و عند عدم الرُّؤیة حكّم البینة بعد ستّة أشهرٍ، أو تسعة أشهرٍ أو سنةٍ؛ على أنّ فی البلدة الكذائیة، فی نقطةٍ خاصّةٍ من المغرب مثلًا رئی الهلال؛ فلا بدّ و أن یقضوا صیامهم جمیعاً فی نصف القطر؛

  •  فهل هذا إلّا قلب الحكم لجمیع الامّة؟ فما معنى هذا التشریع؟ فهلّا حكم الشارع لهم بتقدیم صیام یومٍ قبل الشهر، كی لا یقعوا فی هذا المحذور؟

  •  إن تشریع القضاءِ فیما لایمكن الأداء للمكلّف، لعدم إمكان العلم بالتكلیف، تشریعاً عامّاً للجمیع، غیر معقولٍ و لكنّ هذا التشریع بالنسبة إلى أفرادٍ خاصّةٍ، أو فی بعض الأحیان، لا مانع منه.

  •  فتشریع قضاءِ الصوم فی البلاد المتقاربة للبلد المرئی فیه الهلال من هذا القبیل؛ و أمّا بالنسبة إلى الجمیع فغیر صحیح.

  •  و لذلك ترى أنّ الشارع جعل الثلاثین بدلًا للرؤیة فی جمیع الأزمنة و الأمكنة؛ و ذلك فی روایات كثیرة، أوردها الحرّ فی الوسائل، و النوری فی المستدرك، بأ نّ‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

57
  •  المدار فی صیام شهر رمضان على تحقّق الرُّؤیة أو إتمام ثلاثین یوماً؛ كما فی صحیحة إسحق بن عمّار عن أبی عبد اللَه علیه السّلام، أنّه قال: فی كِتَابِ عَلِی عَلَیهِ السَّلَامُ: صُمْ لِرُؤْیتِهِ وَ أفْطِرْ لِرُؤْیتِهِ، وَ إیاک وَ الشَّک وَ الظَّنَّ؛ فَإنْ خَفی عَلَیکمْ، فَأتموا الشَّهْرَ الأوَّلَ ثَلَاثِینَ.

  • القرائن النقلیة المانعة عن إطلاق الروایات‌

  •  و أمّا القرینة النقلیة، فهی الأخبار الواردة من الفریقین، لعلّها تبلغ حدّ التواتر، بإناطة الصیام و الفطر بالرُّؤیة.

  •  و نحن التزمنا بحكومة الأخبار الواردة الدالّة على وجوب القضاء، على هذه الأخبار، بجعل سعة دائرة الرُّؤیة بالنسبة إلى الآفاق القریبة؛ و أمّا الآفاق البعیدة تكون على حالها، بلزوم تحقّق الرُّؤیة فیها.

  •  إن قلتَ: ما الفرق بین القریب و البعیدة فی ذلك؛ فظاهر الأخبار تحكیم البینة فی القضاء مطلقاً فلا فرق فی الحكومة بین القریبة و البعیدة.

  •  قلتُ: هذا مساوقٌ لرفع الید عن الروایات الدالّة على دخالة الرُّؤیة بتّاً، موجبٌ لإهمالها و إبطالها.

  •  و ذلك، لأنّا نعلم أنّ فی آخر كلّ شهرٍ قمری؛ و هو الفصل بین الإحتراقین أو المقارنتین، أعنى ٤٤ و ١٢ و ٢٩؛ أنّ القمر خرج عن تحت الشعاع، ورئی فی مكانٍ ما؛ فلابدّ و أن نلتزم بأحكام الصیام و الفطر؛ فإذن سقطت الرُّؤیة رأساً؛ و بطلت هذه الروایات المتظافرة المتكاثرة الدالّة على دخالة الرُّؤیة؛ و صار الشهر الهلالی المبدوّ بالرُّؤیة، الشهر الحسابی المعلوم بالقواعد و الحساب و هو ٤٤ دقیقةٌ و ١٢ ساعةً و ٢٩ یوماً.

  •  و ابتدائه من خروج القمر عن تحت الشعاع.

  •  و نحسب هذا المقدار، ثمّ هذا المقدار، و هلمّ جرّاً إلى آخر الدهر؛ فنستریح من الاستهلال و الرُّؤیة و الشهادة و البینة و القضاءِ و غیرها جمیعاً.

  •  مع أنّ القائد العظیم: نبینا الأعظم صلوات اللَه و سلامه علیه و آله، المتجلّی فی قلبه أنوار الملكوت و المؤید بروح القدس، حسم مادّة النزاع، و حلّ هذا المشكل، و قلع أساس هذه التخیلات الواهیة إلى یوم القیامة، بقوله المعجز عند أهل التحقیق: صُومُوا لِرُؤْیتِهِ وَ أَفْطِرُوا لِرُؤْیتِهِ. و شرط الرُّؤیة فی جمیع الأمكنة.

  •  و الظاهر من كلامه صلّى اللَه علیه و آله و سلّم، جعل الرُّؤیة على نحو

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

58
  •  الموضوعیة، لا الكاشفیة الصرفة، و الطریقیة المحضة.

  •  فلا بدّ و أن نبنی و نلتزم على الرُّؤیة.

  •  فإذن ربما یكون الشّهران أو أكثر على التّوالی، تسعةً و عشرین؛ و ربما یكون الشهران أو أكثر كذلك ثلاثین، على حسب الرؤیة.

  •  فلو كانت الرُّؤیة فی ناحیةٍ ما كافیةً للحكم بدخول الشهر فی جمیع النواحی و الأصقاع، لم یبق مجال لقوله صلّى اللَه علیه و آله و سلّم: صُوموا لرُؤیتِهِ و أَفطِروا لرُؤیتِهِ؛

  •  و لَبَطَلَ الشهر التسعة و العشرونی و الثلاثونی الهلالی المبدوّ بالرُّؤیة؛ و صار الشهر شهراً حسابیاً و هو ٤٤ دقیقةً و ١٢ ساعةً و ٢٩ یوماً. أو شهراً وَسَطیاً.

  •  كما علیه الملاحدة الإسماعیلیة؛ حیث جعلوا مدار الشّهر على هذا المقدار1. و لأجل عدم اختلالٍ فی عدد الشهور، و ضبط الحساب عند العامّة، جعلوا شهراً واحداً ثلاثین، ثمّ آخر تسعةً و عشرین، ثمّ تسعةً و عشرین، فهلمّ جرّاً.

  •  و لأجل دخالة المقادیر الجزئیة الخارجة عن هذه الضابطة، جعلوا كبائس على النهج الذی عرفتَ فی المقدّمات.

  •  ثمّ وضعوا حدیثاً نسبوه إلى إمامنا الصادق علیه السّلام: رابع رجبكم غرّة الصیام‌2. و هذه الضابطة لاتنطبق على الأشهر الهلالیة دائماً؛ بل تنطبق علیها تارةً، و لا تنطبق أُخرى و أمّا على الأشهر الحسابیة، فصحیحةٌ هی، و كلّ ما ترید أن تجعل لها نظیراً مثل قولك: رابع شعبانكم غرّة الشوّال، و رابع رمضانكم غرّة ذی القعدة؛ و قس على هذا.

  •  و كذلك وضعوا حدیثاً، بأنّ یوم نحركم و یوم صومكم واحدٌ.

  •  و هذه القاعدة أیضاً صحیحة على الأشهر الوَسَطیة، دون الهلالیة الرؤیتیة؛ فقد تنطبق علیها و قد لا تنطبق.

    1. قد تقدّم الکلام على أنّ مدار الأزياج و مبناها على الوَسطيّ لاغير ثمّ يستخرج منها بعد محاسبة التعديلات أهلّةُ الشهور و مقاديرها و هذا لايختصّ بفرقةٍ دون أُخرى لکنّ الملاحدة اکتفوا بالشهور الوسطيّة على هذا النهج ثمّ جعلوا المحرّم ثلاثين و الصفراً تسعةً و عشرين و هکذا و صحّحوا باقي المقدار بجعل کبائس (منه عفي عنه).
    2. کما نسب نظماً أوسجعاً إليه صلّى اللَه عليه و آله و سلّم، قال في الخطب سيد العرب: يوم صومکم رابع رجب. (منه عفي عنه).

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

59
  •  لأنّا إذا حسبنا المحرّم ثلاثین، و الصّفر تسعةً و عشرین، ثمّ الربیع الأوّل ثلاثین و الربیع الآخر تسعةً و عشرین، و هكذا؛ یصیر یومُ اوّل رمضان الذی هو أوّل یوم الصیام، و یوم العاشر من ذی الحجّة الحرام، و هو یوم النحر واحداً بحسب أیام الاسبوع.

  •  مثلًا إذا كان الأوّل جمعةً، یصیر الثانی جمعةً؛ و إذا كان الأوّل سبتاً، یصیر الثانی سبتاً أیضاً.

  •  و بما ذكرنا لك یظهر أُمورٌ:

  •  الأوّل: أنّ الرُّؤیة التی هی كاشفة عن وجود الهلال فوق الافق، جعلت موضوعاً لدخول الشهر على وجه الموضوعیة و الصفتیة.

  • الرؤیة جزء الموضوع؛ و الجزء الآخر هو وجود الهلال‌

  •  الثانی، أنّ الرُّؤیة جزء الموضوع لدخول الشّهر، و الجزء الآخر هو وجود الهلال الثابت بنفس هذه الرُّؤیة؛ و إلّا لتحقّق الدخول، و لو بعد إحرازِ الخلاف و تبین الخطاء؛ و هذا ممّا لاسبیل إلیه.

  •  الثالث، لایمكن جعل الرُّؤیة كاشفةً صرفةً، و طریقاً محضاً إلى خروج القمر عن تحت الشُعاع، كما لا یمكن أن یكون طریقاً محضاً إلى كون الهلال فوق الافق؛ لعدم مساعدة الأدلّة.

  •  فلذلك لا یمكن نیابةُ العیون المُسَلّحة، و الآلات الرّصدیة، و حساب المنجّمین الخبیرة بالزیجات المستخرجة، عن الرُّؤیة؛ و لا تكفی هذه للحكم بدخول الشهر، و إن ثبت بها كونُ القمر خارجاً عن تحت الشعاع، أو موجوداً فوق الافق یقیناً. الرابع، أنّ ماجعل بدلًا للرؤیة هو إتمام ثلاثین لاغیر. فلذا لایمكن الحكم بعدم دخول الشهر، فی لیلة الثلاثین، برؤیة الهلال یوم الثامن و العشرین؛ أو الحكم بدخوله فی لیلة الثلاثین، برؤیته فی اللّیلة القادمة، مرتفعاً عن الافق، بمقدار أزید من غایة الارتفاع الممكن فی اللّیلة الاولى من الشهر، بجعل الرصد و المحاسبة.

  •  و غیر هذه من الفروع المتصوّرة.

  •  كلّ ذلك، لدخالة الرُّؤیة على وجه الموضوعیة الظاهرة، من قوله صلّى اللَه علیه و آله و سلّم: صُومُوا لِرُؤْیتِهِ وَ أفْطِرُوا لِرُؤْیتِهِ.

  •  و من الروایات الواردة عن أئمّة أهل البیت سلام اللَه علیهم أجمعین.

  •  هذا مع ما نری من التزام الأصحاب و التابعین و الأئمّة علیهم السلام، بنفس الرُّؤیة؛ بلا تعدٍّ عنها.

  •  الخامس، الشهر الشرعی هو المبدوّ برؤیة الهلال فوق الافق المحلّی أو ما یقاربه؛

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

60
  •  فلا یفیدنا الشهر القمری الحسابی، و لا الشهر القمری الوسطی، و لا الشهر القمری الهلالی الفلكی.

  • وجه انصراف الروایات إلى الآفاق القریبة

  •  أمّا الانصراف إلى الآفاق القریبة فممّا لابدّ منه لا لوجود القدر المتیقّن فی مقام التخاطب، كما شرط عدمَه صاحبُ الكفایة قدّه فی باب الأخذ بالإطلاق، و جعَله إحدى مقدّمات الحكمة؛ حتّى یقال: إنّ الإطلاقات شاملةٌ للقدر المتیقّن فی مقام التخاطب و غیرها؛ و نحن نأخذ بها فی جمیع فنون الفقه، مع أنّ فی كلّ منها، قدراً متیقّناً بلا إشكال، و إلّا یلزم فقهٌ جدیدٌ.

  •  و لا للإغراءِ بالجهل، و الإلقاء فی الخطر و المفسدة؛ لو كان المراد الواقعی للمتكلّم خلاف ما یفیده بظاهر كلامه من الإطلاق، بدون نصب قرینةٍ على التقیید؛ حتّى یقال: إنّ هذا كلامٌ خالٍ عن السّداد؛ للقاعدة الدّارجة بین الموالی و العبید فی الأخذ بالإطلاق، بدون انتظار مدّةٍ لمجئ القرینة على التقیید.

  •  و لا لأجل الشكّ فی سعة المفهوم و ضیقه، لغةً أو عرفاً، كما فی لفظ الماءِ المشكوك صدقه على ماءِ الزاج و الكبریت، مع أنه من أظهر المفاهیم العرفیة، كما صرّح به الشیخ الانصاری قدّه حتّى یقال: إنّ ما نحن فیه لیس من هذا القبیل. بل لأجل صدق المطلق على صنفه الخاصّ بحسب الفهم العرفی، فی ظرفٍ خاصّ بالشرائط المخصوصة و الكیفیات و القرائن المحفوفة التی اختصّت بهذا المورد؛ و إن لم تكن فی موارد أُخَر.

  •  بیان ذلك: أنّ أسماء الأجناس موضوعةٌ لنفس الطبائع بنحو اللّا بشرط المقسمی؛ المعبّر عنه فی لسان المشهور بالطبیعة المهملة، فلا یتكفّل اللفظ إلّا هذا المعنى.

  •  فإن أراد المتكلّم نفس هذا المعنى فهو؛ و إن أراد الطبیعة المطلقة أو المقیدة، فلا بدّ و أن ینصب قرینةً على مراده.

  •  و الغالب أنّ قرینة التقیید تكون بإیراد شئٍ فی الكلام.

  •  بخلاف قرینة الإطلاق، فإنّها تكون بالسّكوت، و عدم إیراد شیئی فی الكلام دال على خصوصیةٍ من خصوصیاته.

  •  فإذن لابدّ و أن ننظر إلى جمیع خصوصیات المقامات، و حال المتكلّم الأمر، و حال المخاطب، و كیفیة الحكم و الظروف التی أُلقی فیها الحكم، و الظروف التی قابلةٌ لإتیان المامور به فیها، و سائر القرائن المحفوفة؛ حتّى یتبین مقدار سعة دائرة دلالة هذا

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

61
  •  السّكوت على ما ینطبق علیه المفهوم.

  •  و هذا أمرٌ عرفی وجدانی، یكون تحت إدراك الإنسان بما أنّه مدرك للحقائق العرفیة وجداناً، بالذوق الدقیق، الذی لا یمكن أن یعارضه أو یزاحمه أی شئٍ. و یختلف بحسب المقامات و الأحوال، كالقرائن الدالّة على المجازات؛

  •  لا یكاد ینحصر تحت عدٍّ، و لا ینضبط تحت ضابطة.

  • توسیع دائرة الحكومة إلى الآفاق البعیدة مساوق لإنكار الرؤیة

  •  إذا عرفت هذا فنقول: بعد ملاحظة تسجیل أذهان المجتمع الإسلامی على لزوم الرُّؤیة فی دخول شهر رمضان، أو إتمام ثلاثین؛ تَبَعاً لسنّة الرسول الأعظم صلّى اللَه علیه و آله و سلّم، و البناء علیها بلا نكیر بین الفریقین؛

  •  و بعد ملاحظة تباعد البلاد، بعضها عن بعض زماناً؛ خصوصاً فی تلك الأزمنة، و عدم وصول الأخبار إلى الأقطار بتّاً، أو وصولها بعد نصبٍ و تعبٍ و مضی زمان بعید؛

  •  إذا ألقى الإمام علیه السّلام: بأنّه إذَا شَهِدَ أهْلُ بَلَدٍ ءَاخَرَ أَنهُمْ رَأَوْهُ فَاقْضِهِ، لا یفهم العُرف إلّا البَلَدَ القریب، الذی یمكن جعل الرُّؤیة فیه رؤیةً فی بلده بالحكومة، و توسیع دائرة الرُّؤیة بالنسبة إلیه بمناط اتّحاد المكان من حیث وجود الهلال فوق الافق، و أنّ المانع من الرُّؤیة شئٌ عارضی؛ كما أنّه فی البلدة الواحدة، إذا اتّسعت شرقاً و غرباً: تحقّق الرُّؤیة فی نقطةٍ منها كافٍ للحكم بالرُّؤیة فی حقّ الجمیع.

  •  و ذلك لمناط وحدة المكان خارجاً عند العرف.

  •  فالإمام علیه السّلام یرید أن یوسّع دائرة اتّحاد المكان فی الرُّؤیة بنحو الحكومة و الاعتبار التشریعی، و لا یرید نقض قوله صلّى اللَه علیه و آله و سلّم: صُوموا لرُؤیتِهِ و أفطِروا لرُؤیتِهِ.

  •  و هذا الاعتبار بالنسبة إلى البلاد القریبة التی یكون القمر فیها فوق الافق، له مجالٌ صحیحٌ عند العرف و أمّا بالنّسبة إلى البلاد البَعیدة التی لم یكن القمر فیها فوق الافق، فهو بمنزلة هدم أساس الرُّؤیة، و إنكارها من رأس؛ فلا یكاد یفهمه العرف.

  •  مثلًا إذا قال الطبیب للمریض: اشرب دواءً فلانیاً، و لا تجاوز عنه؛ فهل یمكن له أن یقول ثانیاً اشرب أی دواء شئت، و خذ من الصَّیدلی أیة حبّةٍ ترید؟ فلا یستحسنه الذوق السَّلیم.

  •  فإذن كلّما أجاز الطبیب من دواءٍ ظاهره الإطلاق، یحمله العرف على الأدویة

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

62
  •  المتقاربة للدواء المعین، مزاجاً و خاصّیةً.

  •  و كما إذا قال المولى لعبده: ائتنی بما عونٍ من ماءِ السُكّر؛ ثمّ قال له: لا بأس بأن تَصُبّ علیه شیئاً من الماء القراح.

  •  فیفهم العبد بالذوق الوجدانی أنّ ما یجوز له أن یصَبّ علیه، هو شئٌ قلیلٌ ممّا صدق علیه الماء القراح لا كلّما یصدق علیه شئٌ من الماء القراح، و إن كان من الكثرة بمثابةٍ لایبقى معه مفهوم ماء السكّر فی الماعون.

  •  و الإطلاقات الواردة فی المقام من هذا القبیل؛ و توسعة دائرة الأمكنة التی یمكن أن یستفاد من الإطلاق، هی الأمكنة التی یقبل العرف بالحكومة التشریعی صدق الرُّؤیة فیها.

  •  و هی الآفاق القریبة المتحدة مع بلدِ الرُّؤیة فی كون القمر فوق الافُق، و المانع من الرُّؤیة وجودُ جبلٍ أوغیمٍ أو ما شابَههما؛ بعین ما یراه من اتّحاد البلدة الواحدة فی نقاطها المختلفة، بتحقّق رؤیةٍ فی نقطةٍ منها، و وجود جبلٍ أو غیم فی سائر نقاطها.

  •  و أمّا الآفاق البعیدة، فالحكومة فیها عند العرف بمنزلة إنكار أصل الرُّؤیة و هدم أساسها.

  •  فإذن لا یكاد یفهم العرف من ألفاظ مصر، و البلد و البینة، و جمیع أهل الصلوة، الواردة فی الإطلاقات، بلدةَ المدینة المنوّرة بالنسبة إلى خراسان؛ أو حبشة بالنسبة إلى سمرقند البعیدة إحدیهما عن الاخرى بستّةٍ أشهر، أو سنةٍ زماناً.

  •  و لا یمكن حمل قوله: قیام البینة على أهل مصر، قیام البینة من أهل مكّة على أهل بخارا، أو أهل إسبانیا على أهل نیسابور مثلًا.

  •  مع ما رأینا فی عصرنا هذا، فی أزمنةٍ قریبةٍ من الحال، أنّ أخبار مدینة قم فی الصیام و الفطر، لا تصل إلى مدینة طهران إلّا بعد یومٍ أو یومین؛ و كذلك أخبار بغداد و سامرّاء لا تصل إلى النجف إلّا بعد یومین أو أیام.

  •  فكلامه علیه السّلام بالنسبة إلى تلك الظروف، مع ارتكاز فی أذهان المجتمع، من دخالة الرُّؤیة فی دخول الشهر، لا یشمل إلّا البلاد القریبة التی تصل الأخبار إلیها، فی أزمنةٍ قریبةٍ، بعنایة وجود الهلال فی آفاقهم، و أنّ جمیع هذه النواحی ناحیةٌ واحدةٌ من هذه الجهة.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

63
  •  فسعة دائرة نطاق الإطلاق لا یتجاوز عن هؤلاء. فهو علیه السّلام كان بصدد بیان الحكم لهؤلاء و بمقدّمات الحكمة یستفاد الإطلاق لجمیعهم، و هو المعبّر عنه بالانصراف فی هذا المقام.

  •  و العجب من صاحب المستند ره فی مقام دفع الانصراف، اعترف بندرة ثبوت الهلال لأحد البلدین المتباعدین، إذا انحصر الأمر فی الثُّبوت فی الشّهر الواحد؛ و لكنّه انكر النّدرة فی ما تصل الأخبار بعد الشهرین و أكثر.

  •  و قال: ثبوت الرُّؤیة بمصر فی بغداد، أو ببغداد لطوس، أو للشّام فی إصفهان، و نحو ذلك بعد شهرین أو أكثر لیس بنادرٍ؛ لتردّد القوافل العظیمة فیها كثیراً انتهى.

  •  و ذلك، لأنّ ورود القوافل الكثیرة بعد شهرین، لا ینافی الندرة؛ لأنّ القوافل لا ترد إلى كلّ بلدة بلدةٍ أوّلًا.

  •  و الأمر لا ینحصر فی البلاد التی تصل الأخبار إلیها بعد شهرین أو أكثر ثانیاً، لأنّ الحكم باتّحاد الآفاق یوجب أن یكون جمیع كرة الأرض فی الحكم مساویاً؛ فإذن ربما یبعد بلدةٌ عن بلدةٍ بأكثر من سنةٍ زماناً و لا تصل الأخبار إلیها بتّاً، فكیف یمكن إنكار الندرة؟

  •  هذا مضافاً إلى أنّ نفس النّدرة فقط لیست موجبةً للانصراف، بل بضمیمة سائر القرائن المذكورة التی لا یمكن إنكارها؛

  •  و عمدتها ارتكاز أذهان الناس بلزوم الرُّؤیة، و عدم مساعدة تحكیم أدلّة القضاءِ لجمیع البلاد؛ و القرائن العقلیة التی ذكرناها.

  •  هذه جملة ما أردنا إیرادها فی مقام المنع عن إمكان العمل بالإطلاقات.

  •  و للمحقّق البصیر، و الناقد الخبیر، غنى و كفایةٌ.

  • الكلام حول ما استُشهد به على عدم لزوم الاشتراك فی الآفاق‌

  •  و أمّا الاستشهاد بما روی فی عدّة روایات، فی كیفیة صلاة عیدَی الفطر و الأضحى؛ و ما یقال فیها من التكبیر، فی قوله علیه السّلام فی جملة تلك التكبیرات:

  •  أَسْألُكَ بِحَقِّ هَذَا الْیوْمِ، الذی جَعَلْتَهُ لِلْمُسْلِمِینَ عِیداً؛

  •  حیث إنّ الظاهر، أنّ المشار إلیه فی قوله علیه السّلام، فی هذا الیوم، هو یومٌ معینٌ خاصّ، الذی جعله اللَه تعالى عیداً للمسلمین؛ لا أنّه كلّ یوم ینطبق علیه أنّه یوم فطر أو أضحى، على اختلاف الأمصار فی رؤیة الهلال، باختلاف آفاقها؛ مضافاً إلى أنّه تعالى جعل هذا الیوم عیداً للمسلمین كلّهم؛ لا لخصوص أهل بلدٍ تقام فیه صلاةُ العید،

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

64
  •  حتّى ینتج على ضوئهما، أنّ یوم العید واحدٌ لجمیع أهل البقاع و الأمصار على اختلافهما فی الآفاق و المطالع؛ فلا یجدی شیئاً فی المقام.

  •  و ذلك، لما بینّا أنّ لكلّ بقعةٍ بقعةٍ خاصّةٍ فی العالم، لیلةً مخصوصةً و نهاراً مخصوصاً.

  •  فكلما یمكن أن یتصوّر فی العالم، آفاقٌ مختلفةٌ، و بقاعٌ متفاوتةٌ؛ یمكن أن یتصوّر دوائر أنصاف نهر متفاوتةٌ فیمكن تصوّر لیالٍ كثیرةٍ، و أیامٍ كثیرةٍ بعدد تلك أنصاف النهر.

  •  و ذلك لأنّ اللّیل عبارة عن الظلّ المخروطی، فی الطّرف المقابل لطلوع الشّمس من الأرض؛ الحاصل من شعاع الشّمس على سطح الأرض.

  •  و هذا المخروط متحرّك دائماً؛ لایقف فی لحظةٍ أبداً.

  •  فاللّیل یتحرّك دائماً فی جمیع الأرض، بحسب طول البلاد؛ و لكلّ بقعةٍ منها لیلٌ خاصّ، غیر ما لبقعةٍ أُخرى من اللّیل.

  •  و لا فرق فیما ذكرنا بین ما إذا فرضنا حركة الشّمس حول الأرض؛ كما فی فرضیة بطلمیوس، و بین ما بُین فی محلّه الیوم من حركة الأرض حول نفسها، من دلیل فاندولِ (فوكو) و لزوم الحركة الشدیدة بما یبلغ ملیارد كیلومتر فی الثانیة، لو كانت الأرض ثابتةً، و الشّمس متحرّكةً.

  •  بخلاف ما لو كانت الأرض متحرّكةً؛ فتلزم حركتها فی كلّ ثانیةٍ خمسمأة مترٍ. و هذه فی النّقاط الاستوائیة التی تكون السرعة فیها أكثر.

  •  و على كلا التّقدیرین لابدّ من الالتزام بهذا المخروط فی الفضاء حول الأرض.

  •  أمّا على الفرضیة القدیمة فظاهرٌ بأنّ الشّمس لما كانت غیر ثابتة فی لحظةٍ؛ بل متحرّكة حول الأرض دائماً؛ فبتبع هذه الحركة، یتحرّك الظلّ المخروطی حول الأرض.

  •  و أمّا على فرضیة المتأخّرین، فلأنّ الأرض غیر ثابتةٍ فی لحظةٍ؛ بل متحرّكةٌ دائماً حول نفسها؛ و الظلّ المخروطی ثابت، و الأرض تدور حول نفسها فی هذا الظلّ؛

  •  فتختلف بسبب هذه الحركة البقاع التی صارت مواجهةً لضوء الشّمس، المسمّاة بالبقاع النّهاریة؛ فتتمیز عن البٍقاع التی صارت مواجهةً لخلاف ضوء الشّمس، المسمّاة بالبِقاع اللیلیة.

  •  فهذه البقاع تتبدّل دائماً؛ ففی كلّ آنٍ یكون لبقعة جدیدةٍ، لیلٌ جدیدٌ و نهارٌ جدیدٌ.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

65
  •  و النتیجة واحدةٌ على كلا التقدیرین و كلتا الفرضیتین بالنسبة إلى حدوث الظلّ المخروطی الموجد لللّیل، فاللّیلة فی طهران، غیر اللّیلة التی فیما قبلها و ما بعدها من البلاد طولًا.

  • كیفیة تصویر الایام و اللیالی إمّا جزئیات أو كلّیات‌

  •  فإذن لابدّ و إمّا أن نلتزم بأنّ لیلة العید مثلًا مجموع تلك الظلمة، فی دورٍ كاملٍ أرضی، یبلغ أربع و عشرین ساعةً؛ و لكلّ بقعةٍ حدٌّ خاصٌّ و تعینٌ مخصوصٌ من تلك الظلمة.

  •  فلیلة العید فی طهران، قدرٌ خاصٌّ من جمیع اللّیل الطّویل؛ و كذا نهار العید المتعقّب باللّیل، قدرٌ خاصٌّ من مجموع نهار العید البالغ أیضاً أربع و عشرین ساعةً.

  •  و أمّا أن نلتزم بأنّ لیلة العید لیست أمراً جزئیاً، و مصداقاً خارجیاً مشخّصاً؛ بل أمرٌ كلّی ینطبق على مصادیق عدیدةٍ؛ و لكلّ بقعةٍ؛ یوجَدُ فردٌ من هذا الكلّی بمجرّد غروب الشّمس فیها، إلى أن تطلع؛ كما أنّ النهار أمرٌ كلّی، یوجَدُ لكلّ بقعةٍ فردٌ منه بمجرّد طلوع الشّمس فیها، إلى أن تغرب.

  •  فإذن لیس العید یوماً خاصّاً محدوداً بین النقطتین المشخّصتین، حتّى یمكن الاستشهاد بها فی المقام؛ بل على ضوءِ هذا البیان؛ یومٌ طویلٌ جزئی له تعیناتٌ كثیرةٌ؛ أو یوم قصیرٌ كلّی له أفرادٌ عدیدةٌ حسب تعداد النّواحی و الأصقاع فی جمیع أقطار الأرض.

  •  فعلى هذا یكون المراد من قوله علیه السّلام: من هَذَا الْیوْمِ الذی جَعَلْتَهُ لِلْمُسْلِمِینَ عِیداً، هذا الیوم الطویل الذی لكلّ بلدٍ سهم خاصٌّ منه؛ أو الكلّی الذی لكلّ بلدٍ فردٌ خاصٌّ منه.

  •  فكیف یمكن أن یستشهد به لتشخّص الیوم فی جمیع العالم الملازم لاتّحاد جمیع الآفاق فی ذلك؟

  •  و على هذا البیان تبین أیضاً، أنّ الكریمة الواردة فی لیلة القدر، و أنّها خیرٌ من ألف شهر و أنّ فیها یفرق كلّ أمرٍ حكیم، و تكتب فیها البلایا و المنایا و الأرزاق أیضاً كذلك.

  •  فجمیع الأیام و اللّیالی فی السّنة، كیوم عاشوراء، و عید الأضحى، و النصف من رجب، و شعبان و عید الغدیر: الثامنة عشر من ذی الحجّة، و لیالیها من هذا القبیل.

  •  فإذا ثبت أنّ الأیام و لیالیها، جزئیاتٌ طویلةٌ الأمَد، أو كلّیاتٌ منطبقةٌ على مصادیقها الخاصّة، المعینة، و أقدارٌ خاصّةٌ فی الكثیر، كالصّاع من الصُبرة؛ فأی مانعٍ‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

66
  •  من الالتزام بها فی كلّ ناحیةٍ بحسبها على میزان رؤیة الهلال؟ غایة الأمر یصیر امتداد دائرة هذا اللّیل و النهار أوسع؛ و أی ضیرٍ فیه؟

  •  و ممّاذكرنا ظهرأنّ ذهاب المشهور إلی الحكم بلزوم اشتراك البلدان فی الآفاق فی رؤیة الهلال، لیس إلّا من جهة الموازین العلمیة، و الروایات الواردة فی‌المقام الدالّة بالحكومة على دخول الشّهر فی كلّ بلدةٍ بمجرّد رؤیة الهلال فی بلدةٍ، الكاشفة عن وجود الهلال فی جمیع هذه البلاد.

  •  و أنّ لمطالع القمر فی الآفاق المختلفة دخلًا فی مسئلة الحكم بدخول الشهر، بعین مدخلیة طلوع الشّمس، فی مطالعها بما له من الأحكام.

  •  فلیس هذا مجرّد قیاس هذه المسئلة بتلك؛ بل لأنّ لكلّ واحدٍ منهما حكماً مستقلًا مشابهاً للآخر.

  • ختام الموسوعة الاولى‌

  •  هذا آخر ماجرى على قلمی فیهذا المقام؛

  •  و ما كنتُ نویتُ فی ابتداء البحث، أن أُطیل الكلام على هذا النهج؛ و لكنّ فی الأثناء قضى اللَه ما قضى على هذا الاسلوب البَیع.

  •  و كان تبدیل فتیاك فی هذه المسئلة، هو الباعث لهذه الإطالة؛ حتّى یتّضح جوانب المسئلة، و یتبین المرام من جمیع الجهات.

  •  و ما أردتُ إلّا ابتغاء وجهِ الربّ الكریم.

  •  فإن وقعَت مورد القبول فهو، و إلّا فالرجاء الواثق أن تتفضّل علَی بالجواب، و لك مزید الشكر و الامتنان.

  •  و غیر خفی أنّ هذه و ما شابهها من الرسائل التی كتبتُها من العلوم التی دخلتُها، قطرةٌ من فیضان بحرك، و رشحةٌ من سحاب علمك؛ و بضاعتك التی ردّت إلیك؛ صدرَت فوردَت؛ منك و إلیك.

  •  و له الحمد فی الاولى و الآخرة، و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمین.

  •  رَبَّنَا عَلَیكَ تَوَكَّلْنَا، وَ إِلَیكَ أَنَبْنَا، وَ إِلَیكَ المصِیرُ؛ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِینَ كَفَرُوا وَ اغْفِرْلَنَا رَبَّنَآ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِیزُ الحكِیم.

  •  ربّنا لا تجعل الدُّنیا أكبر همّنا و لا مَبْلَغَ عِلْمِنا، لِئلّا نَقْرَأ فی صَحیفَتنا یوم القیامة:

  •  أَ ذْهَبْتُم طَیبَاتِكُمْ فی حَیاتِكُمُ الدُّنْیا وَ اسْتمتَعْتم بِها.

  •  ربّنا أدخِلنَا فی كلّ خیرٍ أدخلت فیه محمّداً و آل محمّدٍ، و أخرجْنا منْ كلّ سوءٍ أخرجت منه محمّداً و آل محمّدٍ، صلواتك علیه و علیهم أجمعین.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

67
  •  و فی الختام نشكر مساعیكم الجمیلة فی إحیاء التُّراث الإسلامی و حمل أثقال الزعامة للُامّة المحمّدیة، جزاكم اللَه خیر جزاء المحسنین.

  • فَقُمْتَ مَقاماً حُطَّ قَدْرُک دُونَهُ‌   ***   عَلَى قَدَم عَنْ حَظِّها ما تَخَطَّتِ‌

  • وَ رُمْتَ مَراماً دُونَهُ کمْ تَطاوَلَتْ‌   ***   بِأعناقِها قَومٌ إلَیهِ فَجُذَّتِ‌

  • أتَیتَ بُیوتاً لم تَنَلْ مِنْ ظُهُورها   ***   وَ أبْوابُها عَنْ قَرْعِ مِثلِک و سُدَّتِ‌

  •  نسأل اللَه تعالى، أن یدیم أظلالكم السامیة، و أن یجْعَل أیامَكم خَیراً مِنَ الماضیة و أن یوفّقكم و إیانا لما یحبّ و یرضى. و السلام علیكم و رحمة اللَه و بركاته.

  •  خُتِمَت هذه الرسالة، بحمد اللَه و منّه، فی الساعة الخامسة من اللّیل، لیلة شهادة مولانا و إمامنا، محیی مذهب الإمامیة، حامل لواء الولایة المحمّدیة: جعفر بن محمّد الصادق علیه السّلام فی سنة ألف و ثلثمأة و ستّ و تسعین، بعد الهجرة النبویة، على هاجرها سلام اللَه المَلِكِ العَلّام. و أنا الراجی عفو ربّه: محمّدٌ الحسین بن محمّدٍ الصادق الحسینی الطهرانی، ببلدة طهران.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

68
  • جواب العلّامة الخوئی عن المَوسُوعة الاوُلی‌

  • القسم الثانی: جواب العلّامة الخوئی عن الموسوعة الاولى‌

  • المدخل‌

  • بسم اللَه الرّحمن الرحیم‌

  •  هذه صورة ما تفضّل به سیدنا العلّامة الخوئی‌

  •  مدّ ظلّه السامی جواباً عن الرسالة التی أرسلتُها إلى حضرته دامت بركاته‌

  •  نقلته هیهنا لیكون تبصرةً لی و تذكرةً لغیری و له الحمد فی الاولی‌

  •  والآخرة، والصلاة والسلام على سیدنا محمّدوآله الطاهرین‌

  •  و إلیك نصّ عبارته دام ظلّه:

  • بسم اللَه الرحمن الرحیم‌: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ؛ صدق اللَه العلی العظیم.

  •  بعد السلام و التحیة؛ وصلتنا موسوعتك الرائعة، الناتجة عن قریحةٍ نجلآء، و جهودٍ ثمینةٍ فشكرنا سعیك، و سبرناها عابرین على ما أبدیت من النقود على المختار، و ما أسدیت للمشهور من وجوه و استظهار؛

  •  فوجدنا أنّ المراد من قولنا كأنّه لم یتّضح ممّا حرّرنا فی الرسالة حتّى حُمل على ما لا ینبغی؛

  •  و كان التفصیل المبید للرّیب یتطلّب فراغاً واسعاً من الوقت، لا تساعده واجباتنا المحیطة بنا الآن؛ فاخترنا و جیزاً من الوصف لتوضیح ما اخترناه بما یسع المجال؛ أداءً لما رغبتم إلیه فی خاتمة المقال؛ عسى أن یتّضح به المراد. و یندفع ما زعمتَ علیه من وجوه الإیراد.

  • تبیین المراد من بدایة الشهر و بدایة الحساب‌

  •  فلیعلم أنّ قولنا: بدایة الشهر ببدایة الخروج عن المحاق، لم نقصد منه أنّ تلك اللحظة مهما كانت فهی بدایة حساب الأیام، أو مدار نصّ الفروض و الأحكام؛ كی یرد علیه ما توهّم.

  •  و إنّما أردنا بذلك دفع ما توهّم أنّ بدوّ الهلال كبزوغ الشّمس للنّهار، ظاهرةٌ

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

69
  •  أُفقیةٌ لسكّان الأرض؛ فیهلّ الهلال فی أُفق لُاناس لیلةً، ثمّ فی آخر لآخرین لیلةً أُخرى، كما تشرق الشّمس فی أُفقٍ ساعةً لقومٍ، ثمّ لآخرین ساعةً أُخرى، و هكذا.

  •  فدفعنا الوهم بأنّ بدایة النهار غیر بدایة الشهر.

  •  إذ الطّلوع ظاهرة أُفُقیةٌ تحدث من حركة الأرض الوضعیة؛ فتجدّد لها آفاق تجاه الشّمس؛ فیتعدّد لا محالة نهار لكلّ أُفقٍ؛ فلا یكون نهار قوم نهاراً لمن لم یخرج بعد من ظلام اللّیل؛ و لیس هكذا الهلال.

  •  فإنّه حادثٌ سماوی، یحدث من ابتعاد القمر عن تحت الشعاع، عدّة درجات بالقیاس إلى سكّان الأرض؛ یبدو لهم منه قوس الهلال.

  •  حتّى ولو قدّر أن لم تكن الأرض بآفاقها، و كان الناظرون فی الفضاءِ كما هم على الأرض، یحجبهم كوكب عن الشّمس، فیبدو علیهم اللّیل، یرون الهلال.

  •  و لذا ترى فی واقعنا الذی نعیش فیه، لو رُئی الهلال فی أُفق من الأرض، كإسبانیا على ما مثّلت و لم یرَ فی طهران؛ لا یصحّ أن یقال: صار القمر هلالًا فی إسبانیا، و لم یصر هلالًا فی طهران؛ حین یصحّ أن یقال: صار الوقت نهاراً هنا، و لم یصرِ بعد نهاراً هناك؛

  •  و ذلك لارتباط النهار بهما، و عدم ارتباط الهلال بأی منهما إلّا فی الرُّؤیة لا الهلالیة.

  •  فالقمر حینئذٍ هلال لإسبانیا و لطهران و لأی أُفق خیمتْ علیه لیلةُ الرُّؤیة.

  •  هذا ما أردنا من حدیث بدایة الخروج لبدایة الشّهر.

  •  أمّا بدایة الحساب فلابدّ أن تكون من أوّل اللّیل لیلة الرُّؤیة، مهما تحقّق الخروج، حتّى یعلم بوجوده فی السماء بالرُّؤیة التی هی الطریق العامّ الوحید فی سهولة التناول لكلّ أحد.

  •  و لا تكون غالباً إلّا فی أوّل اللّیل، أو قریباً منه. فیتخذونه بدایةً لأوقات شهورهم؛ (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ)

  •  فمواقیت الناس من الشّهر تبدء عندهم من أوّل لیلٍ یرى فیه الهلال.

  •  و الشارع قرّرهم علیه فی أحكامه أیضاً؛ یشهد له قول الصادق علیه السّلام فی صحیح حمّاد: (إذا رَ أَوُا الهلالَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَهُوَ للِلَّیلَةِ الماضِیةِ، وَ إذَا رَ أوْا بَعْدَ الزَّوَالِ فَهُوَ للِلَّیلَةِ المستَقْبِلَةِ و نحوه غیره) حیث أضاف الهلال إلى اللّیل، و إن اتّفقت الرُّؤیة

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

70
  •  نادرةً فی الیوم.

  •  فنحن أیضاً لا نعدوا عن ذلك، و لا نختلف مع المشهور أو معك فیه؛ و الوجه ما مرّ آنفاً.

  •  فسقط جملةٌ من النقود التی بینتها على توهّم الخلاف و جعلتها لازم المختار.

  •  و أمّا النقد بأن لو كان ملاك البدایة ما ذكر فلابدّ أن یعمّ جمیع الآفاق، و لا یختصّ بالفوق من الأرض، و لا مزیة توجب هذا الاختصاص على طول مقالٍ لك فی صحیفة ٤٩ فی ذلك؛ فیدفعه أنّ المزیة ما قرّرنا من أخذ البدایة من اللّیل لیل الرُّؤیة.

  •  و اللّیل الذی رُئی فیه إنّما هو الظلّ الواحد للنصف الجانبی المعاكس لواجهة الشّمس، كما أنت خبیر به و هذا لیس لجمیع الآفاق؛ بل للنصف الفوق، و النصف الآخر نهارٌ فی أوقاته غالباً؛ أعنی غیر القطبیة؛ و النهار دائماً تبع لیله السّابق فی العدّ؛ فلا یكون بحساب هذا اللّیل؛ بل بحساب الشّهر الماضی؛ فإذا وصل الظلّ إلیه فی دوره لتلك الآفاق عُدّت فیها بالأوّلیة.

  •  و إن شئتَ قلتَ: إنّ لیلة الرُّؤیة لیلةٌ واحدةٌ بأربع و عشرین ساعةً، یتبعها نهارٌ واحدٌ بأربع و عشرین ساعةً، یعدّان أوّل الشهر؛ ثمّ یتبعهما لیالٍ و أیام كذلك حتّى یتمّ ثلاثین أو تسعةً و عشرین؛ فیكمل شهرٌ واحدٌ، و یتبعه شهور كذلك حتّى یتمّ اثنا عشر شهراً كما فی كتاب اللَه تعالى و أمّا على المشهور الذی أیدته فكاد أن یتمّ أربعةً و عشرین شهراً على أقلّ تقدیر؛ و لا ینبّئك مثلُ خبیر.

  • الكلام حول القول بجزئیة الرؤیة للموضوع، و القول بانصراف الإطلاقات‌

  •  و أمّا ما سلكت من الطریق إلى المشهور، مُوَجّهاً به دعویهم من اعتبار الرُّؤیة فی النصوص جزءاً للموضوع على نحو الصّفتیة، حذو تعبیرك، ترید به اختصاص الموضوع بما یكون فی أُفق كلّ مكلّف لنفسه، حسب موضوعیة رؤیته؛ غایة الأمر وسّع الموضوع بدلیل كفایة رؤیة بلدٍ آخر إلى الآفاق القریبة بدعوى الحكومة؛ فمن جهة موضوعیة الرُّؤیة لایتعدّى إلى الآفاق البعیدة و بذلك حاولْتَ منع الإطلاق الذی تمسّكنا به دلیلًا للمختار؛ بعد أن اعترفْت بعدم قصور إطلاق المقام عن سائر الإطلاقات؛ فكلتا الدعویین بمعزلٍ عن التّحقیق.

  •  أما الاولى و هی جزئیة الرُّؤیة للموضوع، یدفعها ظهور أخذها طریقاً إلى ما هو تمام الموضوع أعنی دخول الشهر؛ فإنّه الذی یستفاد من الكتاب العزیز وجوب الصوم به حیث قال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ‌ إلى قوله: شَهْرُ رَمَضانَ‌؛ و كذلك من السنّة.

  •  و كان الأمر بالصّوم للرؤیة لأجل لزوم إحرازه لخصوص شهر الصیام؛ و عدم‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

71
  •  الاكتفاء بالامتثال الظنّی أو الاحتمالی؛ كما یشهد للأوّل ذیل صحیحتی ابن مسلم و الخزّاز و موثّق ابن عمّار؛ و للثّانی روایة القاسانی.

  •  و یشهد لطریقیة الرُّؤیة أیضاً أُمور:

  •  الاوّل اعتبار البینة مقامها؛ فلو كانت جزءاً بنحو الصفتیة لما استقام قیام البینة مقامها.

  •  الثانی عدّ الثلاثین إذا لم تتیسّر الرُّؤیة و البینة، حیث إنّه یوجب العلم بخروج السابق و دخول اللاحق.

  •  الثالث وجوب قضاءِ صوم یوم الشكّ الذی أُفطر لعدم طریق إلى ثبوته؛ فتبین بعد ذلك بالبینة أو بالرُّؤیة لیلة التاسع و العشرین من صومه وجودُ الشّهر فی یوم إفطاره، ففات عنه الواجب الواقعی و هذا ثابت بالنصّ و الفتوى و لا خلاف فینا الرابع إجزاء صومه إذا صامه بینة شعبان أو صوم آخر كان علیه، فتبین بعدُ أنّه من رمضان معلّلًا فی النصوص بأنّه یوْمٌ وُفِّقَ لَهُ؛ و لا یخفی أنّ الإجزاء فرع ثبوت التكلیف.

  •  و بالجملة لامساغ لأصل الجزئیة فضلًا عن الصّفتیة.

  •  و إنّما أُخذت طریقاً لأنّها أتمّ و أسهل و أعمّ وصولًا لكلّ أحدٍ، إلى إحراز الهلال المولِّد للشّهر الذی هو تمام الموضوع.

  •  نعم لابدّ أن یكون وجود الهلال على نحو یمكن رؤیته بطریق عادی؛ فلا تكفی الرُّؤیة بالعین الحادّة جدّاً أو بعینٍ مسلحةٍ بالمكبّر أو العلم بوجوده بالمحاسبات الرصدیة على دون تلك المرتبة؛

  •  لاستفادة تلك الصفة له من النصوص المعتبرة النّاطقة بأن لو رَآه واحدٌ لرآه خمسون أو لرآه ماةٌ أو لرآه ألفٌ؛ تعبیراً عن حدّ ما ینبغی من صفة وجوده.

  •  فهذا أیضاً ممّا لا خلاف بیننا فیه، فإن كان المراد من الجزئیة هذا التقیید، فحری بالتأیید و لكنّه خلاف ظاهر المقال.

  •  و علیه فیكفی لثبوت الموضوع رؤیةٌ ما إمّا من نفس المكلّف أو بالبینة ولو من بعید.

  •  و أمّا الدعوى الثانیة، و هی دعوى انصراف الإطلاقات المدّعاة لنا، بتكلّف أنّ ارتكاز لزوم رؤیة المكلّف المستفاد من قوله: صُمْ لِلرُّؤْیةِ، توجب قصر اعتبار البینة

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

72
  •  الحاكیة عن بلدٍ آخر أو مصرٍ ما فی رؤیته بأُفُقٍ قریبٍ للُافق الذی لم یرَ فیه؛ حیث اعتبرتَه بعنایة الحكومة؛ فمفادها التعبّد بثبوت الهلال فیه؛ و لكن لم یرَ لمانع كما یتّفق فی الافق الواحد أیضاً أن یرى فی موضع و لا یرى فی موضع آخر منه، لمانع من جدارٍ أو جبل إلى آخر ما أفدت؛ فیردّها:

  •  أ وّلًا أنّ هذه عدول عن الموضوعیة إلى طریقیة الرُّؤیة بدعوى حكومة البینة بوجود المرئی فی الافق أی أُفق المكلّف و إن لم یره كما فی النظیر.

  •  و ثانیاً أنّ الارتكاز الذی استفید من دلیل لزوم الرُّؤیة إنّما هو على الطّریقیة كما بینّا؛ و كونها موضوعاً إنّما كان بدعوى منك فقطّ؛ فأخذها فی المدّعى لإثبات الانصراف بها مصادرةٌ بینةٌ فی منع أخبار البینة؛

  •  فلا مناص عن القول بكفایة ثبوت الهلال فی أُفقٍ ما الذی هو ملاك وجود الشهر و دخوله ببینة أی أُفق كان حسب تلك الإطلاقات عند جماعةٍ؛ بل المعترف بها عندك، لولا الشبهة التی ذكرتَ.

  • البحث حول الإشكال فی الاستشهادات‌

  •  و أمّا النقد فی استشهادنا الثالث بجمل الذكر و الآیة فی معنى یوم العید و لیلة القدر، بتردیدك فی مفهومهما بذاك التفصیل و التطویل؛ فلابدّ أن یعدّ تغافلًا منك؛ و إلّا فلا ریب فی أنّ لیلة القدر التی یستفاد من الكتاب و السنّة أنّ فیها تقدیر حوادث السنة، لیست إلّا لیلةً واحدةً شخصیةً؛ لا اللّیل الكلّی القابل للصّدق على الكثیر و لا نفس جزئیات ذاك الكثیر حسب كلّ أُفق و صقع؛ بل هی الواحدة المحدودة بتمام دور الأرض، بظلّها اللیلی كما قدّمنا؛ و كذا یوم العید لجمیع المسلمین المشار إلیه بلفظ (هذا) المفید للجزئیة الشخصیة المضافة لجمیع المسلمین، لایلائم إلّا ذاك النهار الواحد المحدود بتمام دوره النهاری كما مرّ غیر بعید؛ فلا حاجة لأنّ نعید؛ كما لا نطیل البحث علیك بمزید؛ لأنّك بحمد اللَه تعالى فی غنى عن لزوم التطویل؛ و نبدی إلیك المعذرة بهذا القلیل؛ و نرجو لك التوفیق و السّداد؛ و نیل مناهج الأمانی و الرّشاد.

  •  فما ذكرنا فی هذا الوجیز من بیان ملاك الشهر، و من ملاك احتسابه، و شطراً من طرق السّلوك إلى المدّعى؛ یمكن أن یكون حاسماً لجذور الخلاف.

  •  إذ كان كثیرٌ من نقود الموسوعة لا أساس له و لا مَساس بما اخترناه؛ و جملة منها لاتنافیه؛ و البقیة كانت دعوى منك بلا دلیل؛ أو الدَّلیل بإثبات خلافها كفیل.

  •  و لو كان المجال واسعاً لأشرنا إلى آحادها؛ و لكنّ الحال كما أسلفنا لك فی صدر المقال. و نرجو من وُدّك الجمیل الغالی أن لاتنسانا فی غرر دعواتك العوالی، أطراف النهار

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

73
  •  و آناء اللیالی؛ كما لا نَنساك فی غیابك و لقیاك و السّلام علیكم و رحمة اللَه و بركاته. انتهى ما أفادهُ مُدّ ظلّه.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

74
  •  

  •  

  • الموسوعة الثانیة

  •  

  •  

  •  

  •  

  • المدخل‌

  • بسم اللَه الرحمن الرحیم‌

  •  هذه صورة ما كتبتُ إلى حضرة سیدنا

  •  الاستاذ العلّامة الخوئی أدام اللَه أیام إفاضاته‌جواباً

  •  عن جوابه، و دفاعاً عن صحّة موسوعتنا المرسلة إلى جنابه‌

  •  نقلته هاهنا؛ لیكون مبصِّراً و مذكّراً لإخوانی‌

  •  المشتغلین، كی ینظروا فیه بعین الاعتبار حنیفین إلى العدل‌

  •  والإنصاف، حائدین عن الجور و الاعتساف‌

  •  و للّه الحمد فی كلّ حالٍ‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

75
  • مطلع الموسوعة الثانیة

  • بسم اللَه الرحمن الرحیم‌

  •  و به نستعین و صلّى اللَه على محمّدٍ و آله الطاهرین و لعنة اللَه على أعدائهم أجمعین السلام علیك یا أمیرالمؤمنین أشهد أنّك الصّراطُ الواضحُ و النّجمُ اللائحُ و الإمام النّاصحُ و الزِّناد القادحُ و رحمة اللَه و بركاته‌

  • الصَّبرُ إلّا فی فِراقک یجْمُلُ‌   ***   و الصَّعبُ إلّا عن مَلالِک یسْهُلُ‌

  • إن تَرْمِ قلبی تَصْمِ نَفسُک إنَّه‌   ***   لَک مَوْطنٌ تَأوی إلیهِ و مَنزِلُ‌

  • وَاللَهِ لا أسْلوک حَتّى أنطوی‌   ***   تَحت التُّرابِ ویحتوینی الجَندَلُ‌

  • یا راکباً تَهوی به شَدَنِیةً   ***   حَرْفٌ کما تَهوى حَصاةٌ مِن عَلُ‌

  • هَوْجاءَ تَقطَعُ جَوْزَ تَیارِ الفَلا   ***   حتّى تَبُوصَ على یدَیهَا الأرْجُلُ‌

  • عُجْ بِالغَری عَلى ضَریحٍ حَوْلَهُ‌   ***   نَادٍ لأمْلَاک السَّماءِ وَ مَحفِلُ‌

  • وَ قُلِ السَّلَامُ علیک یا مولى الوَرَى‌   ***   نَصّاً بهِ نَطَقَ الکتابُ المُنْزَلُ‌

  • وَ خِلَافَةً ما إنْ لها لَوْ لَم تَکنْ‌   ***   مَنْصُوصَةً عَن جَیدِ مَجْدِک مَعْدِلُ‌

  • یا أیها النَبَأُ العَظیمُ فَمُهْتَدٍ   ***   فی حُبِّهِ وَ غُواةُ قَوْمٍ جُهَّلُ‌

  • یا وارِثَ التَوْراةِ وَالإنجیلِ وَ   ***   القُرآنِ وَالحِکمِ التی لا تُعْقَلُ‌

  • لَوْلاک ما خُلِقَ الزَّمانُ و لا دَجى‌   ***   غِبَّ ابْتِلاجِ الْفَجْرِ لَیلٌ ألْیلُ‌

  • إنکانَ دینُ مُحَمَّدٍ فیه الهُدى‌   ***   حَقّاً فَحُبُّک بابُهُ وَ الْمَدخَلُ‌

  • صَلّى عَلَیک اللَهُ مِنْ مُتَسَرْبِلٍ‌   ***   قُمُصاً بِهِنَّ سِواک لایتَسَربَلُ‌

  •  سلامٌ على السَّیدِ المُعظَّم و السَّنَدِ المُفَخَّم، سید القَوْم الكِرامِ و سَنَد الطّائِفَة الفِخَام أُستاذُنا المُكَرَّم سیدُ الفُقَهَاءِ و المُجْتَهِدین الآیةُ العُظْمَى الحاجّ السَّید أبوالقاسِم الخوئی أدام اللَه‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

76
  •  أیام بركاته بحقّ محمّدٍ و آله.

  • أ وَمیضُ بَرْقٍ بالأبَیرِقِ لاحَا   ***   أمْ فی رُبى نَجْدٍ أرى مِصْباحَا

  • أمْ تِلک لیلَى العامِریةُ أسْفَرَتْ‌   ***   لَیلًا فَصَیرتِ المَسأءَ صَباحَا

  • یا راکبَ الوَجْناءِ وُقّیتَ الرَّدى‌   ***   إنْ جُبتَ حَزْناً أو طَوَیتَ بِطاحَا

  • وَ سَلَکتَ نَعمانَ الأراک فَعُجْ إلى‌   ***   وَادٍ هُناک عَهِدْتُهُ فَیاحَا

  • واقْرِ السَّلامَ أُهَیلَهُ عَنّی وَ قُلْ‌   ***   غادَرتُهُ لِجَنابِکم مُلْتاحَا

  • یا ساکنی نَجْدٍ أما مِن رَحْمةٍ   ***   لأسیرِ إلْفٍ لا یریدُ سَراحَا

  • هَلَّا بَعَثْتُم لِلمَشُوقِ تَحیةً   ***   فی طَی صافیةِ الرِّیاحِ رَ واحَا

  • یا أهلَ وُدّی هَلْ لِراجی وَصْلِکم‌   ***   طَمَعٌ فَینْعَمَ بالُهُ استِرواحَا

  • سَعْیاً لأیامٍ مَضَتْ مَعَ جیرَةٍ   ***   کانَتْ لَیالینا بِهِم أفْراحَا

  • حیثُ الحِمی وَطَنی و سُکانُ الغَضا   ***   سَکنی وَ وِرْدِی الماءَ فیهِ مُباحَا

  • وَاهاً عَلی ذاک الزَّمانِ وَ طِیبِه‌   ***   أیامَ کنتُ مِنَ اللُّغوبِ مُراحَا

  • قَسَماً بِمکةَ وَ المقامِ وَ مَنْ أتَی‌ال‌   ***   بَیتَ الحَرامَ مُلَبّیاً سَیاحَا

  • ما رَنَّحَتْ ریحُ الصَّبا شِیحَ الرُّبى‌   ***   إلَّا وَ أهْدَتْ منکمُ أرْواحَا

  •  و بعد التحیة و السلام و الإخلاص و الإكرام بُشِّرتُ بمجیئ كتابك الكریم، جواباً عن الرسالة التی أرسلتها إلیك حول مسئلة لزوم اشتراك البلدان فی الآفاق فی رؤیة الهلال بالنسبة إلى الأحكام المترتّبة على دخول الشهر.

  •  و استقبلتُه من حین، و استلمتُه بَهِجاً فَرِحاً، و زاد لی فخراً و شرفاً لمّا فضّلتنی بالجواب، اهتماماً بالسنّة الرائجة بین الأعلام؛ لبقاءِ العلم و حفظه من الجُمود و الرّكود و الاندراس فطالعته مراراً.

  •  و شكرت اللَه على هذه الموهبة العظیمة التی منحها أُستاذَنا الأفخم، حیث وفّقه مع الهَرَمِ و كثرة المشاغل و الشواغل، من الأسئلة و الاستفتاءات من كلّ صوب و توارد الهموم و الحوادث الواقعة من كلّ فجّ؛ للنّظر فی هذه المجموعة، و إیراد بیانٍ دفعاً للنّقود المذكورة فیها على عدم لزوم الاتّحاد فی الآفاق و كفایة رؤیة ما و لومن بعید فی تحقّق‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

77
  •  دخول الشهر الجدید.

  •  فجزاك اللَه تعالى عن العلم و أهله خیر الجزاءِ، و أبقاك للعلم و أهله خیر البقاءِ.

  •  هذا و لكن لمّا كانت هذه الأجوبة غیر ناهضةٍ لدفع النّقود المذكورة بوجهٍ من الوجوه؛ و لم یكن حالك بما یتراءى من ظاهر الأمر مُساعداً و مجالك واسعاً عندما تشرّفتُ بلقائك للبحث مشافَهَةً؛

  •  و بما قیل من أنّ حیاة العلم بنتُ البحث؛

  •  صلّیت و استخرتُ اللَه تعالى، و استجزت من سماحتك أن أكتب جواباً عن كتابك المُرسل عسى أن یقع مورد القبول.

  •  و بتبدیل فتیاك فی هذه المسئلة، یرتفع الخلاف، و تنتهی المعارك و الضّوضاء، و یستریح الناس من الشّبهة فی أعمال الأیام و اللَّیالی من شهر رمضان القریب جدّاً، و مناسك عید الفطر القادم و اللَه یعلم و ضمیرك یشهد بأنه لم یكن الداعی إلى هذه الاطرُوحة إلّا الوصول إلى متن الواقع.

  •  و إنّما التوفیق باللَه؛ منه المبدءُ و إلیه المعاد.

  •  فأقول مستعیناً به:

  • بسم اللَه الرحمن الرحیم‌

  •  ؛ شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ؛ هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى‌ وَ الْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.

  • مقدّمات المبحث‌

  •  و قبل الخوض فی البحث لابدّ من تقدیم مقدّمات ثلاثة:

  •  الاولى: إذا واجه ناظرٌ إلى الكُرة المستضئ نصفها بإشراق مبدءٍ مضئ؛ یرى تمام النصف المستضئ فیما إذا خرج شعاع نورعینه إلى مركز الدائرة المستضیئة؛ و أمّا إذا لم یصل هذا الشُّعاع إلى المركز، فلا یرى تمام النصف؛ بل بحسب تفاوت اختلاف درجات مركز الدائرة المستضیئة مع نقاط وصول شعاع نور عینه الممتدّ إلى الكرة، یتفاوت مقدار رؤیة الكرة.

  •  فقد یرى ثُلثی النصف المستضئ؛ و قد یرى نصفه؛ و قد یرى ثلثه و ربعه إلى أن یراه بشكل الهلال.

  •  نصّ على ذلك علماء علم المناظر و المرایا من المتقدّمین و المتأخّرین.

  •  و حاسبوا مقدار المرئی من النصف المستضئ بحسب جمیع تقادیر زوایاه‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

78
  •  المفروضة من خروج شعاع عین الناظر؛ و أثبتوها فی مسطوراتهم‌1.

  •  المقدّمة الثانیة: القمر إذا خرج عن تحت الشُّعاع لایمكن رؤیته إلّا بعد غروب الشّمس؛ نصّ على ذلك جمیع علماءِ الفلك.

  •  و ذلك، لأنّ الأشعّة القاهرة الشمسیة تمنعنا من الإبصار و الرُّؤیة.

  •  فإذن كلّما رئی الهلال فی یوم بعد المحاق فهو دلیل على خروج القمر عن تحت‌

    1. و من أحسن الکتب المطبوعة من المتقدّمين في علم المناظر، کتابٌ تنقيح المناظر لذوي الأبصار و البصائر؛ و هو مجلّدان ضخمان نقّحه کمال الدين أبوالحسن الفارسي من کتاب ابن الهيثم و طبع في حيدرآباد سنة ١٣٤٧ و ٤٨ ه. و هذا الکتاب من أُصول علم المناظر و المرايا عند علماء الغرب؛ و قد استنتجوا منه کثيراً من أبحاثهم و بنوا عليه کثيراً من مخترعاتهم.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

79
  •  الشُعاع فی اللّیلة الغابرة؛ سواءٌ كانت الرُّؤیة قبل الزوال أو بعده.

  • الامور المترتبة على حركة الارض حول نفسها

  •  المقدّمة الثالثة: إنّ الأرض تدور فی الفضاء حول نفسها بحركتها الوضعیة دوراً كاملًا فی كلّ یوم و لیلةٍ ما یقرب أربع و عشرین ساعةً.

  •  و بهذه الحركة یتحقّق اللّیل والنّهار؛ و تتعین مقادیرهما؛ و ینطبق ترسیم امتداد الزّمان على جمیع النّقاط المفروضة من الأرض. و بهذا یتحقّق اوّلًا تحقّق الزّوال و الطّلوع و الغروب فی كلّ نقطة.

  •  و ثانیاً یكون الغروب فی كلّ آنٍ من الآنات فی نقطةٍ ما؛ و یكون الطلوع فی نقطةٍ ما؛ و یكون الزوال فی نقطةٍ ما.

  •  و ذلك بسبب حركة الأرض تختفی الشّمس فی كلّ آنٍ تحت أُفُق من الآفاق.

  •  ففی كلّ لحظةٍ یكون الغروب فی ناحیةٍ؛ و یكون بعد الغروب بدقیقةٍ فی الناحیة الشّرقیة المجاورة للُاولى بفاصلِ دقیقةٍ. و یكون بعد الغروب بدقیقتین فی النّاحیة الشرقیة المجاورة للُاولى بفاصل دقیقتین. و هكذا إلى ساعةٍ بعد الغروب فی الناحیة المجاورة بفاصل ساعةٍ. و یكون وقت العِشاء فی كلّ آن فی ناحیةٍ؛ و یكون وقت طلوع الفجر فی ناحیةٍ؛ و هكذا وقت طلوع الشّمس و الزّوال و العصر.

  •  فلا تمرّ لحظةٌ من الأرض إلّا و یتحقّق فیها جمیع الساعات اللّیلیة و النهاریة بجمیع ما فیها من الآنات و اللَّحظات.

  •  و بهذا التّرسیم الواقعی فی كلّ آن فی الآنات تتحقّق لطیفةٌ؛ و هی تحقّق صلوة الفجر فی كلّ آنٍ فی ناحیةٍ ما؛ و صلوة الظُّهر فی ناحیةٍ؛ و صلوة العصر فی ناحیةٍ؛ وهكذا.

  •  ففی كلّ آن تتحقّق الصّلوات الخمسة و رواتبها فی الأرض، یصلّی سكّانها جمیعاً بالعموم الشّمولی فی كلّ آنٍ من الآنات جمیع الصّلوات.

  •  فلا یمرُّ آنٌ و لحظةٌ من الأرض إلّا و تتحقّق الصّلوةُ أی صلوةٍ فی ناحیةٍ.

  •  مثلًا فی آن وقت غروب طهران یصلّی ساكنوها صلوة المغرب. و فیهذا الآن یصلّی من كان فی البلاد الشّرقیة من طهران على قدر ساعةٍ و نصف ساعةٍ صلوة العِشاء. و یصلّی من كان بعیداً عنه بفاصل عشر ساعاتٍ مثلًا صلوةَ الصّبح.

  •  فالأرض فی جمیع اللّحظات و الآنات مشغولةٌ بجمیع أنحاء صلوات ساكنیها و بجمیع أنحاء أذكارهم و تسبیحاتهم اللّیلیة و النهاریة. يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ‌.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

80
  •  و ثالثاً بمجرّد خروج القمر عن تحت الشعاع رئی فی ناحیةٍ من النَّواحی.

  •  و ذلك، لأنّا ذكرنا أنّ فی كلّ آنٍ، یكون وقت الغروب فی ناحیةٍ؛ فإذا خرج القمر عن تحت الشعاع فی أی آنٍ من الآنات، یكون وقت غروبٍ فی ناحیةٍ؛ و یراه أهل هذه الناحیة.

  •  فما ربّما یقال مثلًا: رُئی الهلال بعد الخروج بثلاث ساعات؛ إنّما هو فی ناحیةٍ یكون غروبها من الناحیة المحاذاة لخروج القمر بثلاث ساعات؛ لا أنه لابدّ و أن رُئی بعد ثلاث ساعات فی جمیع النقاط.

  •  و رابعاً لا یمكن تحقّق رؤیة الهلال فی لیلة واحدة لجمیع بقاع الأرض.

  •  و ذلك، لأنّ القمر إذا خرج عن تحت الشعاع رئی فی الآفاق المشتركة؛ و هی الآفاق التی تشترك فی رؤیته حین اشتهر فوق الافق، و لم یغرب بعدُ.

  •  و أمّا الآفاق البعیدة لا تكاد یرونه؛ لاختفائه بعد نصف ساعةٍ تحت الافق. بل یرونه فی اللّیلة القادمة.

  •  و لایمكن أزید من لیلتین؛ و ذلك لأنّ الأرض تتحرّك حول نفسها دوراً كاملًا فی أربع و عشرین ساعةً؛ فبخروج القمر عن تحت الشعاع یراه أهلُ الأرض جمیعاً فی طول أربع و عشرین ساعةً.

  •  و هذا یطول فی لیلتین لا أكثر.

  •  فما ربّما یقال من أنه یمكن أن یكون أوّل الشهر المتحقّق برؤیة الهلال فی جمیع النّواحی فی لیلة واحدة كلامٌ خالٍ عن السداد.

  •  كما أنّ ما قیل من تحقّق الشهربتحقّق لیلتین علی‌أقلّ تقدیر، لم یفهم له معنى محصّلٌ.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

81
  • إشكالات الواردة على التفریق بین بدایة الشهر و بدایة النهار

  •  و بعد هذه المقدّمات نقول: إنّ إهلال الهلال كبزوغ الشّمس ظاهرة أُفقیة لسكّان الأرض بلا فرق بینهما أصلًا.

  •  و ما أفدتَ من الفرق بینهما بأ نّ بدایة النهار غیر بدایة الشهر؛ إذ الطلوع ظاهرةٌ أُفقیة تتجدّد للآفاق الواجهة للشّمس، بخلاف إهلال الهلال؛ فإنّه حادث سماوی یحدث من ابتعاد القمر عن تحت الشعاع؛ حتّى ولو قدّر أن لم تكن الأرض بآفاقها، و كان الناظرون فی الفضاء كما هم على الأرض یحجبهم كوكب عن الشّمس، فیبدو علیهم اللّیل، یرون الهلال؛

  •  ثمّ ما أفدتَ من الفرق بین بدایة الشهر و بدایة الحساب؛ بأنّ الأوّل یتحقّق بخروج القمر عن تحت الشعاع و بأنّ الثانی یتحقّق من أوّل لیلة الرُّؤیة مهما تحقّق الخروج؛ فیرد علیه:

  •  أوّلًا أنّ ما أفدتَ من الاختلاف بین مبدءِ تحقّق الشهر و بین مبدءِ الحساب، هو خلافُ ظاهر تحریر الكلام فی رسالة المنهاج.

  •  و سنبین أنّ النقود الواردة فی موسوعتنا كما أنّها واردةٌ على نفس تحقّق الخروج، واردةٌ على مبدءِ تحقّق الحساب، بلا فرقٍ بینهما.

  •  و ثانیاً أنّ إهلال الهلال له معنى؛ و صیرورةً القمر هلالًا لها معنى آخر.

  •  و ذلك لأنّ الإهلال بمعنى الظهور و الإشتهار؛ فالقمر بمجرّد خروجه عن تحت الشعاع یصیر هلالًا بالنسبة إلى الامتدادات الأرضیة؛ و أمّا الإهلال فلا یكون إلّا بعد الرُّؤیة، فیختلف بالنسبة إلى بقاع الأرض؛ فیقال: أهلّ الهلالُ لُافق من الأرض كإسبانیا و لم یهلّ لُافق آخر كطهران.

  •  و ما ورد فی الروایات ممّا هو دخیل فی تحقّق الشهر هو الإهلال؛ كما أنّ ما هو دخیل فی تحقّقه حسب ما هو المتعارف بین الملل و الأقوام كذلك؛ لا نفس الخروج عن تحت الشعاع؛ فأین هذا من ذاك؟

  •  و ثالثاً: أنّ نفس تحقّق الهلال، بابتعاد القمر عن تحت الشعاع عدّة درجات، إنّما هی بالنسبة إلى خصوص الأرض و سكّانها و كلّ ما امتدّ من الأرض بخطّ مستقیم فی الفضاءِ إلى نفس القمر.

  •  و أمّا فی سائر نقاط الفضاء بحیث یكون فیها ناظرون یحجبهم كوكبٌ عن الشّمس فلیس كذلك؛ لأنّهم لا یرون القمر هلالًا أبداً بل یرونه بشكل البدر أو ما هو قریبٌ منه دائماً و ذلك لأنّ الكرات الثوابت و السیارات كانت محلّها أقرب‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

82
  •  إلى الشّمس من القمر إلیها؛ فیرون نصف الكرة القمریة المستضیئة بنور الشّمس تحقیقاً؛ و هو الشكل البدری.

  •  و على فرض كوكب متساوی البعد مع القمر بالنسبة إلى الشّمس، یرون القمر عندئذٍ بشكل التربیع لا الهلال.

  •  فالترسیم الذهنی من حدوث الهلال إنّما هو بالنسبة إلى خصوص الأرض و ساكنیها و كلّ ناظر فی الفضاء فی امتداد الأرض إلى نفس القمر.

  •  ففی هذا الامتداد إذا فرض كوكبٌ تخیلی، أو حاجبٌ آخر كالسفینة الفضائیة و القمر الصناعی، یحجب الناظر عن الشّمس؛ یرى القمر بشكل الهلال.

  •  فالتصویر الذهنی من الهلال إنّما هو فی خصوص الامتداد الأرضی بالنسبة إلى الأشعّة الصادرة إلى عیون الناظرین إلى الخارج من مركز الدائرة المستضیئة من القمر الواجهة لضوءِ الشّمس لا حادث سماوی على كلّ تقدیر.

  •  و رابعاً: أنّ التفریق بین بدایة الشهر بخروج القمر عن تحت الشعاع و بین بدایة الحساب بالرُّویة أوّل اللّیل تحكّمٌ واضحٌ؛ لأنّا نرى فی جمیع المواقع و المواضع الاتّحادَ بین مبدء التحقّق و مبدء الحساب كما هو الظاهر المعمول به فی الأحكام المترتّبة على موضوعاتها الشَّرعیة؛ و السُّنَّة الدارجة بین الأقوام فی مبادی قوانینهم و أحكامهم المترتّبة على موضوعاتها العرفیة.

  •  فبدایة حساب الشُّهور القمریة التی لابدّ و أن تكون من أوّل اللّیل لیلة الرُّؤیة مهما تحقّق الخروج بالآیات و الروایات التی لامناص إلّا عن الأخذ بها، دلیلٌ كافٍ شافٍ على تحقّق نفس الشهور بالرُّؤیة أیضاً؛ قضیةً للاتّحاد.

  •  فإذن الالتزام بتحقّق نفس الشهر بالخروج عن تحت الشعاع، مجرّد تصویر ذهنی؛ خالٍ عن الدلیل؛ بعیدٍ عن مساق الأحكام الواردة؛ غیر مماسٍّ بها بأی وجهٍ فُرِض.

  •  و خامساً: ما الفائدة المتصوَّرة المثمرة الدَّخیلة فی تأسیس الدلیل لدخول الشَّهر بالخروج عن الشُّعاع؟ و ما فائدة هذا التفریق؟

  •  لأنّ بدایة حساب الأیام و مدار نصَّ الفروض و الأحكام، إنّما یترتّبان على نفس الرُّؤیة؛ بتحقّق دخول اللّیل كما علیه المشهور و المسلّم عندك.

  •  فتعیین تحقّق نفس الشهر بالخروج عن الشّعاع و الإصرار بذلك؛ هل هو إلّا كضمّ الحَجَر فی جنب الإنسان؟

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

83
  •  و سادساً: فرض تغایر مبدء التحقّق و الحساب إنّما یصحّ فیما إذا كان مبدء الحساب متأخّراً دائماً أو غالباً؛ و أمّا إذا كان مبدءُ الحساب متقدّماً فی كلّ حین و زمان فهو من أخْیلةٍ وهمیة، لا واقعیةٍ خارجیةٍ.

  •  و ما نحن فیه من هذا النّوع؛ لأنّا ذكرنا أنّه بمجرّد خروجه القمر یرى فی ناحیةٍ؛ فنصف الكُرة الأرضیة الشَّرقیة بالنّسبة إلى هذه الناحیة البعیدة عنها من دقیقةٍ إلى اثنتی عشرة ساعةً یحسب من لیلة الشهر القادم؛ مع أنّ الشهر الواقعی لم یدخل بعد؛ لأنّ القمر لم یخرج فی هذه المدّة عن تحت الشعاع؛ بل یدخل بعد دقیقةٍ إلى اثنتی عشرة ساعةً.

  •  و سابعاً: كلما خرج القمر عن تحت الشعاع؛ رُئی فی ناحیةٍ ما لا محالة؛ و ذلك لما ذكرنا فی المقدّمة الثالثة من أنّ الأرض بحركتها الوضعیة تتجدّد لها آفاق؛ ففی كلّ آنٍ تغرب الشّمس و تختفی تحت افُق من الآفاق.

  •  ففی آنِ خروج القمر عن تحت الشعاع تختفی الشّمس تحت افُقٍ؛ و یرى الهلال فی هذا الافق؛ فإذن لانجد زماناً فی آنٍ من الآنات، یفترق زمان الخروج عن تحت الشعاع من زمان الرُّؤیة؛ فی مجموع الأرض فی افُقٍ ما؛ كمالا نجد فی مجموعها مكاناً لایمكن فیها الرُّؤیة بمجرّد الخروج.

  •  فالتفریق الزمانی بین الخروج و الرُّؤیة، و تصویر الفّصل بینهما مجرّد توهّمٍ باطلٍ؛ كما أنّ تخیل إمكان عدم وجود ناحیةٍ أرضیةٍ یمكن فیها الرُّؤیة بمجرّد الخروج كذلك.

  •  فعلى هذا لا یجدی الفرار عن قبول النُّقود الواردة فی موسوعتنا على مذهبك، بالفرق بین المبدئین زماناً؛ مبدء تحقّق الشهر و مبدء الحِساب.

  •  فجمیع النُّقود باقیةٌ بحالها، و قائمةٌ على ساقها طابق النَّعلِ بالنَّعل و القُذَّةِ بالقُذّةِ و النقود إنّما وقعت موقعها إذا التزم بعدم لزوم الاشتراك فی الآفاق، و كفایة رؤیةٍ ما ولو من بعید. مثلًا إذا فرضنا خروج القمر عن تحت الشُّعاع فی أقصى البلاد الغربیة كإسبانیا فیرى لا محالة فی هذا البلد أوّل وقت خروجه و هو أوّل زمان مغیب الشّمس، المعبّر بأوّل اللّیل.

  •  فإذن لابدّ و أن یحسب جمیع اللّیلة البالغة اثنتی عشرة ساعةً أو أكثر، من إسبانیا إلى بكین و توكیو من أقصى البلاد الشرقیة، من الشهر القادم من أوّل اللّیل؛ مع أنّه فی أوّل اللّیل فی بكن و توكیو لم یخرج القمر عن تحت الشُّعاع؛ بل بقی إلى زمان خروجه اثنتا

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

84
  •  عشرة ساعةً؛ و یطوی القمر فی المدار فی هذه المُدّة ستَّ درجاتٍ.

  •  فلابدّ و أن یلتزم بأحكام الشَّهر الجدید فی نصف القطر المحیط، مع أنّه لم‌یدخُل.

  • الإشكال على التفصیل بین النصف الفوقانی و النصف التحتانی، باق على حاله‌

  •  و أمّا النُّقود الواردة فی الرسالة على فرض تعمیم الحكم لجمیع الآفاق، فوق الأرض و تحتها؛ إنّما هی على تقدیر دخول الشهر بمجرّد الخروج عن تحت الشعاع، و لو لم یدخل اللّیل، كما هو ظاهر تحریر الكلام فی المنهج.

  •  و أمّا على فرض دخوله بعد الرُّؤیة فی أوّل اللّیل، فیختلف حكم النصف الفوقانی الواجه لضوءِ الشّمس و النّصف التَّحتانی الواجه لضوئها، و یصیر أوّل الشَّهر فی التحتانی بدخول اللّیل المعقّب بالنَّهار؛ و یصیر حكماهما مختلفین.

  •  ولكنّ النَّقض باقٍ على حاله؛ لاعترافك باختلاف حكم الرُّؤیة الدَّخیلة فی دخول الشَّهر فی النصف الفوقانی؛ مع الالتزام بوحدة خروج القمر عن تحت الشُّعاع بما أنه حادثةٌ سماویةٌ.

  •  فإذن نقول: أی مانعٍ من الالتزام باختلاف الحكم بدخول الشَّهر فی الآفاق غیر المشتركة؛ باختلاف الرُّؤیة فیها؟

  •  و الفرار عن هذا النّقض، بأ نّ لیلة الرُّؤیة لیلةٌ واحدةٌ بأربع و عشرین ساعةً، یتبعها نهارٌ واحد بأربع و عشرین ساعةً؛ یعَدّان أوّل الشَّهر؛ فمجرّد تصویر ذهنی و ترسیم فكری لجمیع النقاط التی واجهت الشّمس عند الغروب، و المارَّة عنها فی الدَّورة الكاملة للحركة الأرضیة؛ فی مدّة أربع و عشرین ساعةً.

  •  ولكنّ هذه الظلمة الممتدّة بهذا المقدار، إنّما هی زمان غشیان اللّیل لكلّ نُقطة نُقطة من نقاط العالم.

  •  و هی غیر ما هو المعروف باللّیل فی العرف و اللّغة، و الموضوع فی الأحكام المترتّبة علیه فی الشَّرع. لأنّ اللّیل عبارة عن مجموع الظلمة فی كلّ ناحیةٍ، یبدء بغروب الشّمس و ینتهی بطلوعها فی هذه الناحیة.

  •  و كذلك النقاط التی تمرُّ على جهة الشّمس عند طلوعها حتّى تتم فی الدّورة الكاملة أربع و عشرین ساعةً إنّما هی لكلّ نقطةٍ نقطةٍ؛ لكنَّ هذا غیر ما هو النَّهار عند العرف و اللّغة الذی هو عبارة عن قرصٍ كاملٍ نورانی لكلّ ناحیةٍ من النَّواحی؛ یبدء بطلوع الشّمس و ینتهی بغروبها.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

85
  •  فإذن لما لانجد محیداً عن الالتزام باختلاف الحكم بدخول الشّهر فی النصف الفوقانی و النصف التحتانی و لا مناصاً من أخذ اللّیل و النهار بما هما متعارفان عند العرف و اللغة؛ بهذه الموازاة نحكم باختلاف دخول الشّهر فی الآفاق غیر المشتركة حرفاً بحرفٍ.

  •  هذا مضافاً إلى أنّ بناء الحجّة على هذا المنهج، بجعل لیلة الرُّؤیة أربع و عشرین ساعةً، و بتتابع اللّیالی و الأیام یتم ثلاثین أو تسعةً و عشرین؛ فیكمل شهرٌ واحدٌ؛ و تتبعه شهورٌ كذلك حتّى یتم اثنا عشر شهراً و بجعل بناء المشهور أربعة و عشرین شهراً على أقلّ تقدیر؛ ینزِّل الاستدلال عن درجة البرهان المؤلَّفة مقدّماته من الأوّلیات و المشاهدات و الفطریات و التجربیات و المتواترات و الحدسیات و یسقطه إلى حدّ الشِّعر.

  •  مع أنّا لم نفهم معنى محصّلًا لقولك: على أقلَّ تقدیر.

  •  فهل یمكن اختلاف الشَّهر بأزید من لیلتین حتّى یكون أقلُّ تقدیره یرسم لنا أربعة و عشرین شهراً؟ هذا كلّه جوابٌ عمّا أوردته على نقودنا على دلیلك الأوّل؛ و هو تحقّق الشَّهر بنفس خروج القمر عن تحت الشُّعاع.

  • الجواب عن الإشكالات الواردة على مجعولیة الرؤیة جزءاً للموضوع‌

  •  و أمّا ما أفدتَ من تضعیف حكومة البینة على أخبار الرُّؤیة، على تقدیر كون الرُّؤیة جزئاً للموضوع على وجه الصِّفتیة؛ بأنَّ الرُّؤیة كاشفةٌ محضةٌ، جعلها الشَّارع طریقاً إلى تحقّق الشهر لأتمیتها و أسهلیتها و أعمیتها، و لیس لها دخلٌ فی تحقّق الشَّهر؛

  •  و بذلك حاولت منع انصراف الإطلاقات الواردة بوجوب قضاءِ الصوم إلى البلادالقریبة؛ بإسقاط مدخلیة الرُّؤیة؛ وماذكرتَ من‌أدلّةٍ وشواهدَ علی‌كاشفیة الرُّؤیةالمحضةو طریقیتها الصرفة؛

  •  فیرد علیه وجوهٌ من الإیراد. توضیح ذلك:

  •  أ نّ المراد من الجزئیة، مدخلیة الرُّؤیة فی تحقّق الشَّهر، المستفادة من النُصوص المعتبرة الكثیرة المستفیضة لعلّها تبلغ حدّ التواتر.

  •  و تدلّنا على ذلك أُمورٌ:

  •  الأوّل: ظهور الأخبار الواردة فی ذلك؛ حیث إنّها أناطت الصِّیام بشهر رمضان؛ لا غیر؛ ثمّ أناطته برؤیة هلاله، لا غیر.

  •  فعلى ضوء الشّكل الثّالث من القیاس، ینتج أنّ شهر رمضان یتحقّق برؤیة هلاله؛ و هكذا فی سائر الشّهور.

  • لو كانت الرؤیة طریقاً محضاً لوجب أن تخلفها سائر الطرق الیقینیة

  •  الثانی: لو كان تحقّق الشَّهر بنفس خروج القمر عن تحت الشعاع، أو كونه فوق الافُق، بلا مدخلیةٍ للرُّؤیة، لكانت الأحكام الواردة على دخول الشَّهر

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

86
  •  أیضاً تابعةً لخروجه عن تحت الشعاع أو كونه فوق الافق، بلا مدخلیة للرؤیة.

  •  فكانت الرُّؤیة حینئذٍ دخیلًا فی تنجیز الحكم؛ لا فی جعله و تحقّقه.

  •  فإذن تكون الرُّؤیة كاشفةً محضةً و طریقاً صرفاً، لابدّ و أن تخلفها سایر الطرق الیقینیة و تقوم مقامَها؛ مثل الحسابات الرَّصدیة القطعیة و ما شابهها بلا إشكال.

  •  و الالتزام بعدم مدخلیة الرُّؤیة، ثمّ الالتزام بعدم نهوض بعض الطرق الیقینیة، مثل بعض هذه الحسابات الصادرة من أصحاب الرأی، هو الالتزام بتحقّق المتناقضَین كما لایخفی.

  •  لأنّ مفاد عدم دخالة الرُّؤیة فی موضوع الحكم، هو تمامیة موضوعه فی حاقّ الواقع مع قطع النّظر عن الرُّؤیة؛ فالحكم یكون فعلیاً تامّاً بلا ترقُّب شئٍ آخر.

  •  و تصیر الرُّؤیة من شرائط تنجیزه و تعذیره، كسایر الطرق الوجدانیة و العقلانیة بلا اختلافٍ بینهما. فلا بدّ و أن یلتزم بالحكم بدخول الشهر إذا نصب الطریق القطعی، من غیر رؤیةٍ ما و لوفی بعیدٍ.

  •  فعندئذٍ إمّا یلتزم بهذا و یحكم بدخول الشَّهر بلا رؤیةٍ فی جمیع العالم أصلًا؛ فواضحٌ أنّ هذا مساوق لطرح الرّوایات المستفیضة و رفضها؛ لایكاد یسلّمه من له أدنى ذوق فقهی فكیف یمكن الالتزام به مع إناطة الرّوایات بخصوص الرُّؤیة بلسان النّفی و الإثبات؛ مثل قول الصادق علیه السّلام المروی فی كلّ واحدٍ فی الكتب الأربعة، و فی المقنعة للمفید و الهدایة للصّدوق‌: إنَّهُ لَیسَ عَلَى أهْلِ القِبْلَةِ إلَّا الرُّؤیة، و لَیسَ عَلَى المسلِمِینَ إلَّا الرُّؤیة.

  •  و ما رواه فی التهذیب عن الحسین بن سعید عن القاسم عن أبان عن عبد الرحمن بن أبی عبد اللَه قال: سَألْتُ أَبَا عَبْدِ اللَهِ عَلَیهِ السَّلَامُ عَنْ هِلَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ، یغَمُّ عَلَینَا فی تِسْعٍ وَ عِشْرِینَ مِنْ شَعْبَانَ؛ فَقَالَ: لَا تَصُمْ إلّا أنْ تَرَاهُ الحدیث.

  •  و بسندٍ آخر فی التهذیب أیضاً عن الحسین عن فضالة عن أبان عن إسحاق بن عمّار عنه علیه السّلام مثله.

  •  و ما فی التَّهذیب بإسناده عن أبی علی بن راشد عن أبی الحسن العسكری علیه السّلام فی حدیثٍ‌ قال: لَا تَصُمْ إلَّا لِلرُّؤْیةِ.

  •  و ما فی المقنعة بإسناده عن عبد اللَه بن سنان عن أبی عبد اللَه علیه السّلام‌ قال: لَا تَصُمْ إلَّا لِلرُّؤْیةِ أوْ یشْهَدَ شَاهِدَا عَدْلٍ.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

87
  •  و أمّا لا یلتزم به، بل یحكم بأنّ الرُّؤیة، و هی الكاشفة الخاصّة جُعلت منجّزةً لدخول الشَّهر؛ و هذا عین التَّهافت و التَّناقض.

  •  لأنّ معنى فعلیة الحكم هو تمامیته فی عالم الجعل، بلا جهة انتظارٍ و ترقُّب أمرٍ آخر؛ و حینئذٍ لابدّ و أن یحكم بتنجّزه بمجرّد نصب أی طریقٍ قطعی؛ لا خصوص رؤیةٍ ما ولو من بعیدٍ.

  •  فالالتزام بلزوم رؤیةٍ ما ولو من بعیدٍ؛ لتنجّز الحكم، هو الالتزام بدخالة الرُّؤیة فی موضوع الحكم على وجه الجزئیة من حیث لایشعر.

  •  هذا، مع أنّه ورد عنوان الرأی فی الروایات عِدلًا للتظنّی؛ كما فی صحیحة محمّد بن مسلم المرویة فی الكتب الأربعة و المرویة أیضاً فی المقنعة عن أبیجعفر علیه السّلام، قَالَ: إذَا رَأیتم الهلالَ فَصُومُوا وَ إذَا رَأیتما الهلال فَأفْطِرُوا؛ وَ لَیسَ بِالرَّأی وَلَا بِالتَّظَنِّی وَ لَکنْ بِالرُّؤیة الحدیث.

  •  و المراد بالرأی هو ما بنی علیه أصحاب الفلك و المنجّمون، و إن وصلت نتیجة حسابهم إلى درجة القطع و الیقین.

  •  كما تنتشر فی زماننا هذا فی كلّ أربع سنین مجلّةٌ للسیاحین الماشین فی اللَّیالی تحت ضوءِ القمر، بلسان الأجنبیین.

  •  و فیهذه المجلّة عین وقت طلوع القمر و وقت غروبها لكلّ بلدٍ بلدٍ فی العالم علیحدَّة فی كلّ یومٍ من أیام السنین الأربعة فی غایة الدَقّة و أقصى مراتب الاطمئنان.

  •  و كانت دقّة الحساب الرّصدیة فیهذه المجلّة على جزءٍ واحد من عشرة آلاف جزء من الثانیة.

  •  و بعد هذه الرِّوایات المتكاثرة المتظافرة بإناطة الصَّیام و سایر أحكام الشُّهور برؤیة الهلال لاغیر هل یمكن لِمُفْتٍ أن یفتی لمقلّدیه بجواز أخذ هذه المجلّة و العمل على طبقها فی دخول الأشهر، و یرفض و یرفضون الرُّؤیة باتّین؟ كلّا.

  •  و لیس هذا إلّا من أجل أنّ الشارع نفی طریقیة الرَّأی على أی نحوٍ كان و حصَرها فی خصوص الرُّؤیة و هذا عین معنى الجزئیة.

  • إن الاصحاب رفضوا الروایات الدّالّة على أماریة غیر الرّؤیة

  •  الثالث: إنّ أصحابنا رضوان اللَه علیهم رفضوا الرِّوایات الدالّة على أماریة غیبوبة الهلال بعد الشَّفق و تطوّقه و رؤیة ظلّ الرأس فیه و خفائه من المشرق غدوةً على دخول الشَّهر فی اللّیلة الماضیة و حملوها على التقیة، حیث إنّ العامّة جعلوها أماراتٍ على دخوله.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

88
  •  و لیس إلّا من استنباطهم بناءً الشَّریعة على طریقیة خصوص الرُّؤیة، لیس غیر؛ وإلّا فربما یكون بعض هذه الطرق خصوصاً إذا یحاسب بالرصد و تعین مقدار زمان مكث القمر فوق الافق دلیلًا قطعیاً لخروج القمر عن تحت الشعاع أو كونه فوق الافق فی اللّیلة الماضیة.

  •  و كذلك إنّا نعلم أنّ أقلّ درجة مكث القمر تحت الشعاع قبل المقارنة و بعدها أربع‌1 و عشرون درجةً و یطول زمان مكثه ثمانی و أربعین ساعةً؛ فلو رئی الهلال یوم الثامن و العشرین، لكان الشهر ثلاثینیاً بلا تردیدٍ.

  •  مع أنّه لایمكن الاعتماد بهذه الأمارة، و الحكم بعدم دخول الشهر لیلة الثلاثین؛ بل لابدّ من الاستهلال و بعدم الرُّؤیة یحكم بعدم دخول الشَّهر القادم.

  •  و أیضاً إنّا نعلم دخوله لیلة الثلاثین، برؤیة الهلال فی اللَّیلة القادمة، مرتفعاً عن الافق بمقدار أزید من غایة الارتفاع الممكن فی اللّیلة الاولى من الشَّهر، بجعل الرصد و تعیین درجةً زاویة ارتفاع القمر عن الافُق.

  •  و هذا دلیلٌ قطعی لوجود الهلال فی اللَّیلة الماضیة.

  •  و لكن لایعبأء به؛ لعدم الرُّؤیة.

  •  و غیر هذه من الفروع التی لایمكن أن یفتی الفقیه بطبقها بدون تحقّق الرُّؤیة.

  •  و هذا دلیلٌ على دخالة الرُّؤیة فی أصل الحكم؛ لا كونها منجّزةً و واسطةً فی الإثبات.

  •  و ممّا یشهد على ما ذكرنا، صحیحة حمّاد عن أبی عبداللَه علیه السّلام، على ما رواه فی الكافی و الاستبصار: قَالَ: إذَا رأوُا الهلالَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَهُوَ لِلَّیلَةِ الماضِیةِ؛ وَ إذَا رَ أوْهُ بَعْدَ الزَّوَالِ فَهُوَ لِلَّیلَةِ المستَقْبِلَةِ.

  •  و ذلك لما ذكرنا فی المقدّمة؛ من استحالة رؤیة الهلال بعد خروجه عن تحت الشعاع قبل غروب الشّمس، فرؤیة الهلال قبل الزوال أو بعده دلیلٌ على خروجه فی اللّیلة الماضیة.

    1. يجب أن يفرّق بين قسمي خروج القمر عن الشعاع؛ أحدهما الأحکاميّ و الآخر الهلاليّ و ما حدّدنا فيهذه الموسوعةو التي قبلها باثنتي عشرة درجةً من المقارنة أو بأربع وعشرين درجةً من‌أ وّل دخوله في الشعاع إلى آخر خروجه عنه إنّما هو في الأحکاميّ و أمّا الهلاليّ فهو أقلّ من الأحکاميّ کثيراً. (منه عفي عنه)

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

89
  •  فلو كانت الرُّؤیة مجرّد طریقٍ منجِّز، لما یتفاوت الحال قبل الزوال أو بعده.

  •  لكن لما كان لها دخلٌ لتحقّقه عند الشَّارع؛ فكیفیة دخالتها أیضاً بیده؛ فله أن یجعلها قبل الزَّوال دلیلًا على اللّیلة الماضیة على الأصل؛ و بعد الزوال على اللّیلة القادمة بالتعبّد.

  •  إن قلتَ: إنّ الشارع جعل الرُّؤیة كاشفةً، لكونها أسهل و أتم و أعمّ؛ بخلاف سائر الطرق الیقینیة، حیث إنّها لما لم تكن بهذه المثابة، یمكن أن یقع فیها الخلاف و التشاجر و التخاصم، فحینئذٍ لابدّ لرفعها من الرجوع إلى أهل الخبرة فی هذا الفنّ؛ و لا یساعده منهاج الشریعة السّمحة السّهلة.

  •  قلتُ: هذا صحیحٌ و لكنّه عدول عن الكاشفیة المحضة إلى الكاشفیة الخاصّة التی هی تساوق معنى الجزئیة.

  • الإشكال على أدلّة طریقیة الرؤیة

  •  و أمّا ما أفدتَ أدلّةً و شواهدَ على طریقیة الرُّؤیة إلى ما هو تمام الموضوع، و هو خروج القمر عن تحت الشعاع؛ فغیر تامّ.

  •  أمّا الآیة و هی قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ... شَهْرُ رَمَضانَ؛ لم أفهم موضع الاستشهاد بها.

  •  لأنّ غایة ما یستفاد منها، أنّ الصیام واجبٌ فی شهر رمضان؛ و أمّا شهر رمضان ما هو؟ أهو متحقّقٌ بخروج القمر عن تحت الشعاع، أو متحقّق برؤیته بعد الخروج، فلا.

  •  فالاستدلال بها لإثبات طریقیة الرُّؤیة، مصادرةٌ بینة.

  •  مضافاً إلى أنّ الشهر فی اللغة، هو ما بین الهلالین المرئیین المشتهرین، بما أنّهما مرئیان فإذن الاستدلال بالآیة لمكان ورود لفظ الشهر فیها على خلاف المطلوب أدلّ.

  •  ففی مصباح المنیر: الشهر، قیل معرّبٌ و قیل عربی، مأخوذ من الشهرة و هو الانتشار؛ و قیل: الشّهرالهلال، سمّی به لشهرته و وضوحه؛ ثمّ سمّیت الأیام به؛ و جمعه شهور و أشهر. و فی نهایة ابن الأثیر: الشهر الهلال؛ سمّی به لشهرته و ظهوره.

  •  و فی لسان العرب: و الشهر القمر؛ سمّی به لشهرته و ظهوره؛ و قیل إذا ظهر و قارب الكمال إلى أن قال: و ذكر ابن سیدة: و الشهر العدد المعروف من الأیام؛ سمّی بذلك، لأنّه یشهَر بالقمر؛ و فیه علامة ابتدائه و انتهائه؛ و قال الزجّاج: سمّی الشهر شهراً لشهرته؛ و بیانه؛ و قال أبو العبّاس: إنّما سمّی شهراً لشهرته؛ و ذلك أنّ الناس یشهرون‌دخوله و خروجه.

  •  و فی تاج العروس بعد ما نقل عن ابن الأثیر ما نقلناه عنه، قال: و الشهر

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

90
  •  القمر؛ سمّی به لشهرته و ظهوره؛ أو هو إذا ظهر و وضح و قارب الكمال؛ و قال ابن سیدة: الشهر العدد المعروف من الأیام؛ سمّی بذلك لأنّه یشهَر بالقمر و فیه علامة ابتدائه و انتهائه؛ و قال الزجّاج: سمّی الشهر شهراً، لشهرته و بیانه؛ و قال أبوالعبّاس: إنّما سمّی الشهر شهراً لشهرته؛ و ذلك لأنّ الناس یشهرون دخوله و خروجه (ج أشهر و شهور)؛ و قال اللیث: الشهر و الأشهر عددٌ و الشهور جماعةٌ؛ و قیل: سمّی شهراً باسم الهلال إذا أهلّ إلى آخر ما ذكره.

  •  و فی مجمع البحرین: و الشهر فی الشرع عبارة عمّا بین الهلالین؛ قال الشیخ أبوعلی: و إنّما سمّی شهراً لاشتهاره بالهلال انتهى.

  • الكتاب و السنّة یدلّان على مجعولیة الرؤیة بنحو الصفتیة

  •  هذا، فالاولى أن یستدلّ بقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِ‌ لتحقّق الشهر برؤیة الهلال فوق الافق و عدم كفایة خروجه عن تحت الشعاع لأنّ الهلال إنّما سمّی هلالًا لارتفاع الاصوات برؤیته فالرُّؤیة دخیلة فی معنى الهلال، قال الشیخ الطوسی فی التهذیب ر دّاً على أصحاب‌العدد: و الذی یدلّ على ذلك قول اللَه تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِ‌؛ فبین اللَه تعالى أنّه جعل هذه الأهلّة معتبرةً فی تعرّف أوقات الحجّ و غیره ممّایعتبر فیه الوقت و لو كان الأمر على ما ذهب إلیه أصحاب العدد لما كانت الأهلّة مراعاةً فی تعرّف هذه الأوقات إذ كانوا یرجعون إلى العدد، دون غیره و هذا خلاف التنزیل، و الهلال إنّما سمّی هلالًا لارتفاع الاصوات عند مشاهدتها بالذكر لها و الإشارة إلیها بالتكبیر أیضاً و التهلیل عند رؤیتها؛ و منه قیل استهلّ الصّبی إذا ظهر صوته بالصیاح عند الولادة، و سمّی الشهر شهراً لاشتهاره بالهلال، فمن زعم أنّ العدد للأیام و الحساب للشهور و السنین یغنی فی علامات الشهور عن الأهلّة أبطل معنى سمات الأهلّة و الشهور الموضوعةفی لسان العرب على ما ذكرناه و یدلّ على ذلك أیضاً ما هو معلوم كالاضطرار غیر مشكوك فیه فی شریعة الإسلام من فزع المسلمین فی وقت النبی صلّى اللَه علیه و آله و من بعده إلى هذا الزمان فی تعرّف الشهر إلى معاینة الهلال و رؤیته، و ما ثبت أیضاً من سنّة النبی صلّى اللَه علیه و آله.

  •  أنّه كان یتولّى رؤیة الهلال و یلتمس الهلال و یتصدّى لرؤیته و ما شرّعه من قبول الشهادة علیه و الحكم فی من شهد بذلك فی مصرٍ من الأمصار، و من جاء بالخبر به عن خارج الأمصار و حكم المخبر به فی صحّته و سلامة الجو من العوارض و خبر من شهد به مع‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

91
  •  السواتر فی بعض الأصقاع، فلولا أنّ العمل على الأهلّة أصل فی الدین معلوم لكافّة المسلمین ما كانت الحال فی ذلك على ما ذكرناه، و لكان اعتبار جمیع ما ذكرناه عبثاً لا فائدة فیه و هذا فاسدٌ بلا خلاف، فأمّا الأخبار فی ذلك فهی أكثر من أن تحصى، لكنّی أذكر منها قدر ما فیه كفایة إن شاء اللَه تعالى انتهى. ثمّ ذكر الروایات الدالّة على لزوم الرُّؤیة. و أنت بالتأمّل فیما أفاده قدّه تعرف مواضع منا الدلیل على لزوم الرُّؤیة و عدم كفایة نفس الخروج عن تحت الشعاع فلو كانت الرُّؤیة كاشفةً صرفةً و طریقاً محضاً لكان جمیع ما أفاده لغواً عبثاً و لكان الخروج بدون الرُّؤیة موضوعاً للحكم فقد عرفت أن الآیة و السنّة تدلّان على لزوم الرُّؤیة و هذا عین معنى الجزئیة.

  •  و أمّا السنّة، فهی بخلاف ما أفذتَ أدلّ؛ و ما ادّعیت من الأمر بالصّوم للرؤیة، لأجل لزوم إحرازه لخصوص شهر الصیام، دعوى منك؛ و عدم جواز الإكتفاء بالامتثال الظنّی أو الاحتمالی كما فی صحیحتی ابن مسلم و الخزّاز و موثّق ابن عمّار و روایة القاسانی، صحیحٌ و لكن لا تدلّ بأزید من عدم جواز الاكتفاء بالظنّ و الشكّ؛ و لا تنفی موضوعیة الرُّؤیة؛ و لا تثبت طریقیتها المحضة و كاشفیتها الصرفة.

  • قیام البینة مقام الرؤیة لا ینافی مو ضوعیة الرؤیة

  •  و أمّا قولك باعتبار البینة مقام الرُّؤیة؛ فلو كانت جزءاً بنحو الصفتیة لما استقام قیام البینة مقامها؛ فعجیبٌ منك.

  •  لأنّ استحالة قیام البینة مقام القطع الموضوعی، بنحو الصفتیة؛ إنّما هی فیما إذا كان قیامها مقامه بنفس أدلّة حجّیتها و اعتبارها؛ لا فیما إذا دلّ دلیلٌ خاصٌ على القیام.

  •  صرّح بذلك شیخنا الأنصاری قدّس سرّه و كلّ من تأخّر عنه حتّى فی زماننا هذا من مشایخنا قدّس اللَه أسرارهم.

  •  و هذا هو الذی صرّحتْ به نفسك الشریفة فی مجلس البحث؛ فكأنّی الآن أسمع كلامك، حیث أفدت بقولك: إنّ الأمارات بنفس دلیل حجّیتها تقوم مقام القطع الطریقی المحض؛ و هذا ممّا لا ریب فیه بل لا معنى لحجّیة الأمارات إلّا هذا.

  •  كما لا ریب فی عدم قیامها بدلیل حجّیتها مقام القطع الموضوعی على وجه الصفتیة.

  •  و لیس هذا لأجل استحالة ذلك؛ لأنّ موضوعات الأحكام بید الحاكم؛ فكما یمكن أن یرتّب الحكم على خصوص القطع، یمكن أن یرتّبه على الأعمّ منه و من موارد قیام الأمارة.

  •  بل لأجل عدم نهوض أدلّة حجّیتها بذلك؛ فإنّ أدلّتها ناظرة إلى إثبات الواقع و ترتیب آثار الواقع و لیست ناظرةً إلى أنّه یترتّب على الأمارة ما یترتّب على القطع من حیث كونه صفةً خاصّةً قائمةً بنفس القاطع انتهى الإفادة.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

92
  •  و معلومٌ أنّ قیام الأمارات مقام الرُّؤیة إنّما هو بأدلّةٍ خاصّةٍ واردةٍ فی مقامنا هذا.

  •  مثل ما مضى آنفاً و هو ما رواه المفید قدّه فی المقنعة عن ابن أبی نجران عن عبد اللَه بن سنان عن أبی عبد اللَه علیه السّلام‌ قال: لَا تَصُمْ إلَّا لِلرُّؤْیةِ أو یشْهَدَ شَاهِدَا عَدْلٍ.

  •  و ما رواه الكلینی بإسناده عن الحلبی عن أبی عبد اللَه علیه السّلام‌: إنَّ عَلِیا عَلَیهِ السَّلَامُ کانَ یقُولُ: لَا أُجِیزُ فی الهلالِ إلَّا شَهَادَةَ رَجُلَینِ.

  •  و ما رواه أیضاً بإسناده عن حمّاد عن أبی عبد اللَه علیه السّلام‌ قال قَالَ أمِیرُالمؤْمِنِینَ عَلَیهِ السَّلَامُ: لَا یجوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فی الهلالِ، وَ لَا یجوزُ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَینِ عَدْلَینِ.

  •  و رواه فی التهذیب مرسلًا نحوه.

  •  و ما رواه محمّد بن الحسن الطوسی قدّه بإسناده عن قیس عن أبی جعفر علیه السّلام قال: قَالَ أمِیرُ المؤْمِنِینَ عَلَیهِ السَّلَامُ إذَا رَأیتم الهلالَ فَأفْطِرُوا، أو شَهِدَ عَلَیهِ بَینَةُ عَدلٍ مِنَ المسلِمِینَ الروایة.

  •  و ما رواه أیضاً بإسناده عن أبی بصیر عن أبی عبداللَه علیه السّلام: إنَّهُ سُئِلَ عَنِ الیوْمِ الذی یقْضَى مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ‌ فَقَالَ: لَا تَقْضِهِ إلَّا أنْ یثْبُتَ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ مِنْ أهْلِ الصَّلَوةِ مَتَى کانَ رَأسُ الشَّهْرِ الحدیث.

  •  و ما رواه أیضاً بإسناده عن منصور بن حازم عن أبی عبد اللَه علیه السّلام: قال: صُمْ لِرُؤْیةِ الهلالِ، وَ أفْطِرْ لِرُؤْیتِهِ؛ فَإنْ شَهِدَ عِنْدَکمْ شَاهِدَانِ مَرْضِیانِ بِأنهُمَا رَأیاهُ فَاقْضِهِ.

  •  و غیر ذلك من الروایات الكثیرة الدالّة على قیام البینة مقام الرُّؤیة فی خصوص المقام.

  •  و معذلك كیف یمكن أن یتفوّه بعدم إمكان قیام الأمارات مقام الرُّؤیة، حتّى إذا فرض أنّ الشارع صرّح و نادى بأعلى صوته بمدخلیة الرُّؤیة بما أنّها رؤیةٌ، لا بما أنّها كاشفةٌ محضةٌ.

  •  و بذلك یظهر أنّ ما أفدتَ من تضعیف دعوانا انصراف الإطلاقات، من أنّ هذه عدول عن الموضوعیة إلى طریقیة الرُّؤیة؛ بدعوى حكومة البینة بوجود المرئی فی أُفق المكلّف و إن لم یره؛ خالٍ عن السداد.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

93
  •  كما أنّ بناء دعوى ارتكاز لزوم الرُّؤیة المستفادة من دلیل لزومها على الطریقیة دون الصفتیة كذلك.

  •  لأنّ هذه النقود إنّما نهضت لكسر الدعوى، إذا تمسّكنا بنفس أدلّة حجّیة الأمارة و اعتبارها.

  •  و أمّا مع الأدلّة الخاصّة فی المقام، فلا ریب فی قیام المدّعى على ساقه.

  •  فإذن لا مناص من دعوى حكومة أخبار البینة إلى الآفاق القریبة، بتوسعة دائرة الرُّؤیة التی هی عبارةٌ عن الإبصار بالعیون المتصلة، بالإبصار بالعیون المنفصلة، بالجعل التشریعی دون البعیدة منها، للزوم رفض الرُّؤیة، كما عرفت فی الرسالة.

  •  و أمّا ما أفدتَ من عدّ الثلاثین إذا لم تتیسّر الرُّؤیة و البینة، حیث إنّه یوجب العلم بخروج السابق و دخول اللّاحق.

  •  ففیه ما مرّ من أنّ الثلاثین یعدّ فی الأخبار الكثیرة عِدلًا للرؤیة؛ و لم یظهر فی واحدٍ منها أنّه یكون طریقاً و كاشفاً إلى دخول الشهر الجدید.

  • وجوب قضاء یوم الشكّ الذی أُفطر، لا یدلّ على طریقیة الرؤیة

  •  و ما أفدتَ من وجوب قضاءِ یوم الشكّ الذی أُفطر، لعدم طریق إلى ثبوته، فتبین بعد ذلك بالبینة أو بالرُّؤیة، لیلة التاسع و العشرین من صومه، وجودُ الشهر فی یوم إفطاره؛ ففات عنه الواجب الواقعی؛ فلا یدلّ على الطریقیة المحضة للرؤیة.

  •  و ذلك، لأنّ الرُّؤیة أو البینة لیلة التاسع و العشرین من صومه، كما أنّها كاشفةٌ و طریقةٌ إلى ثبوت الفطر، كذلك كاشفة و طریقة إلى ثبوت الهلال قبل مضی تسعة و عشرین یوما من رؤیته.1 لأنّ مفاد أدلّة حجّیة الأمارة هو تتمیم الكشف، و جعلها بمنزلة

    1. لا يقال: کاشفيّة الرؤية الفعليّة أو البينة ليلة التاسع و العشرين عن ثبوت رمضان يوم الشک إنّما تتم بعد ضمّ مقدّمة خارجة و هي إثبات أنّ الشهر لا يمکن أن يکون أنقص من تسعة و عشرين يوما؛ و حيث کانت هذه الضميمة قضيّةً خارجيّةً علميّةً لا يمکن الاستناد إليها بعد فرض لزوم الرؤية الفعليّة الخارجيّة لتحقّق الشهور الشرعيّة کما ستبيّن. لأنّه يقال: إنّا لا نستند في إثبات هذه القضيّة الخارجيّة إلى مقدّمات علميّة نجوميّة فقط، بل نستند إلى الروايات الواردة في المقام و هي کثيرة أوردها في الوسائل کتاب الصيام، أبواب أحکام شهر رمضان باب ٥ فمنها ما رواه عن الشيخ بإسناده عن محمّد بن مسلم عن أحدهما يعني أبا جعفر و أبا عبد اللَه عليهما السلام قال شَهْرُ رَمَضانَ يُصيبُهُ ما يُصيبُ الشُّهورَ مِنَ النُّقْصانِ فإذا صُمْتَ تِسْعَةً و عِشْرينَ يوماً ثمّ تَغَيمتِ السَّمآءُ فَأتمّ الْعِدَّةَ ثَلاثِينَ و و منها ما رواه عنه بإسناده عن أبي عبد اللَه عليه السّلام قال: إنَّ رَسولَ اللَهِ صَلَّى اللَهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَ سَلَّمَ قَالَ: إنَّ الشَّهْرَ هَکذا وَ هَکذا و هَکذا يُلْصِقُ کفَّيْهِ وَ يَبْسُطُهُمَا ثمّ قالَ: هَکذا وَ هَکذا وَ هَکذا ثمّ يَقْبِضُ إصْبَعًا واحِدةً في آخِرِ بَسْطِهِ بِيَدَيْهِ وَ هِيَ الابْهامُ فَقُلْتُ: شَهْرُ رَمَضانَ تامٌّ أبَدًا أمْ شَهْرٌ مِنَ الشُّهورِ؟ فَقالَ: هُوَ شَهْرٌ مِنَ الشُّهورِ ثمّ قالَ: إنَّ عَليًّا عَلَيْهِ السَّلامُ صامَ عِنْدَکمْ تِسْعَةً وَ عِشْرينَ يوما فَأتَوْهُ فَقالوا: يا أميرَ المؤْمِنينَ قَدْ رَأَيْنا الهلالَ فَقالَ: أفْطِروا.
      ومنها ما رواه عنه عن عثمان بن عيسى عن سماعة قال صِيامُ شَهْرِ رَمَضانَ بِالرُّؤْيَةِ وَ لَيْسَ بِالظَّنِّ وَ قَدْ يَکونُ شَهْرُ رَمَضانَ تِسْعَةً وَ عِشْرينَ يوماً وَقَدْ يَکونُ ثَلاثينَ وَ يُصيبُهُ ما يُصيبُ الشُّهورَ مِنَ التمامِ والنُّقْصانِ. وعنه عن عثمان بن عيسى عن رفاعةعن أبيعبداللَه عليه‌السّلام مثله. و منها ما رواه عنه بإسناده عن يونس بن يعقوب مثله إلّا أنّه قال: ثمّ قالَ لي: قالَ رَسولُ اللَهِ صَلَّى اللَهُ عَلَيْهِ وَ ءَالِهِ وَ سَلَّمَ: الشُّهورُ شَهْرٌ کذا وَ قالَ بِأصابِعِ يَدَيْهِ جَمِيعًا فَبَسَطَ أصابِعَهُ کذا وَ کذا و کذا؛ وَ کذا وَکذا وَکذا فَقَبَضَ الإبْهامَ وَ ضَمَّها قالَ: وَ قالَ لَهُ غُلامٌ لَهُ وَ هُوَ معتب: إنّي قَدْ رَأَيْتُ الهلالَ قالَ فَاذْهَبْ فَأعْلِمْهُمْ.
      ومنها ما رواه عنه بإسناده عن أبي خالد الواسطيّ عن أبي جعفر عليه السّلام في حديث قال: إنَّ رَسولَ اللَهِ صَلَّى اللَهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قالَ: وَ إذَا خَفي الشَّهْرُ فَأتموا الْعِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يوماً وَ صومُوا الواحِدَ وَ الثَلاثِينَ وَ قالَ بِيَدِهِ الواحِدُ وَ اثْنانِ وَ ثلَاثَةٌ واحِدٌ وَ اثْنانِ وَ ثَلاثَةٌ و يزوي إبْهامَهُ‌ثمّ قالَ: أَيُّها النَّاسُ شَهْرٌ کذا وَ شَهْرٌ کذا. و منها ما رواه عنه بإسناده عن جابر عن أبي عبد اللَه عليه السّلام قال: سَمِعْتُهُ يَقولُ: ما أدري ما صُمْتُ ثَلاثينَ أوْ أکثَرَ أوماصُمْتُ تِسْعَةً وعِشْرينَ يوماً إنَّ رَسولَ اللَهِ صَلَّى اللَهُ عَلَيْهِ وَ آلهِ وَسَلَّمَ قالَ: شَهْرٌ کذا وَ شَهْرٌ کذا وَ شَهْرٌ کذَا يَعْقِدُ بِيَدِهِ تِسْعَةً وَ عِشْرِينَ يوماً. و غيرها من الروايات الکثيرة فإذن کاشفيّة الرؤية الفعليّة أو البيّنة ليلة التاسع و العشرين عن خروج الشهر الماضي شرعاً بعد هذه المقدّمة الشرعيّة ممّا لا خفاء فيها. (منه عفي عنه).

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

94
  •  الیقین الواقعی فللرؤیة أو البینة فی هذا المقام كشفان: أحدهما دخول الفطر و الشهر الجدید، و الآخر خروج الصیام و الشهر الماضی المتحقّق مقداره بنفس هذه الرُّؤیة أو البینة.

  • إجزاء صوم یوم الشكّ، لا یدلّ على كاشفیة الرؤیة

  •  و أمّا ما أفدتَ من إجزاءِ صومه إذا صامه بنیة شعبان أو صومٍ آخر كان علیه؛ فتبین بعدُ أنّه من رمضان؛ معلّلًا فی النُّصوص بِأَنَّهُ یوْمٌ وُفِّقَ لَهُ؛ مستدلّا بأنّ الإجزاء فرع ثبوت التكلیف، ففیه ما لایخفی.

  •  لأنّ تبین أنّ ما صامه من رمضان، إنّما هو بقیام البینة بعد ذلك على الرُّؤیة لیلة الصیام، أو بالرُّؤیة أو بالبینة علیها لیلة التاسع و العشرین من صومه، و ما شابهها.

  •  و معلومٌ أنّ التكلیف الواقعی المترتّب على شهر رمضان حینئذٍ ثبت بالرُّؤیة أو البینة.

  •  هذا مضافاً إلى أنّ فی بعض الأخبار ما یدلّ على أنّ صحّة صومه مبنی على التساهل و الإرفاق.

  •  مثل ما رواه محمّد بن یعقوب الكلینی بإسناده عن سماعة: قال:

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

95
  • قُلْتُ‌لأبِی عَبْدِ اللَهِ عَلَیهِ السَّلَامُ: رَجُلٌ صَامَ یوماً وَ لَا یدْرِی أمِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ هُوَ أو مِنْ غَیرِهِ؛ فَجَآءَ قَوْمٌ فَشَهِدُوا أنَّهُ کانَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ عِنْدَنَا: لَا یعْتَدُّ بِهِ. فَقَالَ: بَلَى. فَقُلْتُ: إنَّهُمْ قَالُوا: صُمْتَ وَ أَنْتَ لَا تَدْرِی أمِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ هَذَا أمْ مِنْ غَیرِهِ. فَقَالَ: بَلَى، فَاعْتَدَّ بِهِ؛ إنَّمَا شَئٌّ وَفَّقَک اللَهُ لَهُ؛ إنَّمَا یصَامُ یوْمُ الشَّک مِنْ شَعْبَانَ وَ لَا یصُومُهُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ؛ لأنَّهُ قَدْ نُهِی أنْ ینْفَرِدَ الإنْسَانُ بِالصِّیامِ فی یوْمِ الشَّک؛ و إنّما ینْوِی مِنَ اللَّیلَةِ أنَّهُ یصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، فَإنْ کانَ هو مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ أجْزَأ عَنْهُ؛ بِتَفَضُّلِ اللَهِ، وَ بِمَا قَدْ وَسَّعَ عَلَى عِبَادِهِ، وَ لَوْلَا ذَلِک لَهَلَک النَّاسُ.

  •  و بالجملة لا مساغ للقول بالكاشفیة المحضة للرؤیة و أخذها طریقاً صرفاً إلى ثبوت الهلال، و واسطةً فی الإثبات.

  •  و كونها أتم و أسهل و أعمّ لكلّ أحدٍ، إنّما هو الداعی إلى جعلها موضوعاً واحداً فارداً فی عالم الجعل و الإنشاء و واسطةً فی الثبوت؛ لا أنّها طریق إلى إحراز الهلال المولِّد للشهر الذی هو تمام الموضوع. هذا كلّه ما أردنا من حدیث الجزئیة.

  • معنى صفتیة الرؤیة

  •  و أمّا حدیث الصفتیة فی رسالتنا، لیس المراد بالرُّؤیة المقیدة بها؛ هی الرُّؤیة بما أنّها صفةٌ و كیفیة نفسانیة كالحبّ و البغض و نحوهما.

  •  بل المراد، أنّ الرُّؤیة التی هی كاشفةٌ إلى ثبوت الهلال فی الافق، جُعلت دلیلًا علیه؛ بما أنّها رؤیة و كاشفةٌ خاصّةٌ و طریقةٌ مخصوصةٌ؛ لا بما أنّها كاشفةٌ صرفةٌ غیر ملحوظةٍ فیها خصوصیة الرُّؤیة. لأنّه كما یمكن جعل القطع موضوعاً لحكمٍ على وجه الكاشفیة المحضة، یمكن أن یجعل موضوعاً على وجه الصفتیة و الكاشفیة الخاصّة، كما یمكن أن یجعل على وجه الصفتیة بلا لحاظ جهة الكاشفیة بل بما أنّه كیفٌ نفسانی كسایر الصفات، إمّا لإلغاء جهة كشفه، و أمّا لاعتبار خصوصیة فیه من كونه من سبب خاصٍ أو شخضٍ كذلك أو غیرهما.

  •  نصّ على ذلك المحقّق الخراسانی قدّه فی حاشیته على مبحث القطع لشیخنا الأنصاری قدّه.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

96
  •  حیث إنّه قسّم القطع الموضوعی إلى ما هو تمام الموضوع، و إلى ما هو جزئه؛ و على التقدیرین إمّا یلاحظ بما أنّه كاشفٌ صرفٌ و طریقٌ محضٌ، و أمّا یلاحظ بما أنّه صفةٌ خاصّةٌ و طریقةٌ مخصوصةٌ و كشف خاصٌ و ثالثةً، بما أنّه صفة للقاطع بإلغاء جهة كشفه أو بملاحظة اعتبار خصوصیة فیه.

  •  و معلومٌ أنّ الرُّؤیة بما هی رؤیة، و هی الطریق العلمی من جهة خصوص الإبصار، إذا جعلت طریقاً إلى ثبوت الهلال، و كاشفةً عن تحقّقة؛ لا یقوم مقامها سائر الطرق العلمیة، إلّا بدلیلٍ خاصٍّ؛ و هذا معنى الصفتیة.

  •  هذا كلّه؛ مضافاً إلى ما ذكرنا فی الرسالة: أنّ عدم إمكان الأخذ بالإطلاقات، هو القرائن العقلیة و النقلیة الموجودة فی المقام، المانعة من الأخذ بها مضافاً إلى الانصراف، بدعوى حكومة أخبار البینة فی المقام على الروایات الدالّة على لزوم الرُّؤیة، فی الآفاق القریبة دون البعیدة؛ و إن تنزّلنا إلى طریقیتها فلابدّ و أن تجعل طریقاً إلى كون الهلال فی الافق لامحالة فإن أبیتَ عن دعوى الحكومة، فلا محیص عن التخصیص، كما عبّر به العلّامة قدّه فی التذكرة؛ و إن أبیت عن أصل دعوى الانصراف، فلا محید عن تسلیم القرائن العقلیة و النقلیة المانعة عن الأخذ بها. هذا مع أنّ المقدّمات العلمیة فی الموسوعة لا تبقى مجالًا للأخذ بالإطلاقات حتّى إذا فُرضت نصوصاً فكیف بكونها ظواهر دانیةً.

  •  تبصرةٌ و تنبیهٌ: ما أفدتَ من قولك بورود النصوص المعتبرة الناطقة بأن لورآه واحدٌ لرآه خمسون أو لرآه ماةٌ أو لرآه ألفٌ؛ لم نجد روایةً بهذا المضمون.

  •  بل لنا فی هذا المعنى عبارتان؛

  •  الاولى؛ مارواه فی‌التهذیب بإسناده عن أبی أیوب إبراهیم بن عثمان الخزّاز عن أبیعبداللَه علیه‌السّلام قال: قُلْتُ لَهُ: كَمْ یجزِی فی رُؤْیةِ الهلالِ؟ فَقَالَ: إنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ فَرِیضَةٌ مِنْ فَرَآئِضِ اللَهِ فَلَا تُؤَدُّوا بِالتَّظَنِّی؛ وَ لَیسَ رُؤْیةُ الهلالِ أَنْ یقُومَ عِدَّهٌ، فَیقُولَ وَاحِدٌ قَدْ رَأیتُهُ وَ یقُولَ الأخَرُونَ لم نَرَهُ؛ إذَا رَآهُ وَاحِدٌ رَآهُ مِأهٌ، وَ إذَا رَ آهُ مأهٌ رَ آهُ ألْفٌ؛ وَ لَا یجزِی فی رُؤْیةِ الهلالِ إذَا لم یکنْ فی السَّمَآءِ عِلَّةٌ أَقَلُّ مِنْ شَهَادَةِ خَمْسِینَ؛ وَ إذَا کانَتْ فی السَّمَآءِ عِلَّةٌ قُبِلَتْ شَهَادَةُ رَجُلَینِ یدْخُلَانِ وَ یخرُجَانِ مِنْ مِصْرٍ.

  •  و الثانیة: ما فی صحیحة ابن مسلم علی ما رواه فی الفقیه و الاستبصار؛ و ما فی صحیحة الخزّاز علی ما رواه فی الكافی و التهذیب؛ عن أبی جعفر علیه السّلام،

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

97
  • قال: إذَا رَأیتم الهلالَ فَصُومُوا، وَ إذَا رَأَیتم الهلالَ فَأَفْطِرُوا؛ وَ لَیسَ بِالرَّأی وَ لَا بِالتَّظَنِّی؛ وَ لَیسَ الرُّؤیة أن یقُومَ عَشْرَةُ نَفَرٍ، فینظروا فَیقُولَ وَاحِدٌ هُوَ ذَا، وَ ینْظُرُ تِسْعَةٌ و لَا یرَوْنَهُ؛ لَکنْ إذَا رآهُ وَاحِدٌ لرَآهُ ألْفٌ.

  •  و أمّا الاستشهاد الثالث بجمل الذكر و الآیة فی معنى یوم العید و لیلة القدر و ما شابههما؛ فقد قلنا: إنّ المراد منها إمّا لیلٌ طویلٌ هو مجموع تلك الظلمة فی دورٍ كامل أرضی یبلغ أربع و عشرین ساعةً؛ و لكلّ بقعةٍ حدٌّ خاصٌّ و تعینٌ مخصوصٌ منها؛ أو نهارٌ طویلٌ كذلك؛

  •  و أمّا لیلٌ قصیرٌ كلّی ینطبق على مصادیق عدیدة، حسب الآفاق المختلفة أو نهارٌ قصیرٌ كذلك فسماحتك اختارت الشقّ الاوّل من التقسیم؛ حیث أفدتَ أنّها هی الواحدةٌ المحدودة بتمام دور الأرض بظلّها الكلّی.

  •  غایة الأمر أنّ المشار إلیه بلفظ (هذا) عندك جمیع الظلمة أو النور فی الدور الكامل الارضی؛ و عندنا هو تعینٌ مخصوصٌ من تلك الظلمة أو النور فی كلّ صقعٍ بحسبه.

  •  فالمشار إلیه على كِلَا المذهبین هو الظلمة أو النور المشخّصة الخارجیة.

  •  لكن لمّا كان مجموع تلك الظلمة أو النور البالغ لأربع و عشرین ساعةً فی الدور الكامل الأرضی، هو ترسیمٌ فكری و تصویرٌ ذهنی فقط، لجمیع النقاط المارّة عن محاذات القمر عند غروب الشّمس؛ أو جمیع النقاط المارّة عن محاذات الشّمس عند طلوعها، من هذه الدورة الكاملة؛ خارجٌ عن محطّ الصِّدق اللغوی و العرفی من معنى اللّیل و النّهار؛ اخترنا أنّ المراد من المشار إلیه هو البُعد ما بین غروب الشّمس و طلوعها أو البعد ما بین طلوعها و غروبها من الدورة.

  •  فما ذهبنا إلیه فی مدلول لفظ (هذا) بهذا التعین و التّشخّص، هو المسأعد للدّلیل.

  •  و أمّا الشقّ الثانی و هو جعل اللّیل كلّیاً منطبقاً على أفرادٍ عدیدةٍ؛ فلا ریب أنّ هذا الكلّی طبیعی خارجی؛ لا كلّی منطقی و لا عقلی.

  •  و بلفظ (هذا) یشار إلى هذه الطبیعة المتحدة مع مصادیقها خارجاً.

  •  و نظیر هذا الاستعمال فی محاوراتنا كلّ یومٍ یبلغ آلاف.

  • ختام الموسوعة الثانیة

  •  هذا آخر ما وفّقنی اللَه تعالى لتحریر الجواب، دفاعاً عن رسالتنا التی لو انتشرت فی بلاد العامّة من المسلمین لاضطرّتهم إلى القبول، بالموازین العلمیة المدرجة فیها، التی لا مناص لأحدٍ عن قبولها؛ و لَهداهم إلى سبیل الحقّ؛ و هو أحقّ أن یتّبع.

  •  و أمّا الباعث لی فی النّهوض بتحریر الرسالة، و هذا الجواب، مع كثرة ما ورد عَلَی‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

98
  •  من الموانع و الصّوارف تبدیل نظرك الشریف ورأیك المنیف.

  •  عسى أن یمدّك اللَه بتوفیقه؛ فتَسود على أهل الفضل و الیقین، بالعبور عن هذه المرحلة التی لا یكاد یعبر عنها إلّا المُخلِصون؛ و المُخلِصون فی خطرٍ عظیمٍ.

  •  فإن قبلتَ هدیتی هذه، و هی هدیةٌ نملیةٌ إلى ملِك الفضل و النباهة، و سلیمان العلم و الشَّرف؛ فهو أجری و مثوبتی؛ و ما عند اللَه خیرٌ و أبقى.

  •  و إن أبیت، فلا أقلّ من الاحتیاط الذی هو سبیل النجاة؛ و إرجاع الناس إلى الغیر؛ كی یتخلّصوا من المحاذیر المضلّة و الأهواءِ المردیة و الفتن المهویة؛ و هذا دلالة ناصحٍ مشفقٍ.

  •  جزاك اللَه عن العلم و الورع و أهلهما خیر الجزاء، و أبقى حیاتك السامیة للُامّة خیر البقاء، و یرعاك فی كلّ حالٍ و لا ینساك فی الاولى و الآخرة، و السلام علیك و رحمة اللَه و بركاته.

  • و إن شِئتَ أن تَحیى سعیداً فَمُتْ به‌   ***   شهیداً و إلّا فالغَرامُ لهُ أهْلُ‌

  • و أحِبّةَ قَلبی و المَحَبَّةُ شافِعی‌   ***   لَدَیکم، إذا شِئتُم بِها اتّصَلَ الحَبْلُ‌

  • عَسَى عَطفةٌ مِنکم عَلَی بِنَظرَةٍ   ***   فَقَد تَعِبَتْ بَینی وَ بَینَکمُ الرُّسْلُ‌

  •  و له الحمد فی كلّ حال؛ و إلیه المرجع و الماب.

  •  ربّنا اجعلنا من الذین قالوا: الحمْدُ لِلَّهِ الذی أذْهَبَ عَنَّا الحزَنَ إنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ، الذی أَحَلَّنَا دَ ارَ المُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَایمَسُّنَا فِیهَا نَصَبٌ وَ لَا یمَسُّنَا فِیهَا لُغُوبٌ.

  •  رَبَّنَا اغْفِرْلَنَا و لإخْوانِنَا الَّذِینَ سَبَقُونَا بِالإیمانِ و لَا تَجْعَلْ فی قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِینَ ءَامَنُوا، رَبَّنَآ إِنَّكَ رَؤفٌ رَحِیمٌ.

  •  ربَّنا لا تَكلْنا إلى أنفسنا طرفةَ عینٍ أبداً فی الدنیا و الآخرةِ؛ فَلا نُنادَى من بُطنانِ العَرشِ: ألا أیتها الامّةُ المتحیرةُ الضالّةُ بعد نبیها! لا وَفّقكم اللَهُ لأضحَى و لا لفطر؛ و لا یجابَ فینا دعوةُ الملَكِ: لا وَفَّقكمُ اللَهٌ لِصَومٍ و لا فِطْرٍ.

  •  اللّهُمَّ ما عَرَّفْتَنا من الحقّ فَحَمِّلْناهُ و ما قَصُرْنا عنه فَبَلِّغْناهُ.

  •  خُتم هذا الجواب بحول اللَه و قوّته «و لا حَولَ و لا قوَّةَ إلّا باللَه العلی العظیم» فی السَّاعة الثالثة من اللّیلة السادسة و العشرین من شهر شعبان المعظّم؛ سنة ألف و ثلثمأة

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

99
  •  و سبع و تسعین بعد الهجرة؛ على هاجرها آلاف التّحیة و السّلام.

  •  و أنا الراجی عفو ربّه محمّد الحسین بن محمّد الصادق الحسینی الطهرانی ببلدة طهران.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

100
  • القسم الثالث: جواب العلّامة الخوئی عن الموسوعة الثانیة

  • بسم اللَه الرّحمن الرّحیم‌

  •  هذه صورة ما أجادبه سیدنا الاستاذ العلّامة الخوئِی أدام اللَه أیام بركاته ثانیاً؛ جواباً عن جوابنا الذی أرسلنا إلى محضره، دفاعاً عن الموسوعة المرسلة إلى جنابه فی لزوم اشتراك النّواحی فی الآفاق فی رؤیة الهلال، للحكم بدخول الشهور القمریة، و جواباً عمّا أجاب به أوّلًا؛ نقلناه هیهنا بعین العبارة، لتسهیل المراجعة و المطابقة مع جوابنا الثانی الماضی ذكره، و جوابنا الثالث الآتی نصّه؛ و قد أفاد مُدّ ظلّه السامی فی الكتاب الذی أرسله معه أنّ هذا الجواب قد صدر من بعض الأفاضل من العلماء بأمرٍ منه أطال اللَه بقاه.

  •  و ها إلیك نصٌّ الجواب.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

101
  • المدخل‌

  • بسم اللَه الرّحمن الرّحیم‌

  •  بعد السلام علیكم و رحمةٍ من اللَه و بركاتٍ،

  •  اطّلعنا على ما ذكرته فی موسوعتك المتكفّلة لمسئلة الهلال، و كیفیة ثبوته.

  •  و هی تنمّ عن سعة اطّلاعك، و طول باعك فی ما هو مرتبطٌ بالموضوع؛ من البحوث العلمیة و القضایا الفلكیة التی حاولتَ أن تخرج على ضوئها الأدلّة و الرَّوایات الواردة فی المسئلة من الناحیة الشرعیة؛ فتستنتج منها ما هو بصالح القول باشتراط وحدة الآفاق فی ثبوت الشهور القمریة.

  •  و كأنّك افترضت أنّ هذا القول هو الأنسب من الناحیة الواقعیة؛ لأنّه الأقرب إلى ذوق المتشرّعة من الناس، بل ذوق العرف و العقلاءِ بشكل عامٍّ؛ و أنّ القول الآخر الذی هو المختار قد استوجب مزیداً من الأوهام، و أوقع كثیراً من الاضطراب عند العوامّ؛ فكثر الشجار و القیل و القال حتّى...

  •  مع أنّ واقع الحال بحسب تصوّراتنا على عكس ما تقول تماماً.

  •  فإنّ القول بوحدة مبدءِ حساب الشّهور و تاریخها فهو المتطابق مع المرتكزات العقلائیة؛ و المناسب مع ذوق وحدة مبدء التاریخ لجمیع سكّان الأرض؛ و أنّ الاختلاف و التقدّم و التأخّر فی حساب الأیام أمرٌ على خلاف طباعهم؛ كما لا تناسب وحدة شعائرهم المرتبطة بالأیام و التواریخ. و أیاً ما كان فلعلّه بالنظر فیما نورده لك من النّقاط التّالیة، یتّضح لدیك المراد من قولنا المختار فتوى و مدركاً؛ بنحوٍ یندفع ما زعمتَ علیه من وجوه الإیراد و المؤاخذة، فنقول:

  • الاستدلال على طریقیة الرؤیة

  •  ١ ـ إنّ الظاهر الأوّلی فی كلّ عنوان یؤخذ فی موضوع حكم شرعی و إن كان یقتضی اعتباره قیداً دخیلًا فی ذلك الحكم؛ إلّا أنّه فی جملة من الآجال قد یكون هنالك‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

102
  •  ارتكازٌ عرفی أو متشرّعی یمنع عن انعقاد هذا الظهور، و یقتضی حمل العنوان فی لسان الدلیل على الطریقیة و المعرفیة.

  •  و من جملة موارد هذا الارتكاز بل من أوضح مصادیقه عرفاً ما إذا ورد عنوان العلم أو الرُّؤیة أو التبین و نحو ذلك فی موضوع حكمٍ شرعی واقعی.

  •  فإنّ ارتكازیة كون هذه العناوین لدى الإنسان هی الطریق فی إثبات الواقع و كشفه، و لا یمكن من دونها الوصول إلى الواقع المطلوب، یوجب فهم العرف الملقى إلیه الخطاب لهذه العناوین على أنّها مجرّد طرق فی إثبات الواقع الذی هو موضوع الحكم الشرعی من دون دخالتها بنفسها فیه.

  •  و هذا الظهور العامّ لعلّه من المسلّمات الفقهیة التی لا تشكیك فیها.

  •  و ما أكثر المسأئل التی ورد فی لسان أدلّتها عنوان العلم أو التبین و مع ذلك لم یحتمل فقیهٌ أن یكون ذلك دخیلًا فی الحكم الشرعی.

  •  هذا على العموم؛ و فی المقام بالخصوص یضاف إلى ذلك ما ورد فی ذیل روایات الباب، من أنّ الصوم بالرُّؤیة لا بالتظنّی و الرأی و الاحتمال، ممّا یدلّ على أنّ المقصود من الرُّؤیة إحراز الواقع بها و لزوم التثبّت فیه.

  •  و كذلك ما هو ثابت نصّاً و فتوى من كفایة قیام البینة التی هی تبین الواقع كما یشعر به لفظها على ذلك، أو مضی ثلاثین یوماً من شعبان و لو لم یر أحدٌ الهلال.

  •  و كذلك ما ثبت من لزوم قضاءِ یوم الشكّ الذی أُفطر فیه، لعدم طریقٍ له إلى ثبوت الهلال، فتبین بعد ذلك بالبینة أو الرُّؤیة لیلة التاسع و العشرین من صیامه وجود الشّهر یوم إفطاره.

  •  فإنّ هذه الأحكام جمیعاً و إن أمكن تخریجها على أساس الحكومة و نحوها كما أُفید؛ إلّا أنّه لا إشكال فی أنّه خلاف ظاهر الأدلّة؛ بمعنى أنّ العرف یستفید من مجموعها أنّ الرُّؤیة مجرّد طریق لإثبات الشهر و لیست مقوّمةً له.

  •  و الوجه فی ذلك أنّ الحكومة و التنزیل مؤنةٌ زائدةٌ لابدّ فی مقام استفادتها من دلیلٍ، أن یكون ذلك الدلیل واضح الظهور فی كونه بصدد التنزیل و الحكومة.

  •  و مجرّد معقولیة الحكومة ثبوتاً لا یشفع لاستفادتها إثباتاً كما هو واضحٌ.

  •  أضف إلى ذلك: أنّ عنوان الشهر الذی أُنیط به الحكم بوجوب الصوم، أمرٌ عرفی؛ و لیس من مستحدثات الشّارع؛ و من الواضح أنّ الشهر عند العرف أمرٌ واقعی؛ و لیس‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

103
  •  للرؤیة دخلٌ فیه إلّا بنحو الطریقیة المحضة.

  •  فلو أُرید الدوران مدار الرُّؤیة، كان لابدّ من الالتزام بأنّ الحكم الشرعی بوجوب الصوم قد أُخذ فی موضوعه ثبوت الشهر و العلم به عن طریق الرُّؤیة مثلًا.

  •  و هذا بنفسه بعیدٌ عن مساق أدلّة الصوم الظاهرة فی ترتیب الصوم على نفس الشهر على حدّ سائر الأحكام الشرعیة المترتّبة على الأهلّة و الشهور.

  •  ٢ حمل الرُّؤیة على الطریقیة المحضة، لا یعنی أن یكون المیزان واقع خروج الهلال عن تحت الشعاع أو المحاق كما أُفید؛ بل هناك مطلب ثالثٌ عرفی و مطابقٌ أیضاً مع ما هو المستفاد من أدلّة الباب؛ و هو أن یكون الشهر عبارةً عن بلوغ الهلال فی الافق مرتبةً یمكن للعین المجرّدة رؤیته.

  •  و هذا غیر أخذ الرُّؤیة أو العلم موضوعاً؛ بل الرُّؤیة لیست إلّا طریقاً إلى إحراز هذه المرتبة فی تكوّن الهلال و ظهوره فی الافق.

  •  و وجه عرفیة هذا المطلب و مطابقته مع المرتكزات واضحٌ؛ حیث قلنا إنّ الشهر بحسب المرتكزات العرفیة أمرٌ واقعی على حدّ الامور الواقعیة الاخرى التكوینیة، فلا یناسب أن یكون للعلم و الجهل دخلٌ فیه.

  •  كما أنّ الخروج عن المحاق بحسب المقاییس الدقیقة التی لا تثبت إلّا بالأجهزة و الآلات أیضاً لیس میزاناً لدخول الشهر عند العرف؛ لعدم ابتناءِ الامور العرفیة على المداقّة و الحسابات الریاضیة أو الفلكیة.

  •  فیتعین أن یكون المیزان عندهم ما ذكرناه من ظهور الهلال، و تكوّنه و بلوغه مرتبةً قابلةً للرؤیة بالعین المجرّدة.

  •  و وجه مطابقة هذا المطلب مع الروایات أنّ عنوان الرُّؤیة الوارد فیها، و إن كان على نحو الطریقیة المحضة؛ إلّا أنّ ذا الطریق هو الهلال البالغ مرتبةً قابلةً للرؤیة بالعین المجرّدة؛ لا مجرّد الخروج عن المحاق و لو لم یكن قابلًا للرؤیة؛ و الحمل على الطریقیة لایقتضی أكثر من إلغاء موضوعیة الرُّؤیة؛ لا المرتبة المفروضة فی المرئی كما هو واضح.

  •  مضافاً إلى أنّ هذا هو مقتضى حمل الدلیل على المیزان العرفی الارتكازی فی كیفیة تكوّن الشهر الهلالی؛ و قد عرفت أنّه یقتضی ذلك أیضاً.

  •  ثمّ إنّكم إمّا تعتبرون الرُّؤیة الخارجیة بالفعل، أو تكتفون بالرُّؤیة التقدیریة أیضاً؛ بمعنى صدق القضیة الشرطیة القائلة: إنّه لو استهلّ الناس و لم یكن حاجبٌ كالغیم مثلًا

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

104
  •  لرئی الهلال؟ فإن التزم بالأوّل، لزم القول بعدم دخول الشهر ولو علم بوجود الهلال فی الافق بنحو قابل للرؤیة و لكن قد حجبه غیمٌ مكثّفٌ عن تحقّق الرُّؤیة خارجاً.

  •  كما لو علم بذلك نتیجة رصده فی السّماء أو تشخیصه بالأجهزة الحدیثة التی تخرق حجاب الغیم، أو افترضنا إخبار معصوم لنا بذلك.

  •  و الالتزام بهذا بعید جدّاً؛ و من یخالف لا ینبغی أن یكون خلافه كبرویاً؛ بل فی الصغرى و المنع عن إمكان تحصیل العلم بوجوده كذلك فی الافق.

  •  و إن التزم بكفایة الرُّؤیة التقدیریة، كان ذلك عبارةً أُخرى عن إلغاء دخالة الرُّؤیة فی تكوّن الشهر و حملها على الطریقیة المحضة إلى بلوغ الهلال فی نفسه مرتبةً قابلةً للرؤیة فی السماءِ.

  • عدم التلازم بین خروج القمر عن تحت الشعاع وإمكان رؤیته‌

  •  ٣ إنّ خروج الهلال عن المحاق أو تحت الشعاع، لا یساوق العلم بإمكانیة رؤیته فی نقطةٍ ما على سطح الأرض و هی النقطة التی تشرف فیها الشّمس على المغیب من مجموع الكرة الأرضیة لكی یمكن دعوى: أنّ جعل الرُّؤیة طریقاً محضاً یلزم منه أن یكون الشهر الشرعی مساوقاً مع الشهر الفلكی دائماً؛ و ذلك لاحتمال أن لا یكون الهلال الخارج عن تحت الشعاع قابلًا للرؤیة فی تلك النقطة.

  •  لا من جهة احتمال وجود أحد العوامل الطبیعیة أو الفلكیة أو الفیزیائیة التی اعترفتم بإمكان منعها عن الرُّؤیة فحسب؛ بل و لاحتمال أن لا یكون الهلال بعد قد وصل فی سیره حول الأرض إلى أُفق تلك المنطقة التی تغرب فیها الشّمس، لكی یمكن أن یرى بمجرّد خروجه عن تحت الشعاع.

  •  فإنّ الخروج عن تحت الشعاع وحده لا یحقّق إمكانیة الرُّؤیة؛ بل لابدّ من افتراض زوال أشعّة الشّمس عن منطقة الرُّؤیة أیضاً.

  •  و هذا لا یكون إلّا مع تطابق الافقین و المغربین؛ لكی یتاح للنظر رؤیة الهلال بمجرّد خروجه عن الشعاع.

  •  و هذا التطابق لا دلیل على أنّه یحصل بمجرّد خروج الهلال عن تحت الشعاع؛ لأنّ الدائرة التی ینعكس فیها القمر من سطح الكرة الأرضیة أصغر من الدائرة التی تنعكس فیها الشّمس منه؛ لكبر حجم الشّمس و صغر حجم القمر.

  •  و قد عرفنا أنّ الكوكب الأكبر إذا كان منیراً یحتلّ مساحةً أكبر فی إشعاعه على الأرض من كوكبٍ آخر أصغر حجماً.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

105
  •  فمن الطبیعی أن یكون مغرب القمر قبل مغرب الشّمس فی أوّل الأمر حین تقارن النیرین؛ ثمّ یبدء المغربان بالتقارب؛ أی یبدء مغرب القمر بالاقتراب من مغرب الشّمس؛ نتیجة حركته إلى جهة المغرب حول الأرض، حتّى یصل الحال فی دورانه و وصوله إلى الناحیة الاخرى المقابلة لجهة الشّمس من الأرض، أن یكون بدایة غروب الشّمس هی بدایة طلوع القمر، و بدایة طلوع الشّمس هی بدایة غروب القمر و هكذا.

  •  هذا مضافاً إلى عوامل أُخرى ربّما تفرض دخالتها فی عدم تطابق دائرتی الانعكاس على سطح الأرض من النیرین، نتیجة میلان أحدهما على الآخر فی السماء فی نفسها، أو نتیجة میلان الأرض فی الفصول الأربعة.

  •  فعلى كلّ حالٍ مجرّد تحقّق المغرب فی نقطةٍ ما على سطح الأرض فی كلّ آنٍ حتّى آن خروج القمر عن تحت الشعاع، لایلازم دخول الشهر؛ لأنّه لا یلازم بلوغ القمر إلى تلك النقطة فی الافق؛ بحیث یكون قابلًا للرؤیة؛ بل قد یكون لا یزال فی الآفاق و الدوائر الأرضیة التی تقابل ضوء الشّمس و یكون الوقت فیها نهاراً، فلا یكون قابلًا للرؤیة.

  • اشتراك الآفاق، معنى غیر محدّد

  •  ٤ إنّ الاشتراك فی الآفاق، لا نفهم له معنى محدَّداً محصَّلًا.

  •  و توضیح ذلك: أنّ رؤیة الهلال كما قلنا تتحقّق نتیجة سیر القمر إلى جهة المغرب من الأرض بنحو یخرج عن المحاق و یكون قابلًا للرؤیة فی نقطة مغرب الشّمس فی سطح الأرض.

  •  فإذا لاحظنا تلك النقطة من سطح الأرض، فتمام النقاط التی تقع على جهة المغرب منها، و على خطّ عرضٍ واحدٍ، تكون مشتركةً معها فی الافق، لأنّها جمیعاً حین یمرّ علیها نفس هذا الغروب یكون الشهر داخلًا بالنسبة إلیهم لرؤیتهم الهلال؛ و لكنّ النقاط الواقعة إلى جهة المشرق منها مهما تكون قریبةً منها لا تكون مشتركةً فی الافق معها، لعدم إمكان رؤیة الهلال فیها عند مغربها بحسب الفرض.

  •  و هكذا النقاط التی تقع إلى جهة الشمال أو الجنوب منها، بنحوٍ تخرج عن الدائرة التی تنعكس على الأرض من القمر حین مغیب الشّمس عنها.

  •  فهل یا ترى یلتزم باشتراك بلدین متباعدین جدّاً فی دخول الشهر و عدم الاشتراك مع البلد المجاور القریب من أحدهما.

  •  هذا بحسب المكان؛ و كذلك الأمر غیر محدّدٍ بحسب الزمان؛ إذ ربّما یكون خروج القمر عن تحت الشعاع مصادفاً فی شهرٍ لنقطةٍ من سطح الأرض حین مغیب‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

106
  •  الشّمس فیها بنحو یرى الهلال منها غیر ما یصادفه فی الشهر الآخر، نتیجة اختلاف میلان الأرض و حركتها المحقِّقة للفصول، أو نتیجة اختلاف بروج القمر و میلانه أو لغیر ذلك من العوامل؛ فیلزم أن یكون بلدان بعینهما مشتركَین فی أُفقٍ واحدٍ فی شهرٍ و غیر مشتركین فی شهرٍ آخر.

  •  و هذا ممّا لا یمكن الالتزام به، لا عرفاً و لا فقهیاً.

  • النقوض والمحاذیر، مشترك اللزوم بین القولین‌

  •  ٥ و أمّا المشكلة التی آثرتَها بناءً على المختار، من أنّ ذلك یؤدّی إلى لزوم افتراض لیلة أوّل الشهر واحدةً فی تمام المنقطة التی تحلّ بها الظلمة من الكرة الأرضیة؛ فیؤدّی إلى أن یكون اللّیل فی المنطقة الواقعة شرق منطقة رؤیة الهلال منذ بدایته لیلة أوّل الشهر مع أنّه فی بدایتها التی قد یكون قبلها باثنتی عشرة ساعةً فما دون یكون القمر لا یزال فی المحاق فكیف یمكن أن یحسب من الشهر القادم؟

  •  فهذه المشكلة أوّلًا لا تختصّ على القول بالرأی المختار؛ بل یمكن إیرادها على القول بلزوم الاشتراك فی الآفاق أیضاً.

  •  و ذلك فیما إذا افترضنا أنّ خروج الهلال عن الشعاع بنحو قابل للرؤیة بالعین المجرّدة قد صادف المغرب فی نقطةٍ من سطح الأرض، مشتركةً فی الافق مع نقطةٍ أُخرى واقعةٍ على خطّ طولٍ آخر یحلّ فیه غروب الشّمس من قبل؛ فإنّه مثل هذه الفرضیة سوف یكون خروج الهلال عن تحت الشعاع بالنسبة إلى النُّقطة الثّانیة بعد المغرب فیها بزمانٍ مع أنّه من بدایة اللّیل یعتبر من الشهر اللّاحق.

  •  و ثانیاً حلُّها: إنّ رؤیة الهلال فی نقطةٍ من الأرض عند غروب الشّمس فیها إنّما یوجب الحكم بأنّ النهار القادم بعد ذلك اللّیل من الشهر القادم بالنسبة إلى تمام النقاط من الكرة الأرضیة التی تشترك مع منطقة رؤیة الهلال فی ذلك اللّیل؛ دون النقاط التی لا تشترك معها فی تلك اللّیلة و الرِّوایات الخاصّة أیضاً لا تدلّ على أكثر من هذا المقدار، حیث تأمر بقضاء النهار القادم بعد لیل الرُّؤیة ولو فی مصرٍ آخر.

  •  و واضحٌ أنّ هذا لا یشمل ما إذا كانت رؤیة الهلال فی نقطة المغرب معاصراً مع النهار عندنا فإنّه لیس نهار ما بعد تلك اللّیلة التی هی لیلة الرُّؤیة.

  •  و هذا إن كان مطابقاً مع المرتكزات العرفیة، بأن فرض أنّ العرف أیضاً یكتفی فی دخول الشهر الجدید أن یخرج الهلال عن تحت الشعاع بنحوٍ قابلٍ للرؤیة فی نقطةٍ مشتركةٍ معنا فی اللّیل و لو كان المقدار الباقی منه عندنا أقلّ منه فی تلك النقطة، لأنّ‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

107
  •  المیزان عنده وقوع النهار الذی یلی الرُّؤیة بعد خروج الهلال، سواءٌ وقعت لیلته كاملةً بعده أم لا، فقد تطابق المستفاد من الروایات مع المرتكزات؛ و إلّا فلا أقلّ من أن یكون الحكم الشرعی بالصَّوم بمقتضی الروایات المذكورة منوطاً بذلك.

  •  و على كلّ حالٍ لا إشكال فی عدم وجود ارتكاز معاكسٍ على الخلاف لكی یتجرّأ أن یرفع الید به عن مقتضى ظهور أدلّة الباب المتمثّلة فی الرِّوایات الخاصّة التی استند إلیها فی اختیار القول بعدم لزوم الاشتراك فی الآفاق.

  •  ٦ اتّضح من مجموع ما تقدّم أنّ ما هو نسبی و یختلف من منطقةٍ إلى أُخرى فی مسئلة الهلال إنّما هو إمكانیة الرُّؤیة؛ و نعنی بها بلوغ الهلال مرتبةً من الظهور فی نفسه، بحیث یكون قابلًا للرؤیة لولا وجود سحاب و نحوه؛ و أمّا خروجه عن تحت الشّعاع فلا یختلف فیه نقطةٌ عن أُخرى فلو كان الحكم الشرعی منوطاً بالأوّل، كان حكماً نسبیاً لا محالة، مختلفاً من بلدٍ إلى آخر، و للزم اشتراك البلدان فی أُفق الرُّؤیة، لترتّب الحكم فیه.

  •  و لو كان منوطاً بالثانی، كان مطلقاً غیر نسبی، و لم یلزم الاشتراك فی الآفاق.

  •  و المستفاد من روایات حكم الصوم الأوّلیة، و إن كان هو الأوّل، أعنی إناطة الحكم بإمكانیة الرُّؤیة؛ إلّا أنّ ما جاء فی الروایات الخاصّة من كفایة حصول الرُّؤیة فی مصرٍ لتحقّق الشهر فی جمیع الأمصار التی تشترك مع ذلك المصر فی لیل الرُّؤیة دلّنا على عدم لزوم الاشتراك فی الآفاق. انتهى الجواب.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

108
  • المَوسُوعة الثَّالثة حَول رؤیة الهِلال‌

  •  

  •  

  • الموسوعة الثالثة

  •  

  •  

  •  

  •  

  • بسم اللَه الرّحمن الرّحیم‌

  •  و صلّى اللَه على محمّدٍ و آله الطاهرین و لعنة اللَه على أعدائهم أجمعین.

  •  هذه صورة ما جرى على فكری الفاتر و قلمی القاصر؛ جواباً ثالثاً عن الجواب الثانی للعلّامة الاستاذ الخوئی؛ أنعم اللَه على المسلمین بطول بقائه؛ ذكرتُ فیها مواضع النقد من جوابه، و أدرجت فیها ما هو المؤید للموسوعة من لزوم الاشتراك فی الآفاق فی رؤیة الهلال، للحكم بدخول الشهور القمریة؛ تذكرةً للإخوان المشتغلین و تبصرةً للأخلاء المحصّلین و الحمد للّه ربّ العالمین حمداً أبدیاً ما دامت السّمواتُ و الأرضین.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

109
  • المدخل‌

  • بسم اللَه الرّحمن الرّحیم‌

  •  و صلّى اللَه على محمّد و آله الطاهرین و لعنة اللَه على أعدائهم أجمعین.

  •  السّلامُ على میزان الأعمال و مقلّب الأحوال و سَیفِ ذِی الجلالِ و ساقی السَّلْسَبیلِ الزُّلال أمیرالمؤمنین وَ رَحمَةُ اللَه و بركاتُهُ.

  • مطلع الموسوعة الثالثة

  • أیها الرّاکبُ المُجِدُّ رُوَیداً   ***   بِقُلُوبٍ تَقَلَّبَتْ مِنْ جَواهَا

  • إن تَرائَتْ أرضُ الغَریینِ فَاخْضَع‌   ***   و اخْلَعِ النَّعْلَ دُونَ وادی طُواهَا

  • و إذا شِمْتَ قُبّةَ العَالَم الأعلى‌   ***   وَ أنْوارَ رَبِّها تَغْشاهَا

  • فَتَواضَعْ فَثَمَّ دارَةُ قُدْسٍ‌   ***   تَتَمَنَّى الأفْلاک لَثْمَ ثَراهَا

  • قُلْ لَهُ وَ الدُّموعُ سَفْحَ عَقیقٍ‌   ***   وَ الْحَشا تَصْطَلی بِنار غَضاهَا

  • یابْنَ عَمِّ النَّبِی أنْتَ یدُ اللَهِ‌   ***   التی عَمَّ کلَّ شَی‌ءٍ نَداهَا

  • أنْتَ قُرآنُهُ القَّدیمُ وَ أوْصافُک‌   ***   آیاتُهُ التی أوْحاهَا

  • خَصَّک اللَهُ فی مَآثِرَ شَتَّى‌   ***   هِی مِثْلُ الأعْدادِ لا تَناهَى‌

  • أنْتَ بَعْدَ النَّبی خَیرُ البَرایا   ***   وَ السَّما خَیرُ ما بِها قَمَراهَا

  • لَک نَفْسٌ مِنْ مَعْدِنِ اللُّطفِ صیغَتْ‌   ***   جَعَلَ اللَهُ کلَّ نَفْسٍ فِداهَا

  • یا أبَا النَّیرَینِ أنْتَ سَماءٌ   ***   قَدْ مَحَى کلَّ ظُلمَةٍ نَیراهَا

  • لَک ذاتٌ مِنَ الجَلالةِ تَحْوی‌   ***   عَرْشَ عِلْمٍ عَلَیهِ کانَ اسْتِواهَا

  • فَجَعلْتَ الرَّشَادَ فَوقَ الثُّرَیا   ***   وَ مَقامَ الضَّلالِ تَحْتَ ثَراهَا

  • یا أخا المُصْطَفی لَدَی ذُنُوبٌ‌   ***   هِی عَینُ الْقَذَى وَ أنْتَ جَلاهَا

  •  سلام على السیدِ الأكْرَم وَ الحِبرِ الأعْظَم، فَخر العلماءِ الأعلام، سَید الفُقَهاءِ

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

110
  •  العِظام، الآیة الحُجَّة الحاجّ السَّید أبی القاسم الخوئی؛ زاده اللَه عِلما و بَرَكةً و أدامه اللَه عُمْراً و بقاءً و رَحمةً بحقّ محمّدٍ و آله آمین.

  • یا أخِلّای هَلْ یعُودُ التَّدانِی‌   ***   مِنْکمُ بِالحِمَى بِعَوْدِ رُقادِی‌

  • ما أمَرَّ الفِراقَ یا جِیرَةَ الحی‌   ***   وَ أحْلِى التَّلاقِ بَعْد انْفِرادِ

  • کیفَ یلْتَذُّ بِالْحَیاةِ معنى‌   ***   بَینَ أحْشائِهِ کوَرْی الزِّنادِ

  • عُمرُهُ وَ اصْطِبارُهُ فی انتِقاصٍ‌   ***   وَ جَواهُ وَ وَجْدُهُ فی ازدیادِ

  • فَغَرامی القَدیمُ فیکمْ غَرامی‌   ***   وَ وِدادی کما عَهِدْتُمْ وِدادِی‌

  • قَدْ سَکنْتُم مِنَ الفُؤادِ سُوَیدا   ***   هُ، وَ مِنْ مُقْلَتی سَواءَ السَّوادِ

  • یا سَمیری رَوِّحْ بِمَکةَ رُوحی‌   ***   شادیاً إنْ رَغِبتَ فی إسْعادِی‌

  • فَذَراها سِرْبی وَ طِیبی ثَراها   ***   وَ سَبیلُ المَسیلِ وِرْدی وَزادی‌

  • کانَ فیها أُنْسی وَ مِعْراجُ قُدْسی‌   ***   وَ مَقامی المَقامُ وَ الفَتْحُ بادِ

  • قَسَماً بِالحَطیم وَ الرُّکنِ والأسْتارِ   ***   وَ المَروَتَینِ مَسْعَى العِبادِ

  • وَ ظِلالِ الجَنابِ وَ الحِجْرِ   ***   وَ المیزابِ وَ المسْتَجابِ لِلْقُصّادِ

  • ما شَمِمْتُ البَشامَ إلّا وَأهْدَى‌   ***   لِفُؤادی، تَحیةً مِنْ سُعادِ

  •  و بعد التحیة و الإكرام، و التبجیل و الإعظام، و إهداء خلوصی و ودّی و دعائی آناء لیلی و أطراف نهاری، لدوام الصحّة و العافیة و طول العمر بالبركة و الرحمة، و غایة شعفی حین ذكراك و شغفی إلى لُقیاك؛ قد افتخرت باستلام كتابك المبارك، الحاكی عن طلعتك المنیرة و سیما وجهك المیمون، و حبّك القدیم و خلقك العظیم؛ فقلت فی نفسی:

  • و فَبَشِیری لَو جَاءَ مِنک بِعَطْفٍ‌   ***   وَ وُجودِی فی قَبْضَتی قُلتُ هاکا

  • فُقْتَ أهْلَ الکمالِ حُسْناً وَ حُسْنَى‌   ***   فَبِهِم فاقَةٌ إلی مَعْناکا

  • و کفانِی عِزّاً بحُبِّک ذُلّی‌   ***   و خُضوعی و لَستُ مِن أکفاکا

  •  فلثمته لما فیه من أطایب روائح الكرامة الفائحة من ضمیر أُستاذنا المعظّم، أدام اللةُ ظلاله السامیة.

  •  و كانت معه رسالةٌ صدرت من بعض الأفاضل من العلماءِ، حفظه اللَه؛ بأمر

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

111
  •  السید الاستاذ؛ جواباً عن بعض ما حرّرتُه ثانیاً، حول مسئلة لزوم اشتراك الآفاق فی رؤیة الهلال، للحكم بدخول الشُّهور القمریة.

  •  فطالعتها بأتم الدقّة و أكملها، فلم أجد فیها ما یشفی العَلیل أو یروی الغَلیل؛ بعد اعترافه أوّلًا بتمامیة بحوثنا العلمیة، حول المسئلة، من ناحیة المسأئل الفلكیة فیما هو مرتبط بالمقام و اعترافه أخیراً من الناحیة الشّرعیة أیضاً، لما هو المستفاد من روایات الصّوم الأوّلیة لولا ما تَوَهَّم من دلالة الرِّوایات الخاصّة على كفایة حصول الرُّؤیة فی مصرٍ.

  •  هذا، فلمّا كان بعض ما أجاب به فی هذه الرسالة غیر مستندٍ إلى المقدّمات البرهانیة؛ و بعضه ناشئاً من عدم التأمّل و الدقّة فی ما أوردناه فی الموسوعة؛ فلم ینهض فی كسر ما اختاره المشهور، أو فی إقامة ما اخترتم بوجهٍ من الوجوه؛ بل كلّما أوردناه قائم على ساقه؛ استجزت من جنابك أن أكتب جواباً عمّا أورده؛ فأقول بعد الصلاة و الاستخارة:

  •  بسم اللَه الرحمن الرحیم، و الصلوة و السلام على خاتم الأنبیاء و المرسلین محمّدٍ و آله الأطیبین الأنجبین الغُرّ المیامین، و لعنة اللَه على أعدائهم أجمعین، و لا حول و لا قوّة إلّا باللَه العلی العظیم.

  • يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ. صدق اللَه العلی العظیم.1

  •  أفاد المجیب حفظه اللَه أوّلًا: أنّ القول بوحدة مبدءِ حساب الشهور و تاریخها هو المتطابق مع المرتكزات العقلائیة، و المناسبة مع ذوق وحدة مبدء التاریخ لجمیع سكّان الأرض؛ و أنّ الاختلاف و التقدّم و التأخّر فی حساب الأیام أمرٌ على خلاف طباعهم؛ كما لا تناسبه وحدة شعائرهم المرتبطة بالأیام و التواریخ.

  •  ثمّ أورد أُموراً ستّةً فی دفع ما أوردناه من النقود على القول بعدم لزوم الاشتراك فی الآفاق و بلزوم الطریقیة المحضة للرؤیة، المسأوق لرفضها بتّاً.

  •  و نحن نبحث أوّلًا عن كیفیة مبدء التاریخ، ثمّ عن هذه الامور الستّة واحداً بعد واحدٍ، طبقاً لما أفاده.

  •  أمّا القول بلُزوم وحدة المبدء فی حساب الشّهور المبتنیة على رفض مدخلیة الاختلاف فی الآفاق فقد تقدّم علیه فی هذه النّكتة السّید أبوتراب الخونساری قدّس‌

    1. سورة ٢ البقرة آية ١٨٩.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

112
  •  سرّه فی كتابه: سبیل الرشاد فی شرح كتاب الصوم من نجاة العباد؛ حیث قال: و یؤیده أنّ عدم اختلاف الشهور فی الأمصار، لكون المدار على ذلك، أنسب إلى الضّبط و عدم تشویش‌الحساب، وأوفق‌للحكمةجدّاً؛ فیناسب‌أن‌یكون‌هو المعتبر عرفاً و شرعاً.

  •  أقول: و هو المتبادر إلى بعض الأذهان، و المتسابق إلى الأفهام؛ حیث إنّه كلامٌ لطیفٌ على أساس حلاوة الذوق ورقّة الإحساس؛ لكنّه خالٍ عن السداد.

  •  و قبل الخوض فی المطلب لابدّ من تمهید مقدّمتین:

  • المقدّمة الاولى للمقال: خطّ الزمان الدولی‌

  •  الاولى: الأرض كرویةٌ؛ و تدور حول نفسها دوراً كاملًا فیما یقرب من أربع و عشرین ساعةً و یتحقّق بذلك نهارٌ واحدٌ و لیلةٌ واحدةٌ فی النّواحی المعمورة.

  • سبب تعیین مبدأ فرضی للزمان‌

  •  جمیع النّواحی الواجهة لضوء الشّمس المشتركة فی الاستنارة تحسب نهاراً واحداً؛ كما أنّ جمیع النّواحی المعاكسة لضوئها المشتركة فی الظّلمة الواقعة فی الظّلّ المخروطی تحسب لیلةً واحدةً؛ و لمّا لم یكن لكرویتها میزٌ و شاخصٌ، یتمیز و یتشخّص به بعض الأصقاع عن بعضٍ، فی تعیین مشخّصات الأیام و اللّیالی؛ و حدودها من تقویم الأسابیع و الشّهور، وقعت مشكلةٌ عویصةٌ و هی تمادی یومٍ واحدٍ و لیلةٍ واحدةٍ، إلى مرّ الأسابیع و الشّهور و كرّ الأعوام و الدّهور؛ ما بقیت أرضٌ مستنیرةٌ و شمسٌ منیرةٌ.

  •  مثلًا إذا سمّینا الناحیة الواجهة للشّمس من الكرة الأرضیة یوم الجمعة؛ لم یتغیر هذا الیوم إلى الأبد و لو تدور الأرض حول نفسها آلاف مرّة.

  •  و ذلك لعدم تعین مبدءٍ له بدئاً و نهایةً؛ و لا یمكن أن نتصوّر قبله و لا بعده من خمیسٍ و سبتٍ فكیف بسائر أیام الاسبوع؛ لعدم إمكان تصوّر القَبلیة و البَعدیة.

  •  و بهذه الموازاة لایمكن لنا تقدیر أیام الشّهور، أی شهرٍ كان، شمسیاً أو قمریاً؛ لعدم تمایز الأیام بعضها عن بعض.

  •  و هذه المشكلة إنّما حدثت بعد كشف قارّة إمریكا، و العلم بكرویة الأرض؛ وبعد مسافرة السَّیاح المعروف: مازْلانْ بسفائنه حول الأرض فی مدّة ثلاث سنین؛ من‌إسبانیا إلى جهة المغرب حیث را كبی هذه السّفن كانوا یعدّون الأیام بغایة الدقّة؛ و بعد مضی هذه المدّة و الوصول إلى أوطانهم كانوا یعلمون أنّ الیوم یوم الثلاثاء؛ فلمّا سألوا أهلها اتّفقوا جمیعاً على أنّ الیوم یوم الأربعاء.

  •  و لم یدروا أنّ هذا الاختلاف، و هو یومٌ واحدٌ نشأ من خلاف جهة مسیرهم لمسیر

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

113
  •  الأرض؛ و هی من المغرب إلى المشرق.

  •  فإنّهم كانوا یسیرون حول الأرض بحسب تعداد الأیام، مدّةً أزید من مدّة غیرهم؛ و هی مدّة دوران الأرض حول نفسها دوراً واحداً، البالغة أربع و عشرین ساعةً.

  •  فهذه المدّة بمثابة عدم تحویل الشّمس عنهم فی طول مدّة اثنتی عشرة ساعةً؛ فكأنّهم واجهون لضوءِ الشّمس یومین متوالیین، لكنّهم كانوا یحسبونهما یوماً واحداً.

  •  و أمّا قبل كشف هذه القارّة فالعلماء كانوا بانین إمّا على عدم كرویة الأرض و إمّا على انحصار المعمورة بنصفها الممتدّ من جزائر خالدات إلى أقصى بلاد الصین و الیابان.

  •  و على كلٍّ كان مبدء الأیام عندهم عند بزوغ الشّمس فی هذه البلاد؛ كما أنّ المنتهى غروبها فی هذه الجزائر.

  • خطّ الزمان وخطّ نصف نهار كرینویج، ینصفان كرة الارض‌

  •  و لحلّ هذه العویصة عینوا مبدئاً فرضیاً للتاریخ، و اتّفق الأقوام و الامم كلّهم على هذا المبدء و هو خطّ مفروضٌ مارّ على القطبین، على زاویة ١٨٠درجةً من خطّ نصف نهار كرنویج؛

  •  بحیث هذا الخطّ و ذاك ینصفان كرة الأرض بنصفین متساویین؛ و جعلوا جمیع النواحی الواقعة فی غرب هذا الخطّ یوم السبت، و النواحی الواقعة فی شرقه یوم الجمعة؛ فابتداء یوم الجمعة فی شرقه هو انتهاء یوم الجمعة فی غربه.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

114
  •  و إنّما عینوا موقع الخطّ المفروض فی هذا الموضع لما أوّلًا:

  •  أ نّ معظمه یمرّ من البحر المحیط: الاقیانوس الكبیر؛ و لا یكون فیه سكّان یسكنون فی بلدٍ حتّى یختلف تاریخ أهله.

  •  و حیثما یقطع هذا الخطّ من طرف الشمال قطعةً صغیرةً من السّیبریا، أمالوه و جعلوه خارج هذه المنطقة بین السّیبریا من آسیا و آلاسكا من إمریكا؛ و عبّروه بما بین جزیرتین مسمّاتین بدِیومِد بینهما قدر مسافة ثلاثة أمیال.

  •  إحدیهما أكبر من الاخرى و واقعةٌ فی غرب الخطّ؛ و الاخرى أصغر من الاولى و واقعةٌ فی شرقه ففی جمیع الأوقات تكون أیام الأسابیع و الشهور فی دِیومِد الصغرى قبل أیام دیومد الكبرى.

  •  فإذا فرضنا أنّ أحداً یوم الجمعة كان فی دیومد الصغرى التی هی فی ناحیة شرق الخطّ، و سافر فی دقائق قلیلةٍ عن البحر نصف فرسخ و وصل إلى دیومد الكبرى الواقعة فی غرب الخطّ، دخل فی یوم السبت؛ و هكذا العكس.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

115
  •  و ثانیاً أنّ هذا الخطّ على الطرف المقابل من نصف نهار كرنویج و بینهما ١٨٠درجةً من كلّ واحدٍ من الطرفین.

  •  و ذلك لأنّ محیط الدائرة الأرضیة ینقسم علی ٣٦٠درجةً و هذا المقدار یمرّ عن مواجهة الشّمس فی أربع و عشرین ساعةً.

  •  فالأرض تسیر نحو المشرق فی كلّ ساعةٍ خمس عشرة درجةً؛

  •  ٢٤: ٣٦٠/ ١٥

  •  فإذا فرضنا أنّ الساعة فی كرنویج كانت على رأس الثانیة عشرة من النهار، و هی الظهر التقریبی؛ تكون الساعة فی النواحى الشرقیة عنه على مسافة ١٥ درجةً، ساعةً بعد الظهر؛ و هكذا إلى النواحى البعیدة عنه على مسافة ١٨٠درجةً، اثنتی عشرة ساعةً بعده؛ و هی المقارنة لنصف اللّیل.

  •  و أیضاً تكون السّاعة فی النواحی الغربیة عنه على مسافة ١٥ درجةً، ساعةً قبل الظهر؛ و هكذا إلى النواحی البعیدة عنه على مسافةْ ١٨٠درجةً، اثنتی عشرة ساعةً قبله؛ و هی المقارنة أیضاً لنصف اللّیل.

  •  فهذه الناحیة التی انطبقت على خطّ التاریخ المللی، بعیدةٌ عن كرنویج على مقدار ١٨٠درجةً متقدّمةٌ عنه زماناً من ناحیة المشرق، و متأخّرة عنه زماناً من ناحیة المغرب؛ كلّ باثنتی عشرة ساعةً.

  •  فمجموع تفاوت هذین المقدارین، و هو أربع و عشرون ساعةً، یكون قدر یومٍ واحدٍ و لیلةٍ واحدةٍ.

  •  فیكون هذا الخطّ متقدّماً عن نفسه من جهةٍ، و متأخّراً عن نفسه من جهةٍ أُخرى؛ متقدّماً من الناحیة الشرقیة، و متأخّراً من الناحیة الغربیة؛ فهو المبدء للتاریخ تكون الأیام فی شرقه و لو بمقدارٍ یسیرٍ، متقدّمةً على الأیام فی غربه كذلك.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

116
  •  هذا كلُّه من جهة أیام الأسابیع، من الجمعة و السبت و غیرهما.

  •  و تتبعها أیام الشهور من الواحد و الإثنین و غیرهما.

  •  فإذا فرضنا أنّ الشّمس طلعت فی یوم الثامن من إیلول على مشرق هذا الخطّ، علمنا بأنّها غربت یوم الثامن من إیلول عن مغربه فابتداء الثامن فی جهة المشرق یساوق انتهائه فی جهة المغرب؛ ففی المشرق یكون الثامن و فی المغرب یكون التاسع.

  •  و لا فرق فیما ذكرنا فی الشهور الشمسیة بین الرومیة و الفرسیة و الروسیة و الفرنسیةو غیرها.

  •  فإذا فرضنا أنّ فی مشرق هذا الخطّ یكون یوم الأحد السابع من خردادماه، یكون فی مغربه یوم الأثنین الثامن منه.

  •  فكلّ أحد یسافر من المشرق إلى المغرب، مارّاً عن هذا المبدء، لابدّ و أن یقدّم‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

117
  •  یوماً من تاریخ تقویمه و كذا العكس، إذا سافر نحو المشرق لابدّ و أن یؤخّر یوماً واحداً من تقویمه.

  • المقدّمة الثانیة: اختلاف مبدء طلوع القمر فی أوّل كلّ شهر

  •  المقدّمة الثانیة: مبدء الشهور القمریة إمّا یتحقّق بخروج الهلال عن تحت الشعاع، و ظهوره فی الافُق على ما هو المشهور؛ فإذن یختلف المبدء فی النَّواحی الشَّرقیة عن محلّ الرُّؤیة، و النّواحی الغربیة عنه؛ و یتأخّر بیومٍ واحدٍ.

  •  و إمّا یتحقّق بنفس الخروج فقطّ و إمكانیة الرُّؤیة فی ناحیة ما؛ على ما ذهبتَ إلیه؛ فإذن یختلف المبدء فی النصف الفوقانی من الأرض الذی یشترك فی الظلمة اللیلیة مع نقطة الخروج، و النصف التحتانی منها الذی كان واجهاً للشمس، و كان نهارٌ هناك.

  •  فإذا دارت الأرض بحركتها الدوریة بقدر نصف الدائرة، البالغ اثنتی عشرة ساعةً تقریباً؛ یواجه جمیع النقاط الواقعة فی ذلك النهار على مغرب الشّمس؛ و تدخل واحدةٌ بعد أُخرى فی تلك الظلمة و بذلك یبتدئ الشهر بالنسبة إلیها.

  •  لكنّ هنا نكتةً دقیقةً، و هی أنّ القمر لا یخرج من الشعاع فی مبدء كلّ شهر فی موضعٍ خاصٍّ، محاذیاً للأرض، حتّى تتّحد الآفاق؛ و تستقرّ فی كلّ حین؛ بل بمقتضى سیره الخاصّ حول الأرض أوّلًا؛ و بمیله عن معدِّل النَّهار شمالًا و جنوباً على مقدار خمس درجاتٍ ثانیاً؛ و بسایر العوامل التی ذكرناها فی الموسوعة الاولى ثالثاً؛ یختلف مبدءُ طلوعه فی أوّل كلّ شهرٍ من الشهور.

  •  إذا تمهّد هذا فنقول: إنّ اختلاف حساب الشهور أمرٌ لازمٌ لا مناص و لا مفرّ منه حتّى فی الشهور الشمسیة بأنحاءِ سنواتها فی نصف الكرة الأرضیة.

  •  فعلى أساس ما ذكرنا تختلف مبادئ الشهور الشمسیة فی النصف الشرقی من قارّة آسیا؛ كالمعظم من أرض سیبیریا و الصین و برمه و تایلند و أندونزی و ویتنام و سوماترا و برنئو و استرالیا، بالنسبة إلى النصف الغربی من قارّة إمریكا كأرض آلاسكا و المعظم الغربی من كانادا و الإیالات المُتَّحدة و مكزیك.

  •  فعدد أیام الأسابیع و الشهور فی سكّان الاوَل، مؤخّر عن عدد أیام الأسابیع و الشهور فی سكّان الاخر بیومٍ واحدٍ.

  •  فالیوم السابع من حزیران مثلًا بالنسبة إلى هؤلاء، بعینه الیوم الثامن منه بالنسبة إلى أُولئك؛

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

118
  •  و السّبت بالنسبة إلى هؤلاء، هو یوم الجمعة بالنسبة إلى أولئك؛ مع أنّهم مجتمعون تحت ضوءٍ واحدٍ شمسی فی نهارٍ واحدٍ؛ أو تحت ظلٍّ واحدٍ فی لیلةٍ واحدةٍ.

  •  و كذلك النواحی الغربیة من إمریكا الجنوبیة كأرض ونزوئلا و كلمبیا و برو و شیلی و ارزانتین و المعظم من برزیل، تختلف مع النواحی الشرقیة من السّیبریا و زلاندو أُسترالیا مع اتّحاد نهار سكّانهم و اتّحاد لیلهم.

  •  و أمّا فی الشهور القمریة، فلا نحتاج إلى تعیین خطٍّ فرضی مارٍّ على القطبین فی تعیین مبادیها و أیامها، و إن كان الأمر أیضاً كذلك بالنسبة إلى أعداد أُسبوعها.

  •  و ذلك لأنّ مبدء كلّ شهرٍ له تعینٌ واقعی خارجی؛ و هو خروج الهلال عن تحت الشعاع و ظهوره فی الافق، أو نفس خروجه عنه فقط على اختلاف المسلكین.

  • مبدء الشهر لجمیع النواحی، یختلف بیوم واحد؛ على كلا القولین‌

  •  فعلى كلا التقدیرین تختلف مبادئ الشهور بالنسبة إلى جمیع النواحی الارضیة بیومٍ واحدٍ؛ و هذا أیضاً لا مفرّ منه.

  •  أما على مسلك الجمهور فابتداء الشهر بالنسبة إلى كلّ بلدٍ إنّما هو بظهور الهلال فی أُفقه؛ فإذا خرج الهلال عن الشعاع و صار قابلًا للرؤیة بعد غروب الشّمس فی ابتداءِ اللّیل، دخل الشهر بالنسبة إلیه.

  •  و لكن لما تسیر الأرض من المغرب إلى المشرق، یختفی الهلال بالنسبة إلى سكّان هذا البلد؛ و یطلع دائماً على نحو الاستمرار حیناً بعد حینٍ، بالنسبة إلى جمیع الآفاق الغربیة، حتّى تتم الدورة الكاملة فی أربع و عشرین ساعةً؛ فیراه جمیع أهل الآفاق فی ابتداء ظلٍّ مخروطی مستمرٍّ فی هذه المدّة المتمیز بعضها عن بعضٍ بفصلٍ نهاری؛ فتجزّى و تنقسم بلیلتین.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

119
  •  و أمّا على ما اخترتَ من كفایة الخروج عن الشعاع و رؤیةٍ ما و لو من بعیدٍ، فجمیع القطر المظلم اللَّیلی المشترك مع نقطة أُفق الرُّؤیة فی ابتداء اللّیل یحسب من أوّل الشهر.

  •  فالمبدءُ لدخول الشهر إنّما هو آخر القطر المقابل لُافق الرُّؤیة؛ و هی الناحیة التی كاد أن ینقضی فیها اللّیل، و یطلع فیها الفجر؛ و كان دخول الشهر بالنسبة إلیهم فی حالٍ یكون القمر فی عین المحاق و یخرج عنه و عن الشعاع بعد اثنتی عشرة ساعةً أو أزید.

  •  أمّا القطر المستنیر النَّهاری المقابل للقطر المظلم، فابتداء الشهر بالنسبة إلى كلّ ناحیةٍ منه إنّما هو بسبب المواجهة للهلال حین دخوله فی اللّیل عند غروب الشّمس بالحركة الدوریة؛ و ذلك یطول اثنتی عشرة ساعةً أیضاً.

  •  فمبدءُ الشهر فی النواحی المختلفة الأرضیة یطول أربع و عشرین ساعةً، المنقسم بلیلتین على حسب الآفاق الفوقانیة و التحتانیة.

  •  و قد علم ممّا ذكرنا أنّ اختلاف مبدء الشهور القمریة كالشمسیة ممّا لا مجال لأحد فی إنكاره، و لا مناص إلّا من الالتزام به على أی مذهب سُلك.

  •  غایة الأمر أنّه على مذهب الجمهور یكون أوّل مبدء الشهر أوّل زمان رؤیة القمر فی الافق؛ ثمّ بلدٍ بلدٍ من النواحی الغربیة واحداً بعد آخر، إلى أن تتّصل الدورة إلى قرب المبدء الأوّل؛

  •  و على ما ذهبتَ إلیه یكون مبدءُ الشهر آخر القطر اللَّیلی المجاور للبلد الذی طلع فیه الفجر؛ ثمّ ناحیةٍ

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

120
  •  ناحیةٍ من جانب المغرب من هذه الناحیة حتّى تصل الدورة إلى أقرب ناحیةٍ بالنّسبة إلى هذه الناحیة من القطر.

  •  فلا فرق بین المذهبین من جهة الاختلاف فی التاریخ أبداً.

  •  و مجرّد أسبقیة دخول اللّیل فی ناحیةٍ تكون مبدئاً للشهر على ما اخترتَ، لا یوجب وحدةً فی التاریخ؛ كما أنّ نفس جعل ابتداء الشهر بظهور الهلال فی الافق، لاتوجب اختلافاً فیه.

  •  لكنّ النكتة الدقیقة التی ذكرناها آنفاً، و هی طلوع الهلال فی رأس كلّ شهرٍ فی مكانٍ مغایر لما طلع سابقاً تنبِّهنا على سقوط عنوان الفوقانیة و التَّحتانیة على ما ذهبتَ إلیه، من مسلك عدم لزوم الاشتراك فی الآفاق بالمرة.

  •  لأنّ الهلال فی بدء خروجه عن الشعاع لایطلع دائماً فی النواحی المعمورة من الصین و الهند و إیران و العراق و الشام و مصر و الممالك الاوربیة و الإفریقیة، حتّى یحكم بدخول الشهر فی كلّ ناحیةٍ غشیها ظلمة اللّیل الوحدانیة؛ و هو جمیع هذه النواحی؛ فیحكم باتّحاد مبدءِ الشّهر فیها.

  •  و لیست بلدة طهران مركزاً فوقانیاً للعالم حتّى یطلع الهلال فی مشرقه أو مغربه إلى برتغال و إسبانیا من نهایة المعمورة الفوقانیة، فیتّحد أُفقه مع آفاق سائر البلاد؛ فیحكم بدخول الشهر فی جمیع النقاط الفوقانیة من الأرض فی لیلةٍ واحدةٍ.

  •  و هكذا لیس النّجف الأشرف بهذه المثابة.

  •  بل الأرض كرویة لاتتمیز أصقاعها بعضها عن بعضٍ فی الحركة الدوریة.

  •  و لیس طلوع الهلال بأیدینا، فنخرجه عن الشعاع فی المعمورة الفوقانیة دائماً، كی نتمكّن من الحكم بدخول الشهر فی جمیع النواحی المحیطة بنا من كلّ صوبٍ بلا اختلاف.

  •  بل ربّما یطلع فی النواحی الغربیة من الإیالات المتحدة، أو الاقیانوس الكبیر، فی موضعٍ یكون بُعده عن النجفْ ١٨٠درجةً، أعنی بفاصل نصف القطر المحیط.

  •  فإذن تطول الظلمة الوُحدانیة اللّیلیة فی موضع رؤیة الهلال، فی الاقیانوس الكبیر إلى النواحی الغربیة من العراق حتّى النجف؛ فیحكم بدخول الشهر فی النجف و لا یحكم بدخوله فی النواحی الشرقیة منه، كخانقین و البصرة.

  •  فنرى أنّه على ما ذهبتَ إلیه ربّما یختلف بالحساب الدقیق مبدء شهر كربلا و

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

121
  •  النجف الاشرف بلیلٍ واحدٍ فكیف بسایر نواحی العراق و غیرها.

  •  و أیضاً على ما ذهبتَ إلیه، لابدّ للعلم بمبدء طلوع الهلال فی كلّ شهرٍ من محاسبة النواحی الواقعة فی نصف القطر المظلم، حتّى یحكم بدخول الشَّهر فیها، و محاسبة النواحی الواقعة بعد القطر المظلم فیحكم بعدم الدخول.

  •  و هذه محاسبات دقیقة على أساس الهندسة، یتكفّلها علم الفلك؛ خارجٌ عن محطّ النظر الشرعی، فلا یكاد یعبأ به الشارع المبنیة أحكامُه على المساهلات.

  •  بخلاف مذهب الجمهور، من ابتداء كلّ شهرٍ فی كلّ ناحیةٍ برؤیة الهلال فوق‌أُفقه.

  • المصیر إلى كفایة الرؤیة الإجمالیة لایوجب وحدة التواریخ والشعائر

  •  و ممّا ذكرنا یعرف أنّ ما ذكر من أنّ الالتزام بكفایة خروج الهلال عن الشعاع فی مبدءِ الشهور، موجبٌ لوحدة حساب الشهور و تاریخها، و مناسبٌ لوحدة شعائرهم المرتبطة بالأیام و التواریخ، كلامٌ على أساس الإحساس، خالٍ عن التحقیق، خارجٌ عن منطق التعقّل الصّحیح، ساقطٌ من أساسه فی الاحتجاجات.

  •  هذا ما أردنا بیانه فی مسئلة اختلاف التاریخ على كلّ مسلك.

  • الردّ على النقاط الستّ فی الجواب عن الموسوعة؛ النقطة الاولى‌

  •  و أمّا النقاط الستّ التی حاول فیها الجواب عمّا حرّرنا، فلم یقع واحدٌ من‌الأجوبة موقعه.

  •  أمّا النقطة الاولى، فنقول:

  • الفرق بین «العلم» و «التبین» عند الاخذ فی موضوع الحكم‌

  •  كلّ عنوان أُخذ فی موضوع حكمٍ شرعیاً كان أو غیره، یقتضی اعتباره قیداً دخیلًا فی الحكم، یثبت الحكم بثبوته و ینتفی بانتفائه؛

  •  إلّا فیما دلّت قرینةٌ خاصّةٌ على عدم مدخلیته فیه، كما أنّ السنّة دلّت على عدم دخالة كون الربائب فی حجور الرجال فی حرمة نكاحهنّ علیهم؛ مع ظهور فی الحرمة فی بادئ الأمر من قوله عزَّ و جلَّ: وَ رَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ.1

  •  أو دلّت قرینةٌ عامّةٌ على عدم المدخلیة، ككثرة ورود القید فی لسان العرف‌العامّ، أو الخاصّ بلا مدخلیة له فی الحكم، و كانت الكثرة إلى حدٍّ یصرف الموضوع‌المقید عن ظهور دخالة القید فیه؛ فحینئذٍ یحمل الحكم على نفس الموضوع اللّا بشرط عن وجود القید و عدمه.

  •  و هذا فی جملةٍ من الآجال التی أُخذ فی موضوع حكمها عنوان نفس العلم أو ما هو بمعناه فی كونه كاشفاً صرفاً و طریقاً محضاً مسلّم.

    1. سورة ٤: النساء الآية ٢٣.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

122
  •  و الشاهد علیه فی المحاورات العرفیة كثیرٌ، و كذلك فی المسأئل الفقهیة.

  •  أمّا عنوان التبین فلیس بهذه المثابة، فضلًا عن الرُّؤیة.

  •  لأنّ التبین لیس مطلق الانكشاف؛ بل الانكشاف الخاصّ، و هو وضوح جمیع نواحی المعلوم، و ارتفاع الغیم و الحجاب عن أطرافه، و انجلائه من كلّ جهةٍ، و من كلّ ناحیةٍ، من المقدّمات و المقارنات و الغایات.

  •  و كثیراً ما یكون التثبّت فی الموضوع و التأنّی فیه دخیلًا فی الحكم، و لو مع حصول العلم قبلًا، من المشاهدة و السماع و غیرهما، ممّا یوجب الإطمئنان بدواً؛ و لكن بالتروّی و التثبّت و التأنّی ربّما یزول؛ كما فی قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا؛1 ففی المجمع: أی إذا سافرتم و ذهبتم للغزو فتبینوا، أی اطلبوا بیان الأمر و ثباته، و لا تعجلوا فیه.

  •  و فی قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا2؛ و هیهنا بمعنى التحقیق و التثبّت و الفحص فی الأطراف، حتّى ینجلی جمیع جوانب الأمر بكمال الوضوح.

  •  و لهذا فسّره فی تاج العروس: بالتثبّت فی الأمر و التأنّی فیه.

  •  و السِّرُّ فی ذلك أنّ الذهاب للغزو و الدفاع المستلزم للقتل و الجرح و ذهاب الأموال و الأسر أمرٌ مهمٌّ فی الغایة، لایعتمد فیه على العلم الحاصل فی بادی النظر و الاطمئنان المستفاد من القرائن البدویة بل لابدّ من التحقیق الكافی و الفحص الوافی، و هذا معنى التبین الوارد فی موضوع الدلیل.

  •  و بهذا یعلم أنّ الاستناد بقول المنجّمین فی تعیین طلوع الفجر، و البناء على أقوالهم فی الصلوة و الصیام غیر تامٍّ، لأنّ اللَه تبارك و تعالى جعل الغایة فی الأكل و الشرب فی لیالی شهر رمضان، تبین النهار و وضوحه قبالًا لللّیل؛ فقال: كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ3 بحیث یتشخّص فی امتداد الافق مثل الخیط الأبیض من طلوع الصباح؛ و یتمیز عن ظلمة اللّیل الممتدّة فی السماءِ إلى هذه الناحیة.

    1. الآية ٩٤، من السورة ٤: النساء.
    2. الآية ٦، من السورة ٤٩: الحجرات.
    3. الآية ١٨٧، من السورة ٢: البقرة.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

123
  •  ففی الكافی روى الكلینی قدّه بإسناده عن الحلبی قال: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَهِ عَلَیهِ السَّلَامُ عَنِ الخیطِ الأبْیضِ مِنَ الخیطِ الأسْوَدِ. فَقَالَ: بَیاضُ النَّهَارِ مِنْ سَوَادِ اللَّیلِ‌ الحدیث.

  •  و رواه الشیخ فی التهذیب بإسناده عن الكلینی.

  •  و فی الكافی أیضاً عن أبی بصیر قال: سَألْتُ أَبَا عَبْدِ اللَهِ عَلَیهِ السَّلَامُ فَقُلْتُ: مَتَى یحْرُمُ الطَّعَامُ وَ الشَّرَابُ عَلَى الصَّآئِمِ، و تَحِلُّ الصَّلَوةُ صَلَوةُ الْفَجْرِ؟ فَقَالَ: إذَا اعْتَرَضَ الْفَجْرُ وَ کانَ کالقِبْطِیةِ1 الْبَیضَآءِ، فَثمّ یحْرُمُ الطَّعَامُ وَ تحِلُّ الصَّلَوةُ صَلَوةُ الفَجْرِ.

  •  قُلْتُ: فَلَسْنَا فی وَقْتٍ إلَى أَنْ یطْلُعَ شُعَاعُ الشَّمْسِ؟ فَقَالَ: هَیهَاتَ أَینَ تَذْهَبُ؟ تِلْک صَلَوةُ الصِّبْیانِ. و رواه الشیخ فی التهذیب بإسناده عن الكلینی، و الصدوق فی من لایحضره الفقیه عن عاصم بن حُمید عن أبی بصیر.

  •  و روى الصدوق أیضاً أنّه سُئِلَ الصَّادِقُ عَلَیهِ السَّلَامُ عَنِ الخیطِ الأبْیضِ مِنَ الخیطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ؛ فَقَالَ: بَیاضُ النَّهَارِ مِنْ سَوَادِ اللَّیلِ؛ و قال فی خبرٍ آخر: و هُوَ الفَجْرُ الذی لَا شَک فِیهِ.

  •  و الحاصل أنّ ما جعله الشارع أجلًا لصلوة الفجر و الصیام هو تبین الفجر، بحیث كان من الوضوح بمثابة افتراش الافق من ثیاب بیض، لایشكّ فیه أحدٌ؛ و هذا التبین مع هذا العرض العریض متأخّرٌ عمّا جعله الفلكیون مبدئاً للفجر بفاصلٍ، و لا یمكن جعله طریقاً و كاشفاً عن أوّل زمان خروج الافق عن الظلّ المخروطی إلى فضاء أشعّة الشّمس، و هو بحساب علم الفلك یتحقّق فی لحظةٍ.

  •  و هذا بخلاف زوال الشّمس عن خطّ نصف النهار المارّ على رأس المصلّی، فإنّه یتحقّق فی لحظةٍ واحدةٍ؛ و حیث جعل موضوعاً لصلوة الظهر فی قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‌ غَسَقِ اللَّيْلِ،2 یمكن التعویل علیه إلى القول الفلكی مع الوثاقة.

  •  و السرّ فی جمیع ما ذكرناه من الشواهد و الأمثلة، أنّ التبین مأخوذ من البیان، و

    1. في مرآة العقول نقل عن الصحاح: أنّ القبط أهل مصر، و القبطيّة ثيابٌ بيضٌ رقاق من کتّان يتخذ بمصر؛ و قد يضمّ لأنهم يغيّرون في النسبة کما قالوا:؛ سُهليّ و دُهريّ انتهى.
    2. الآية ٧٨، من السورة ١٧: الإسراء.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

124
  •  هو بمعنى الوضوح و الانجلاء فی الغایة؛ و فیه خصوصیةٌ زائدةٌ عن معنى العلم، و بها یمكن أن یلحظ النظر.

  •  ذكر ابن الأثیر فی النهایة فی معنى قوله صلّى اللَه علیه و آله و سلَّم: ان من البیان لسحرا: البیان إظهار المقصود بأبلغ لفظٍ؛ و هو من الفهم و ذكاء القلب؛ و أصله الكشف و الظهور؛ و قیل معناه: إنّ الرجل یكون علیه الحقّ، و هو أقوم بحجّته من خصمه، فیقلب الحقّ ببیانه إلى نفسه لأنّ معنى السحر قلب الشئ فی عین الإنسان، و لیس بقلب الأعیان؛ ألا ترى أنّ البلیغ یمدح إنساناً حتّى یصرف قلوب السامعین إلى حبّه، ثمّ یذمّه حتّى یصرفها إلى بغضه انتهى. و فی مجمع البحرین: و فی الحدیث: إنَّ اللَهَ نَصَرَ النَّبِیینَ بِالبَیانِ، أی بالمعجزة، و بأن ألهمهم و أوحى إلیهم بمقدّمات واضحة الدلائل على المدّعى عند الحضم، مؤثّرة فی قلبه.

  •  و فیه أیضاً: أنزل اللَه فی القرآن تبیان كلّ شئ، أی كشفه و إیضاحه إلى أن قال: و تبین الشئ لی، اذا ظهر عندی و زال خفاه عنّی انتهى.

  •  و كم من مورد وردت فی القرآن الكریم من هذا الأصل اشتقاقات، مثل تَبینَ و بَین و بینَة و بینات و مُبینَة و مُبَینَات و مُبین و بَیان و تِبْیان و نظائرها؛ فی كلٍّ منها لوحظت خصوصیةٌ للإیضاح و كشف الستر بنحو أتم و أكمل.

  •  و محصّل الكلام أنّ التبین لیس مرادفاً للفظ العلم بوجهٍ؛ و القرینة العامّة المدّعاة فی استعمال لفظ العلم بعنوان الطریقیة فی موضوع الأحكام فی الآجال‌غیر موجودة فیه.

  • دعوى استعمال «الرؤیة» بعنوان الكاشفیة المحضة، وهم‌

  •  و أنكرُ من هذا ادّعاء وجود قرینةٍ عامّةٍ فی استعمال لفظ الرُّؤیة بعنوان الكاشفیة المحضة فی موضوع الأحكام؛ و دعوى تحقّقها مردودةٌ على مدّعیها. لأنّ للرؤیة بمعنى الإبصار الحسّی خصوصیةً لیست فی غیرها من طرق الانكشاف؛ فإذا وردت فی موضوع دلیلٍ عرفی أو شرعی؛ ظاهره دخالة هذه الخصوصیة فی استجلاب الحكم؛ فلابدّ من الأخذ بها و جعلها قیداً یدور الحكم معها وجوداً و عدماً؛ إلّا إذا دلّت قرینةٌ خاصّةٌ على عدم دخالتها فیه.

  •  و لعلّ المدّعى نظر إلى القرائن الخاصّة فی موارد شخصیة؛ ثمّ تَوهّم منها كثرتها إلى حدٍّ یصرف الكلام عن ظهوره فی التقیید؛ أو نظر إلى الرُّؤیة التی هی من أفعال القلوب، و هی بمعنى العلم مثل ما ورد فی حدیث رسول اللَه صلّى اللَه علیه و آله و سلّم مع‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

125
  •  سلمان الفارسی فی أشراط الساعة؛ المروی عن تفسیر القمّی، و نظائره‌1؛ فتوهّمَ أنّ الرُّؤیة الحسّیة أیضاً كذلك؛ و هذا توهُّمٌ باطلٌ؛ و لكلّ منها حكمٌ غیر ما للآخر؛ هذا على العموم.

  •  و أمّا فی المقام یضاف إلى ذلك‌

  • القرائن الدالّة على موضوعیة الرؤیة

  •  أوّلًا كثرة الروایات التی دلّت على دخالة الرُّؤیة من الفریقین عن رسول اللَه صلّى اللَه علیه و آله و سلّم؛ و كذلك تواتر الروایات الواردة عن الأئمّة المعصومین علیهم السلام‌الصریحة فی دخالتها؛ فقد ذكر بعض الأعلام من المشایخ أنها أكثر من أن تعدّ و تحصى؛ و قد فهموا منها مدخلیة الرُّؤیة بلا نكیرٍ، و هم من أهل اللسان، العارفون بأسالیب الكلام؛ و ذُكر فی بعضها دخالة الرُّؤیة و حصرها فی ثبوت الهلال بلسان النفی و الإثبات؛ مثل قوله علیه السّلام: لَا تَصُمْ إلَّا أَنْ تَرَاهُ؛ و قوله علیه السّلام: لا تَصُمْ إلّا لِلرُّؤْیةِ؛ و أدلّ منهما قوله علیه السّلام: إنَّهُ لَیسَ عَلَى أهْلِ القِبْلَةِ إلَّا الرُّؤیة، وَ لَیسَ عَلَى المسلِمِینَ إلَّا الرُّؤیة.

  •  فهَب أیها المجیب أنّ الشارع یرید مدخلیة الرُّؤیة بنحو الموضوعیة، لا الكاشفیة المحضة، فی مقام الثبوت؛ فهل یتصوّر جملةٌ بلیغةٌ، أو كلامٌ بلیغٌ؛ أبلغ من هذا الذی أفاده، فی مقام الكشف عمّا أراده، فی مقام الإثبات؛ فقل لنا ساعدك اللَه: بأی كلامٍ یفهمنا، و بأی عبارة ینبِّهنا؟

  •  و العجب كلّ العجب أنّه اعترف فی آخر كلامه، بأنّ المستفاد من روایات الصوم الأوّلیة، هو دخالة الرُّؤیة بمعنى إناطة الحكم بإمكانیة الرُّؤیة. و مع هذا كان ینكر موضوعیتها بادّعاء قرینة عامّة و قرائن خاصّة على الكاشفیة. مع أنّ كلتا الدعویین: دعوى وجود القرینة العامّة، و دعوى وجود قرائن خاصّة، معلولتان.

  •  و ثانیاً ما هو المشاهد فی جمیعها أنّهم علیهم السلام سدّوا جمیع الطرق المتصوّرة لثبوت الهلال، مثل أماریة غیبوبة الهلال بعد الشفق، و تطوّقه، و رؤیة ظلّ الرأس فیه، و خفائه من المشرق غدوةً على دخول الشهر فی اللّیلة الماضیة، مع أنّ فی بعض منها خصوصاً إذا أُیدت بالرصد أماریةً على ثبوت الهلال.

  •  لكن الأصحاب فقد رفضوها، و حملوها على التقیة، حیث إنّ العامّة جعلوها أماراتٍ علیه. و لیس هذا إلّا ممّا فهموه من بناء الشریعة على انحصار أماریة الرُّؤیة.

    1. رواه العلّامة الطباطبائيّ مدّ ظلّه السامي في تفسير الميزان في المجلّد الخامس في ص ٤٣٢ إلى ص ٤٣٥ في ضمن بحثه المختلط من القرآن و الحديث المبدوّ من ص ٤٢٨.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

126
  •  و ثالثاً ما ورد فی كثیر من الروایات من إنكار أصحاب الرأی، و هم أصحاب العدد و الجدوال، من الفلكیین و المنجّمین، و الردّ الشدید علیهم.

  •  و ما ربّما یمكن أن یقال أنّ الردّ علیهم إنّما هو لعدم وصول نتیجة محاسباتهم الرصدیة إلى درجة الیقین مدفوعٌ أوّلًا:

  •  بأنّ عنوان الرأی ورد فی بعض الروایات قسیماً للتظنّی، حیث‌ قال علیه السّلام: و لَیسَ بِالرَّأی و لَا بِالتَّظَنِّی، وَ لَکنْ بِالرُّؤیة.

  •  و ثانیاً إنّ المحاسبات الرصدیة المدوّنة فی الزّیجات مفیدةٌ للقطع لأصحاب الرصد، لكونها قواعد مضبوطةً على أساس علم الحساب، مبرهنةً ببراهین هندسیةٍ، منتهیةٍ إلى الحسّ و الوجدان و یحصل القطع لغیرهم إذا عرفهم بالمهارة فی فنونهم و الوثاقة فی‌أنفسهم.

  •  و ثالثاً أنّ مفاد هذه الروایات إطلاق عدم جواز التّعویل على أقوالهم ولو مع الیقین الحاصل. إن قلتَ: لعلّهم علیهم السلام إنّما سدّوا هذا الطریق على الإطلاق، و حصروه فی طریقیة الرُّؤیة، لئلّا یقع الخلاف و لا یشتبه الأمر.

  •  قلتُ: نعم و لكن هذا عین الإقرار بانحصار طریقیة الرُّؤیة المسأوق للموضوعیة.

  •  ثمّ إنّ كثیراً من الأصحاب ادّعوا الإجماع على انحصار طریقیة الرُّؤیة؛ و ادّعوا خلافه خلاف المذهب و قد نقلنا سابقاً ما ذكره الشیخ رضوان اللَه علیه فی التهذیب؛ و الآن ننقل ما ذكره الشیخ الأجلّ القاضی ابن البَرّاج فی كتابه: شرح جمل العلم و العمل‌1، لشیخه الأعظم: السید المرتضى رضوان اللَه علیهما.

  • كلام القاضی ابن البرّاج (قدّه) حول انحصار طریقیة الرؤیة

  •  قال: إعلم أنّ رؤیة الهلال هی المعتبر، و الذی علیه یعتمد فی الصوم و الفطر و أوائل الشهر و ذلك لم یخالف فیه أحدٌ من المسلمین، إلّا قومٌ من أصحاب الحدیث من جملة طائفتان (كذا2) فإنّهم عوّلوا فی ذلك على العدد3 و شذّوا عن الإجماع‌

    1. طبع هذا الکتاب في مطبعة جامعة المشهد (مشهد الرضا عليه السّلام) في سنة ١٣٥٢ الهجريّة الشمسيّة و ما نقلناه عنه إنّما هومن ص ١٦٧ إلى ص ١٧٠.
    2. يعني أنّ لفظ «طائفتان» ورد في النسخ مرفوعاً.
    3. قال الشهيد الثاني في شرحه لللّمعة: و العدد، و هو عدّ شعبان ناقصاً و رمضان تامّاً أبداً و به فسّره في الدروس و يطلق على عدّ خمسةٍ من هلال الماضي و جعل الخامس أوّل الحاضر و على عدّ شهر تامّاً وآخر ناقصاً مطلقاً و على عدّ تسعة و خمسين من هلال رجب وعلى عدّ کلّ شهرثلا نعم اعتبره بالمعنى الثاني جماعة منهم المصنّف في الدروس مع غمّة الشهور و کلّها مقيّداً بعدّ ستّة في الکبيسة وهو موافق للعادة و به‌روايات و لا بأس به، أمّا لو غمّ شهر و شهران خاصّةً فعدّهما ثلاثين أقوى و فيما زاد نظر من تعارض الاصل و الظاهر، و ظاهر الاصول ترجيح الاصل انتهى (منه عفي عنه).
      ثين والکلّ لاعبرة به

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

127
  •  بهذا المذهب.

  •  و خلافهم فی هذا غیر معتبر؛ لأنّ الإجماع سابقٌ لهم.

  •  و جرَوا فی فساد ما ذهبوا إلیه و شذّوا به عن الإجماع مجرى الخوارج فی خلافهم و شذوذهم عن الإجماع السابق لما ذهبوا إلیه فی (عدم رجم الزانی المحصن فإنّهم ذهبوا إلى ذلك بعد انعقاد الإجماع على)1 رجمه‌2.

  •  (و كما لایؤثّر خلافهم هذا فی صحّة ما انعقد علیه الإجماع)3 مِن رجم هذا الزانی‌4، لحدوث هذا المذهب و سبق الإجماع له؛ فكذلك لا یؤثّر خلاف من ذلك إلى العدد فیما لم یعقد علیه الإجماع من صحّة العمل على رؤیة الأهلّة؛ لحدوث مذهبهم هذا، و تقدّم الإجماع له.

  •  فإن قیل: لم زعمتم أنّ مذهب أهل العدد حادث؟

  •  قلنا: لا شبهة فیه، لأنّ القائلین بذلك ما ظهر خلافهم و عملهم به إلّا عند الجدوال‌5 المنسوب إلى عبد اللَه بن مسعود (و معاویة)6؛ و لا شكّ فی حدوث ما هذا سبیله.

    1. ما بين الهلالين هو المصحّح من نسخة العالم المحترم: واعظ زاده.
    2. في نسخة العالم المحترم: واعظزاده ورد مکان رجمه رحمة.
    3. ما بين الهلالين هو المصحّح من نسخة مکتبة مجلس الشورى بطهران.
    4. ظاهراً.
    5. الجدول للقمر عند الفلکيّين حساب سيره في منازله الثمانية و العشرين و تعيين موضعه في أيّ وقت أُريد، فعليه يکون مرادفاً للزيج؛ وفسّره الشهيد الثاني‌عند قول الشهيدالاوّل في اللمعة: و لا عبرة بالجدول: بأنّه‌حساب مخصوصٌ‌مأخوذ من تسيير القمر ومرجعه إلى عدّ شهر تامّاً و شهر ناقصاً في جميع السنة مبتدئاً بالتامّ من المحرّم؛ لعدم ثبوته شرعاً بل ثبوت ما ينافيه و مخالفته مع الشرع للحساب أيضاً لاحتياج تقييده بغير السنة الکبيسة؛ أما فيها فيکون ذوالحجّة تامّاً انتهى. أقول: والسرّ في ذلک أنّ الأزياج مبتنية على الشهور الوسطيّة لا الحقيقيّة ثمّ بضميمية محاسبة التعديلات تصير شهوراً حقيقيّةً فلکيّةً، أمّا الشهور الشرعيّة فالعبرة فيها بنفس الرؤية. هذا ولکنّي لم أجد لفظ الجدوال في واحدٍ من کتب اللغة و النجم و لعلّه مصدر جعليّ على وزن الدِّحراج من مادّة جعليّةٌ هي جَدْوَلَ يجدوِلُ أي عيّن الجدول فعلى هذا يکون خارجاً عن استعمال العرب (منه عفي عنه).
    6. في نسخة مکتبة مجلس الشورى بطهران.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

128
  •  و أنّ العمل على ما ذكرناه لایجری العلم بتقدّمه على زمان من نُسبت الجدوال إلیه، مجرى العلم بالعمل على روایة الأهلّة؛ و لا تقاربه؛ بل و لا یعلم ذلك أصلًا على وجهٍ و لا سبب.

  •  فإن قیل: إذا كان العمل على الجدول حادثاً، فما ینكر أن یكون الأمر من الرسول صلّى اللَه علیه و آله و الإمام بعده فی تعریف أوائل الشهور و أواخرها، هو المعتبر فی ذلك؟ و علیه العمل؟ قلنا: لو كان ما ذكرتَه صحیحاً لكان النقل به وارداً مورد الحجّة؛ و المعلوم خلاف ذلك.

  •  ثمّ إنّ الامّة بین القائلَین؛ فقائل یذهب إلى أنّ المعتبر فی معرفة الفطر و أوائل الشهور بالأهلّة و قائل یذهب إلى أنّ المعتبر فی ذلك بالعدد؛ و لیس فیهم من یقول إنّ المعتبر فی ذلك بما ذكرتَه‌1؛ و لا یقول أحدٌ عن الرسول صلّى اللَه علیه و آله و لا عن أحدٍ من الأئمّة علیهم السلام، إنّه قال: أوّل الشهر یوم كذا و الآخر یوم كذا، إلّا ما یذكر من الخبر المتضمّن‌ لقوله علیه السّلام: یوْمُ صَوْمِکمْ یوْمُ نَحْرِکمْ‌2. و هذا ممّا لا شبهة فیه أنّه لم یرد مورد الحجّة، و ذُكر فی هذا المذهب خلاف متقدّم على زمان الجدول و إذا كان كذلك وجب القضاء بفساد ما ذكرتَه.

  •  و ممّا یدلّ أیضاً على أنّ المعتبر فی معرفة أوائل الشُّهور و الصَّوم و الفطر بالأهلّة، ما هو معلومٌ ضرورةً فی شرع الإسلام من فرق المسلمین إلى (أنّ)3 رؤیة الأهلّة فی تعریف أوائل الشهور من زمن النبی صلّى اللَه علیه و آله إلى زماننا هذا؛ و أنّه صلّى اللَه علیه و آله كان یتولّى رؤیة الهلال بنفسه و ملتمسه‌4 و یتصدّى لرؤیته و كذلك المسلمین، و خروجهم إلى المواضع المكشفة، و تأهّبهم كذلك من غیر إنكار من أحدٍ له و لا دفعٍ.

  •  و ما ثبت عنه صلّى اللَه علیه و آله ممَّا شرعه من قبول الشَّهادة فی لرُّؤیته، و الحكم‌

    1. في نسخة واعظ زاده و في نسخة المکتبة المرکزيّة لجامعة طهران ورد مکان ذکرتَه (ذکر به) و المصحّح صحّحه قياساً.
    2. أقول: أورد في تفسير البرهان في ذيل آية يَسْئَلُونَک عَنِ الْأَهِلَّةِ نقلًا عن السيّد ابن طاووس ره في الإقبال: أنّه قال: و من ذلک (أي من القواعد) ما سمعناه و لم نقف علي اسناده عن أحدهم عليهم السلام: يَوْمُ صَوْمِکمْ يَوْمُ نَحْرِکمْ انتهى.
    3. في نسخة المکتبة المرکزيّة لجامعة طهران ورد لفظ (أنّ).
    4. ظاهراً: يلتمسه.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

129
  •  فی من شهد بذلك فی مصر1 من الأمصار، و من یرد بالإخبار برؤیته عن خارج المصر و حكم المخبر به و الصحّة و سلامة الخبر ممّا تعرضه من العوارض، و خبر من شهد برؤیته مع التواتر فی بعض المواضع.

  •  فلولا أنّ المعتبر بالأهلّة، و أنّها أصل الدین، معلوم لجمیع المسلمین؛ لما كانت‌2 الحال فی ذلك على ما شرحناه؛ و لكان ذلك عبثاً لو كان الاعتبار بالعدد، و حكایةً3 لما فائدة فیه؛ و المعلوم خلافه.

  •  و یدلّ على ذلك قوله سبحانه: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِ‌4؛ فبین سبحانه الأهلّة هی المعتبرة فی المواقیت، و الدلالة على أوائل الشهور؛ و ذلك نصٌّ صریحٌ فیما ذهبنا إلیه.

  •  ألا ترى أنّه علّق التوقیت فیها، و لو كان الذی نعرف به التوقیت هو العدد، لعلّق التوقیت و خصّه به، دون رؤیة الأهلّة؛ لأنّ رؤیة الأهلّة لا معتبر بها عند العددیین فی تعریف أوقات حجّ و لا غیره.

  •  و الهلال إنّما سمّی بهذا الإسم، لرفع الأصوات عند مشاهدته بالتكبیر و التهلیل؛ و منه یقال: استهلّ الصبی إذا أظهر صوته بالصیاح عند ولادته؛ و سمّی الشهر لاشتهاره‌5 بالهلال.

  •  فإن قال: بأنّ عدد الأیام و حساب الشهور و السنین هو المعتبر فیها، و أنّه یغنی‌6 عن الأهلّة، فقد أبطل سمات الأهلّة و الشهور من الموضوعیة فی لسان العرب؛ و من ذهب إلى ذلك وجب ترك الالتفات إلى قوله.

  •  و یدلّ على ذلك أیضاً قوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ‌7.

    1. في نسخ واعظ زاده و المجلس و مکتبة الجامعة ورد لفظ مصري و الظاهر زيادة الياء.
    2. في نسخة المجلس: کا مکان کانت.
    3. في جميع النسخ مکاتباً و صحّحه المصحّح حکايةً.
    4. الآية ١٨٩، من السورة ٢: البقرة.
    5. في نسخة الجامعة المرکزيّة: الإستشهاد مکان لاشتهاره.
    6. في جميع النسخ (يعني) بدل (يغني) و حيث لا معنى له صحّحه المصحّح.
    7. الآية ٥، من السورة ١٠: يونس.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

130
  •  (و هذا نصّ منه تعالى على معرفة السنین و الحساب)1 مرجوع فیها إلى القمر و زیادته و نقصانه، و أنّ العدد لاحظّ2 له فی ذلك.

  •  و یدلّ أیضاً على ذلك ما روی عن النبی صلّى اللَه علیه و آله من قوله: صُومُوا لِرُؤْیتِهِ و أَفْطِرُوا لِرُؤْیتِهِ فَإنْ غُمَّ عَلَیکمْ فَعَدُّوا ثَلَاثِینَ یوماً.

  •  فنصّ علیه السّلام أیضاً صریحاً غیر محتمل بأنّ الرُّؤیة هی الأصل و العدد تابعٌ لها، و أنّه غیر معتبر إلّا بعد عدم الرُّؤیة؛ و لو كان المعتبر بالعدد لما علّق الصوم بنفس الرُّؤیة؛ و لعلّقه بالعدد؛ و كان یقول: صوموا بالعدد و أفطروا بالعدد؛ و الخبر یمنع ذلك بالأشبه.

  •  فإن قیل: كیف تستدلّون بهذا الخبر و هو من الآحاد؛ و عندكم أنّ أخبار الآحاد لا یعوَّل علیها فی علمٍ و لا عملٍ.

  •  قلناه: إنّما نقول فی خبر الواحد بما ذكرتَه إذا لم یقرن به قرینةٌ و لا دلالةٌ تدلّ على صحّته؛ و أمّا ما یقرن به قرینةٌ و تدلّ على صحّته دلالةٌ، فلا بدّ من القول بصحّة مضمونه، للقرینة به.

  •  و هذا الخبر و إن كان من أخبار الآحاد، فقد عضّدته قرینةٌ، و هی تلقّی الامّة له بالقبول؛ فصحّ الاستدلال به؛ و هذا ممّا لا یشتبه مثله على أهل العلم.

  •  و اعلم أنّه قد ورد فی صحّة الصوم و الفطر على رؤیة الهلال من الأخبار المتواترة ما یكثر ذكره و یطول إیراده و نحن نورد بعضاً من ذلك لیقف علیه من أهّل نفسه بأُنس الخبر، و یمیل إلیه أكثر من أُنسه بطرف النظر و میله إلیها. انتهى الموضع أردنا إیراده من كلامه قدّه ثمّ شرع فی ذكر الروایات الدالّة على موضوعیة الرُّؤیة و بحث فیها بحثاً تامّاً و ذكر الروایات الدالّة على عدم جواز التعویل على الجدوال و سائر الطرق و الأمارات.

  •  و الحقّ أنّه رحمة اللَه علیه أو فی البحث فی المقام بما لا مزید علیه؛ و نحن نقلنا كلامه بطوله لما فیه من جهات التنبیه و الفائدة ما لا یخفی على الخبیر.

  • دلالة الروایات المفسّرة للاهلّة، على انحصار مدخلیة الرؤیة

  •  و ما یدلّ على انحصار دخالة الرُّؤیة رابعاً:

    1. ما بين الهلالين ليس في نسخة مکتبة المجلس.
    2. في جميع النسخ (لاحصا له) فصحّحه المصحّح.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

131
  •  الروایات التی دلّت على أنّ اللَه تبارك و تعالى جعل الأهلّة مواقیت، فی تفسیر قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ؛ و هذه الروایات مستفیضة.

  •  مثل ما رواه العیایش فی تفسیره عن زیاد بن المنذِر، قال: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِی عَلَیهِمَا السَّلَامُ، یقُولُ: صُمْ حِینَ یصُومُ النَّاسُ، وَ أَفْطِرْ حِینَ یفْطِرُ النَّاسُ، فَإنَّ اللَهَ جَعَلَ الأهِلَّةَ مَوَاقِیتَ. و رواه أیضاً الشیخ فی التهذیب، و القاضی ابن البرّاج فی كتابه: شرح جُمَل العلم و العمل.

  •  و ما رواه المفید فی المقنعة عن ابن مُسكان عن أبی بصیر عن أبی عبد اللَه علیه السّلام، قال: سَألْتُهُ عَنِ الأهِلَّةِ، فقَالَ: أَهِلَّةُ الشُّهُورِ؛ فَإذَا رَأیتَ الهلالَ فَصُمْ، و إذَا رَأیتَهُ فَأَفْطِرْ.1

  •  فلولا تكون الرُّؤیة طریقاً خاصّاً إلى معرفة الشهور، لما یكون وجهٌ لجعلها مواقیت؛ إذ من السهل الیسیر رجوع الناس إلى ما ضبطوه فی الجدول كما هو المتعارف الیوم فی كثیر من البلاد التی جعلوا مدار أوقاتهم على الشهور الشمسیة؛ و استغنوا عن الأهلّة و مواقیتها.

  •  قال الشیخ أبوعلی الفضل بن الحسن الطَبْرِسی فی مجمع البیان عند تفسیر قوله تعالى: قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِ‌: و فیه أوضح دلالة على أنّ الصوم لایثبت بالعدد؛ و أنّه یثبت بالهلال؛ لأنّه سبحانه نصّ على أنّ الأهلّة هی المعتبرة فی المواقیت، و الدلالة

    1. و ما رواه الکلينيّ في الکافي بإسناده عن الحلبيّ و المفيد في المقنعة عن حمّاد بن عثمان عن أبي عبد اللَه عليه السّلام قال: إنَّهُ سُئِلَ عَنِ الأهِلَّةِ، فَقَالَ: هِيَ أَهِلَّةُ الشُّهُورِ فَإذَا رَأَيْتَ الهلالَ فَصُمْ و إذَا رَأَيْتَهُ فَأفْطِرْ. و ما رواه الشيخ في‌التهذيب و الاستبصار بإسناده عن زيد الشحّام عن أبي عبد اللَه عليه السّلام أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الأهِلَّةِ، فَقَالَ: هِيَ أَهِلَّةُ الشُّهوُرِ فَإذَا رَأَيْتَ الهلالَ فَصُمْ وإذَا رَأَيْتَهُ فَأَفْطِرْ الحديث. ومارواه الشيخ‌أيضاً فيهما بسندين عن الحلبيّ عن أبي عبد اللَه عليه السّلام أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الأهِلَّةِ فَقَالَ هِيَ أَهِلَّةُ الشُّهوُرِ فَإذَا رَأَيْتَ فَصُمْ وإذَا رَأَيْتَهُ فَأَفْطِرْ الحديث. ومارواه الشيخ‌فيه أيضاً بإسناده عن عبد اللَه‌بن‌سنان قال سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ الأهِلَّةِ فَقَالَ: هِيَ أَهِلَّةُ الشُّهوُرِ فَإذَا رَأَيْتَ الهلالَ فَصُمْ و إذَا رَأَيْتَهُ فَأفْطِر الحديث. و ما رواه الشيخ فيه أيضاً بإسناده عن عمر بن الربيع البصريّ قال: سُئِلَ الصَّادِقُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ الأهِلَّةِ فقَالَ: هِيَ أَهِلَّةُ الشُّهُورِ إذَا رَأَيْتَ الهلالَ فَصُمْ وإذَا رَأَيْتَهُ فَأفْطِر الحديث. ومارواه الشيخ فيه
      أيضاً بإسناده عن عبد اللَه بن عليّ بن الحسين (الحسن نسخ) عن أبيه عن جعفر بن محمّد عليهما السلام في قوله عزّ و جلّ:” قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِ‌”، قال: لِصَوْمِهِمْ و فِطْرِهِمْ وَ حَجِّهِمْ.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

132
  •  على الشهور؛ فلو كانت الشهور إنّما تعرف بطریق العدد، لخصّ التوقیت بالعدد دون رؤیة الأهلّة، لأنّ عند أصحاب العدد لا عبرة برؤیة الأهلّة فی معرفة المواقیت. انتهى.

  •  أقول: و نعم ما أفاد قدّس اللَه سرّه.

  •  فنقول: حمل الرُّؤیة فی الروایات على الطریقیة المحضة؛ یساوق إلغاء خصوصیة الرُّؤیة؛ فیناقض الآیة المباركة: قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِ‌.

  •  لأنّ اللَه جعل الأهلّة مواقیت؛ و لا یكون الهلال میقاتاً إلّا إذا رئی، فالرُّؤیة دخیلةٌ فی كونها مواقیت فمن أنكر انحصار طریقیتها، فقد أبطل میقاتیتها.

  •  فالآیة أدلّ دلیلٍ على دخالة الرُّؤیة على مبادی الشهور؛ كما أنّها أدلّ دلیلٍ على بطلان القول بعدم لزوم الاشتراك فی الآفاق، و كفایة رؤیةٍ ما ولو من بعیدٍ، أو كفایة الرُّؤیة الإمكانیة؛ فاللَه جعلها مواقیت للناس جمیعاً، لكلّ بلدةٍ لكلّ جیلٍ.

  •  و لا معنى لجعل الهلال الخارج عن الشعاع، و القابل للرؤیة فی إسبانیا میقاتاً لأهل بلخ و بُخارا و لا الهلال الطالع للأعراب القاطنین فی المراكش و اللیبیا میقاتاً للتركمن و الأتراك القاطنین فی الصین!

  •  فمن التزم بهذا فقد أبطل سمات الأهلّة، و أنكرها مواقیت؛ و من ادّعى عدم تنافیه مع الآیة الكریمة، فهل یا ترى إلّا كونه لاعباً بالقرآن العظیم؟

  • الجواب عن الاستدلال لطریقیة الرؤیة بكفایة قیام غیرها مقامها

  •  و أمّا ما استدلّ لطریقیتها المحضة من كفایة قیام البینة التی هی تبین الواقع كما یشعر به لفظها على ذلك، أو مضی ثلاثین یوماً من شعبان ولو لم یر أحدٌ الهلال؛ فیرد علیه:

  •  أ وّلًا: أنّ البینة، و إن كانت صفةً مشبّهةً من بَانَ یبینُ فیقال: بَین و بَینَةٌ كسَیدٍ و سَیدَةٍ من سَادَ یسُودُ؛ و حیث إنّ موصوفها هی الحجّة، یقال: بینة بالتاء؛ أی حجّةٌ واضحة لا خفاء فیها؛ و بهذا المعنى تكون مرادفةً للبرهان.

  •  لكنّها حجّةٌ واضحةٌ بالنسبة إلى ما تعلّقت به، لا إلى شئٍ آخر؛ و هذا واضح.

  •  فلابدّ من أن یلاحظ متعلّقها فی كلّ مورد فیحكم بثبوته فی متن الواقع بالتعبّد؛ كما یحكم بالثبوت فیما إذا تعلّق به القطع الوجدانی.

  •  و فی المقام إذا فرض دلالة النصوص و الفتاوى على كفایة البینة القائمة على دخول الشهر، أو على خروج الهلال عن الشعاع، أو على وجوده فی الافق، كان لما أُفید من دلالة البینة على طریقیة المحضة للرؤیة وجهٌ؛ لقیامها مقام الرُّؤیة؛ فكلّ واحدٍ من‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

133
  •  الرُّؤیة و الأمارة دلیلٌ على ثبوت الواقع حینئذٍ؛

  •  لكنّه لیس كذلك؛ بل أطبق النصّ و الفتوى و ادّعی الإجماع على كفایة البینة القائمة على رؤیة الهلال لیس غیر.1

  •  فحینئذٍ لیست الرُّؤیة و البینة متسابقان إلى إثبات الواقع؛ أحدهما وجداناً و الآخر تعبّداً.

  •  بل الرُّؤیة الوجدانیة تعلّقت بوجود الهلال، و البینة تعلّقت بالرُّؤیة؛ فتعلّقت بالمتعلِّق بالكسر لا بالفتح.

  •  و مفادها تنزیل الرُّؤیة التعبّدیة مقام الرُّؤیة الوجدانیة؛ و توسیع دائرة الرُّؤیة إلى الأعمّ منهما بتوسعة دائرة الرُّؤیة التی هی عبارةٌ عن الإبصار بالعیون المتصلة، بالإبصار بالعیون المنفصلة بالجعل التشریعی.

  •  و هذا معنى حكومة أخبار البینة على أخبار الرُّؤیة.

  •  و هنا محلّ الدقّة و النظر؛ فإنّه من مزالّ الأقدام؛ حیث اشتبه الأمر على كثیرٍ من أهل العلم، فادّعوا طریقیة الرُّؤیة المحضة، بادّعاءِ قیام الأمارات مقامها؛ و لم یتنبّهوا للاختلاف بین متعلّقیهما.

  •  و ثانیاً المستند فی حجیة البینة فی هلال شهر رمضان هو الروایات الخاصّة الواردة فی المقام، الدالّة على قیام البینة مقام الرُّؤیة؛ و هی كثیرة، فإذن لا دلالة لها على الطریقیة المحضة و الكاشفیة الصرفة للرؤیة إذ جعْل الرُّؤیة طریقاً واحداً و كاشفاً فارداً عن الهلال فی مقام الثبوت، و مع ذلك توسیع هذه الدائرة بالرُّؤیة التعبّدیة الحاصلة بالبینة فی مقام الإثبات بالنصوص الخاصّة، ممّا لا مانع منه.

  •  و قد دلّت الأخبار المستفیضة، بل المتواترة على طریقیتها المنحصرة؛ و بعبارة أُخرى على جزئیتها للموضوع على نحو الكاشفیة؛ و دلّت الرِّوایات على كفایة الرُّؤیة التعبّدیة فی مقام الإثبات.

  •  نعم لو قامت البینة على غیر الرُّؤیة، بل على دخول الشهر المستند إلى التطوّق، أو الارتفاع، أو الجدول و الزیج، أو قول الرصدی و نحو ذلك؛ و استندنا على حجّیتها بعمومات‌

    1. و اعترف به الاستاد نفسه مدَّ ظله على ما في رسالة المنهاج ج ١ ص ٢٨٠حيث قال: و لا (اي و لا يثبت الهلال) بشهادة العدلين إذا لم يشهدا بالرؤية.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

134
  •  أدلّة حجیة البینة فی الموضوعات كروایة1 مَسعَدة بن صَدَقة، و علقمة2، و غیرهما، و الإجماع المدّعى فی المقام؛ كان لنا شاهداً على كاشفیتها المحضة.

  •  لكنّك عرفت أنّه لا مجال لحجّیة مثل هذه البینة بعد إطباق الإجماع و النصوص و الفتاوى على حجیة البینة القائمة على خصوص الرُّؤیة، لیس غیر.

  • الردّ على الاستدلال لطریقیة الرؤیة بلزوم القضاء یوم الشكّ‌

  •  و أمّا الاستدلال بطریقیتها المحضة من ثبوت لزوم القضاء یوم الشَّكّ الذی أُفطر فیه، لعدم طریقٍ له إلى ثبوت الهلال، فتبین بعد ذلك بالبینة أو الرُّؤیة لیلة التاسع و العشرین من صومه وجود الشهر یوم إفطاره فسیرد علیه ما أوردنا سابقاً، من أنّ الرُّؤیة أو البینة لیلة التاسع و العشرین كاشفةٌ عن ثبوت الفطر أوّلًا و عن ثبوت الهلال قبل مضی‌

    1. و هي مارواه في الوسائل في کتاب التجارة في الباب الرابع من أبواب ما يُکتسب به عن الصدوق و عن الشيخ بإسنادهما عن عليّ بن إبراهيم عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن أبيعبد اللَه عليه السلام قال: سَمِعْتُهُ يَقولُ: کلُّ شَي‌ءٍ هُوَ لَک حَلالٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرامٌ بِعَيْنِهِ فَتَدَعَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِک، وَذَلِک مِثْلُ الثَّوْبِ يَکونُ عَلَيْک وَقَدِ اشْتَرَيْتَهُ وَهُوَ سَرِقَةٌوَالممْلوک عِنْدَک لَعَلَّهُ حُرٌّ قَدْ باعَ نَفْسَهَ أوْخُدِعَ فَبِيعَ قَهْرًا أوِ امْرَأَةٍ تَحْتَک وَ هِيَ أُخْتُک أوْ رَضيعَتُک وَ الاشْيَاءُ کلُّها عَلَى هَذا حَتَّى يَسْتَبينَ لَک غَيْرُ ذَلِک أوْ تَقومَ بِهِ البَيِّنَةُ.
    2. و هي ما رواه في الوسائل في کتاب القضاء في الباب الواحد و الأربعين من أبواب الشهادات عن کتاب عرض المجالس بإسناده عن علقمة قال قالَ الصَّادِقُ عَلَيْهِ السَّلامُ و قَدْ قُلْتُ لَهُ يا ابْنَ رَسولِ اللَهِ أخْبِرْني عَمَّنْ تُقْبَلُ شَهادَتُهُ وَ مَنْ لاتُقْبَلُ فَقالَ يا عَلْقَمَةُ! کلُّ مَنْ کانَ عَلَى فِطْرَةِ الإسلامِ جازَتْ شَهادَتُهُ. قالَ: فَقُلْتُ لَهُ: تُقبَلُ شَهادَةُ مُقْتَرِفٍ بِالذُّنوبِ؟ فَقالَ: يا عَلْقَمَةُ لَوْ لم تُقْبَلْ شَهادَةُ المعتَرِفِينَ لِلذُّنُوبِ لما قُبِلَتْ إلَّا شَهادَةُ الأنْبِياءِ وَ الاوْصِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِانَّهُمُ المعْصُومونَ دونَ سائِر الخلْقِ.
      فَمَنْ لم‌تَرَهُ بِعَيْنِک يَرْتَکبُ ذَنْبًا أوْلم‌يَشْهَدْ عَلَيْهِ بِذَلِک شاهِدانِ فَهُوَ مِنْ أهْلِ العَدالَةِ وَالسِّتْرِوشَهادَتُهُ مَقْبولَةٌ؛ و إنْ کانَ في نَفْسِهِ مُذْنِباً و مَنِ اغْتابَهُ بِما فيهِ فَهُوَ خارِجٌ مِنْ وِلَايَةِ اللَهِ داخِلٌ في وِلايَةِ الشَّيْطَانِ، و لَقَدْ حَدَّثَني أَبي عَنْ أبيهِ عَنْ آبائِهِ أنَّ رَسولَ اللَهِ صَلَّى اللَهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قالَ: مَنِ اغْتابَ مُؤْمِناًبِما فيهِ لم يجمَعِ اللَهُ بَيْنَهُما في الْجَنَّةِ و مَنِ اغْتابَ مُؤْمِناً بِما لَيْسَ فِيهِ فَقَدِ انْقَطَعَتِ العِصْمَةُ بَيْنَهُما و کانَ المغْتابُ في النَّارِ خالِداً فِيهَا و بِئْسَ المَصِيرُ.
      قالَ عَلْقَمَةُ: فَقُلْتُ لِلصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ النّاسَ يَنْسُبونَنا إلَى عَظائِمِ الامورِ وَ قَدْ ضاقَتْ بِذَلِک صُدورُنا فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ رِضا النَّاسِ لا يملَک وَ ألْسِنَتُهُمْ لا تُضْبَطُ و کيْفَ تَسْلَمونَ ممّا لم يَسْلَمْ مِنْهُ أنْبِياءُ اللَهِ و رُسُلُهُ الحديث.
      وقد نقلنا هذا الحديث بطوله لما فيه من جهات الفائدة الصادرة من معدن العلم والحکمة؛ رزقنا اللَه التعلّم و التفهّم.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

135
  •  تسعة و عشرین یوماً من رؤیته ثانیاً.

  •  لأنّ مبنى حجّیة الأمارة لیس على التنزیل، أو على جعل المؤدّی منزلة الواقع؛ بل على ما هو المحقّق فی الاصول و بنى علیه مشایخنا المحقّقون، منهم أُستاذنا العلّامة الخوئی أدام اللَه أیام بركاته، من باب تتمیم الكشف الناقص تعبّداً، و جعلها بمثابة الیقین فی عالم الاعتبار، فإذن نفس الرُّؤیة الوجدانیة، أو الرُّؤیة التعبّدیة توجب لنا قضاء یوم الشكّ، لمكان محرزیتهما و كشفهما عن ثبوت الهلال لیلة الثلاثین من شعبان.

  •  و لیس هذا مجرّد إمكان التنزیل و الحكومة فی مقام الثبوت كما أُفید؛ بل الكافل لهذه الحكومة و التنزیل فی مقام الإثبات هو نفس أدلّة حجّیة البینات.

  •  و قد ثبت فی الاصول أنّ الأمارت و الاصول التنزیلیة، لها حكومةٌ على العلم الذی أُخذ فی الموضوع على وجه الطریقیة، بنفس أدلّة حجّیتها.

  •  و أمّا ما أُفید من أنّ عنوان الشهر الذی أُنیط به الحكم بوجوب الصوم أمرٌ عرفی؛ و لیس من مستحدثات الشارع و الشهر عند العرف أمرٌ واقعی لیس للرؤیة دخلٌ فیه إلّا بنحو الطریقیة المحضة.

  •  فیرد علیه أنّ للشارع دخلًا فی الموضوعات العرفیة التی یرید أن یرتّب علیها الأحكام، بإدخال بعض القیود فی التوسعة و التضییق.

  •  مثل عنوان السفر و الحضر؛ فتصیر حینئذٍ موضوعاتٍ شرعیة لما یترتّب علیها من الأحكام.

  •  كما أنّ له نصب طریقٍ خاصّ بالنسبة إلى موضوعٍ واقعی خارجی؛ مثل الإقرار أربع شهادات أو شهادة أربعة شهود فی إثبات الزنا، و الإقرار أو البینة أو القسامة مع اللوث، فی إثبات القتل، و الحكم بمضی شهادة النساء فیما یتعلّق بهنّ و فی الوصایا و الأموال دون رؤیة الهلال.

  •  و الشهر و إن كان موضوعاً خارجیاً، و عنوانه المحمول عرفیاً؛ إلّا أنّ الشارع نصب طریقاً خاصّاً إلى إحرازه، و هو الرُّؤیة، و لا یرضى بإحرازه من غیر هذا الطریق.

  •  فلهذه المناسبة صارت الرُّؤیة دخیلةً فی تحقّق الشهر بما یرتِّب علیه الشارع من الأحكام؛ فتصیر جزئاً للموضوع على نحو الطریقیة الخاصّة المعبّر عنها بالموضوعیة أو الصفتیة.

  •  فیصیر الشهر شهراً قمریاً هلالیاً شرعیاً؛ فی قبال الشهر القمری الحسابی،

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

136
  •  و الشهر القمری الوَسَطی، و الشهر القمری الهلالی الفلكی.

  •  فما ترى فی التقاویم المدوّنة، المستنتجة من الزیجات المستخرجة من الأرصاد، من تعیین الشهور، و مبادیها و خواتیمها إنّما هی الشهور الهلالیة النجومیة؛ لا عبرة بها عند الشارع.

  •  فالعبرة بتحقّق الرُّؤیة الخارجیة الفعلیة، و بها یصیر الشهر هلالیاً شرعیاً، تدور علیه الأحكام.

  • الكلام حول النقطة الثانیة

  •  و أمّا النقطة الثانیة، فنقول: قد برهنّا فی الموسوعة الاولى على أنّ القمر فی مبادی الشهور بعد خروجه عن المقارنة، و هی المحاق، لابدّ و أن یسیر فی مداره إلى حدّ یصیر قطره المنوّر الهلالی قابلًا للرؤیة و هذه المدّة تسمّى تحت الشعاع.

  •  فإذا خرج عن هذا الحدّ یصیر قابلًا للرؤیة؛ لأنّ المانع منها لیس إلّا محق نوره تحت احتجابه عن الشّمس فبخروجه یرتفع المانع؛ فیراه كلّ أحدٍ بعینٍ مجرّدةٍ عادیةٍ فی أوّل مبدء اللّیل.

  •  و مسیره هذا فی المدار لایقلّ من اثنتی عشرة درجةً من المقارنة؛ یطول أربعاً و عشرین ساعةً على أقلّ تقدیر و هو نصف مجموع حالة المحاق و تحت الشعاع كلّا و هی أربع و عشرون درجةً، البالغ زمان مكثه، ثمانی و أربعین ساعةً.

  •  فمدّة زمان الخروج عن الشعاع هی عین زمان سیره فی المدار عن المقارنة و ما فی حكمها فی محق نوره.

  •  و لا یحتاج بعد إلى سیره و بلوغه فی الافق مرتبةً یمكن للعین المجرّدة رؤیته، و هذا واضحٌ لمن له أدنى خبرةٍ بعلم النجوم.

  •  فالقمر بمجرّد خروجه عن الشعاع یكون قابلًا للرؤیة فی نقطةٍ ما؛ و هی أقرب أُفقٍ من الآفاق الأرضیة بالنسبة إلیه فی مغرب الشّمس؛ و قبله‌لایكون‌قابلًا لهاو لوبالآلات و الأجهزة.

  •  لأنّ الآلات لا تقدر على إرائة الهلال حال كونه تحت الشعاع، بإرائة القطر المنوّر الدقیق جدّاً، و لا على إرائة الهلال الواقع تحت الافق.

  •  بل إنّما تقدر على رفع حجاب الغیم و الأغبرة الدخانیة و المائیة و ما شابهها.

  •  فالمحاسبات الفلكیة لتعیین زمان رؤیة القمر عند خروجه عن الشعاع لیس إلّا لتعیین زمان ظهور الهلال، و تكوّنه و بلوغه مرتبةً قابلةً للرؤیة للعین المجرّدة.

  •  و قد تبین بما ذكرناه أنّ كلّ ما أُفید فیهذه النقطة ممّا لا طائل تحته.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

137
  •  هذا ثمّ إنّ ما أوردناه على الطریقیة المحضة لرؤیة الهلال إنّما هو على طریقیتها المحضة لهذه المرتبة؛ فقد برهنّا على أنّ ما هو المستفاد من الكتاب و السنّة و الإجماع المدّعى، طریقیتها المنحصرة للهلال البالغ لهذه المرتبة القابلة للرؤیة؛

  •  و معنى طریقیتها الانحصاریة، دخالتها فی ترتّب الأحكام الشرعیة بما هی رؤیة و طریق خاصٌّ و كاشفٌ مخصوصٌ؛ و هذا عین معنى الموضوعیة.

  • محطّ الطریقیة والموضوعیة كلتیهما هو كون القمر قابلًا للرؤیة

  •  و لم نعطف محطّ الطریقیة إلى كون الهلال فی مرتبةٍ غیر قابلةٍ للرؤیة، كحال خروجه عن الشعاع على ما تُوهّم، و محطّ الموضوعیة إلى كونه فی مرتبة قابلة لها، حتّى یختلف مورداهما كما أُفید.

  •  بل محطّها على كلا المسلكین واحدٌ؛ إنّا برهنّا على كون الهلال طریقاً انحصاریاً لدخول الشهر إذا رئی فی الافق، و الاستاذ ذهب إلى كونه طریقاً محضاً إلى خروجه عن تحت الشعاع.

  •  ثمّ إنّ ما هو دخیل فی الشهور، الرُّؤیة الفعلیة؛ و هی الظاهرة من النصوص‌و الفتاوى و الإجماع المدّعى؛ و هی محطّ النظر و الآراءِ؛ و المعتمد علیها عند الأصحاب‌الإمامیة رضوان اللَه علیهم؛ و صریح الشیخ و الفاضلَین و الجمهور. و أمّا الرُّؤیة التقدیریة فهی بمنزلة العدم.

  •  فإذن نلتزم بعدم دخول الشهر و لو علم بوجود الهلال فوق الافق بالتطوّق و الارتفاع و رؤیة ظلّ الرأس و ما شابهها و لو فیما یوجب العلم، و كذا بالقول الرصدی، و بالأجهزة الحدیثة إذا خرقت حجاب الغیم، و بقول معصوم مفیدٍ للیقین.

  •  لأنّ المعصوم لایخبرنا بدخول الشهر مع فرض كونه مترتّباً على الرُّؤیة و لما تتحقّق و لما یتم الموضوع؛ بل یخبرنا بوجود الهلال فقط بلا رؤیةٍ على الفرض.

  •  فهو أیضاً لا یرتّب على نفسه الأحكام المترتّبة على دخول الشهر من الصیام و نحوه؛ مع علمه بوجود الهلال و إخباره لنا به؛ فكیف بصیامنا و نحوه؛ و لا بُعد فی هذا.

  •  و من خالفكم إنّما یخالف فی كبرى المسئلة؛ و أمّا الصغرى فكثیراً ما یحصل العلم بوجود الهلال مع المحاسبات الدقیقة الریاضیة الهندسیة، المساوقة للبداهة و الوجدان؛ خصوصاً فی هذه الآونة التی انتهت دقّة المحاسبات الرصدیة إلى الواحد من عشرة آلاف جزءٍ من الثانیة

  •  تنبیهٌ و تبصرةٌ: إنّ محطّ خلافنا الأصلی مع الاستاذ مدّ ظلّه السامی إنّما هو فی‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

138
  •  لزوم الاشتراك فی الآفاق فی رؤیة الهلال، الراجع إلى لزوم كون الهلال فوق الافق فی كلّ ناحیةٍ و ما حواها؛ و عدم اللزوم الراجع إلى كفایة خروجه عن تحت الشعاع.

  •  و فی كلّ واحدٍ من المسلكین یمكن أن یتصوّر ثبوتاً دخالة الرُّؤیة على وجه الطریقیة، أو على وجه الموضوعیة كما یمكن أن یذهب إثباتاً، كلُّ واحدٍ من الطرفین إلى دخالتها على وجه الطریقیة، أو على وجه الموضوعیة فلا یلازم القول بلزوم الاشتراك مع القول بالموضوعیة، كما لا یلازم القول بعدم اللزوم القول بالطریقیة.

  •  لكن لما انجرّ البحث إلى كیفیة دخالة الرُّؤیة إثباتاً، أردنا فی طی هذه المباحث أن نستدلّ على طریقیتها الانحصاریة المعبّر عنها بالموضوعیة، تتمیماً للبحث.

  • الكلام حول النقطة الثالثة

  •  و أمّا النقطة الثالثة فنقول: إنّ للقمر بعد دخوله فی الشعاع إلى أن یخرج منه إلى أن یصیر قابلًا للرؤیة فی ناحیةٍ معینةٍ ثلاثَ حالات.

  •  الحالة الاولى، حال المقارنة مع الشّمس؛ فتنطبق الدائرة الظاهرة منه على الدائرة المستضیئة من شعاع الشّمس؛ فلا یرى، لأنّ نصفه الذی یسامت الأرض مظلم؛ و هذه الحالة تسمّى بالمحاق.

  •  الحالة الثانیة، حالة كونه تحت الشعاع؛ فهی فیما إذا خرج عن المقارنة؛ و حینئذٍ لابدّ و أن یرى على شكل هلالٍ ضعیف، كالخیط الدقیق فی غایة الدقّة؛ لكن أبصارنا لا تقدر على رؤیته و هو على هذه الدقّة و الضعف، إلى أن یسیر فی المدار، و یبعد عن الشّمس، حتّى یكبر هذا الخیط بابتعاده عنها، و یصیر القطر المنوّر له قابلًا للرؤیة بشكل الهلال؛ و هذه الحالة تسمّى تحت الشعاع.

  •  الحالة الثالثة، حالة خروجه عن الشعاع؛ فإذن إمّا أن یقارن و هو فی هذه الحالة غروبَ الشّمس بالنسبة إلى هذه الناحیة؛ فیرى لامحالة بشكل الهلال؛ و لا یحتاج بعد إلی‌سیره فی المدار، أو سیر الأرض نحو المشرق حتّى یصل إلى أُفق تلك المنطقة حین غروب الشّمس.

  •  لأنّا فرضنا تقارن خروجه عن الشعاع مع غروب الشّمس بالنسبة إلیها؛ و لیس معنى خروجه عن الشعاع إلّا صیرورته قابلًا للرؤیة.

  •  و أمّا أن لایقارن، بل خرج عن الشعاع و لما تغرب الشّمس عن هذه الناحیة؛ فالرُّؤیة حینئذٍ غیر ممكنةٍ لأنّ الأشعّة القاهرة الشمسیة تمنعنا عن الرُّؤیة.

  •  فلابدّ و أن تسیر الأرض نحو المشرق إلى حدٍّ تغیب الشّمس تحت الافق، فتطابَقَ المغربان و الافقان مغرب القمر و مغرب الشّمس؛ و دائرة انعكاس نور القمر على سطح‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

139
  •  الأرض و دائرة انعكاس شعاع الشّمس علیه؛ بمعنى غروب الشّمس قبل غروب القمر حتّى تكون دائرة انعكاس نور القمر على الأرض خارجةً عن دائرة انعكاس شعاع الشّمس علیها.

  •  ففی هذه الحالة حیثما یكون الرائی فی داخل دائرة انعكاس نور القمر و خارجاً عن دائرة انعكاس شعاع الشّمس یرى الهلال بالسهولة.

  •  إذا عُلم هذا فنقول: قد ذكرنا سابقاً أنّ الأرض كرویةٌ، لا یتمیز بعض أصقاعها عن بعض؛ و هی مع ذلك تدور حول نفسها مرّةً واحدةً فی أربع و عشرین ساعةً.

  •  فلا تمرّ لحظة من الأرض إلّا و ناحیةٌ منها تكون مقارنةً لغروب الشّمس فی ناحیةٍ، برٍّ أو بحرٍّ، سهلٍ أو جبلٍ؛ بمعنى اختفائها تحت أُفق هذه الناحیة، بخروج دائرة انعكاس ضوئها عنها؛ فإذا خرج القمر عن الشعاع فی أی لحظةٍ فرض، فلابدّ و أن یكون زمان ذلك الخروج مقارناً مع غروب الشّمس فی ناحیةٍ ما؛ فتنطبق دائرة نوره المنعكس على الأرض على هذه الناحیة لا محالة؛ فیصیر قابلًا للرؤیة بلا إشكال.

  •  ثمّ نقول: لما كان الخروج عن الشعاع معیناً فی العلوم الفلكیة فی كلّ شهر فی غایة الدقّة؛ و هذا الخروج یكون مقارناً مع غروب الشّمس فی ناحیةٍ ما بالضرورة؛ فإذن یصیر الهلال قابلًا للرؤیة فی ناحیةٍ ما بعد نفس خروجه عن الشعاع بلا ریب.

  •  فإذا جعلنا الرُّؤیة طریقاً محضاً، و كاشفةً صرفةً یلزم أن یكون الشهر الشرعی مساوقاً مع الشهر الفلكی دائماً فإذن تسقط الشهور المبدوّة بالرُّؤیة، و یصیر المیزان الشهور الفلكیة المبنیة على الجدول أو الحساب أو العدد، و قد ذكرنا أنّه مخالف لإجماع المذهب، و مخالف لصریح النصوص المتواترة و الفتاوى بلا شبهةٍ و إشكالٍ.

  •  و هذا محلّ إمعان النظر و الدقّة، فإنّ بحثنا هذا فی غایة الدقّة.

  •  لكن المورد لم یتأمّل مغزى ما أردناه، فأشكل بأنّ نقطة الخروج عن الشعاع لا یلازم إمكانیة الرُّؤیة و لا یلازم بلوغ القمر إلى تلك النقطة، بحیث یكون قابلًا للرؤیة، بل یمكن أن یكون الوقت فیه نهاراً فلا یزال القمر فی الآفاق و الدوائر الأرضیة التی تقابل ضوء الشّمس حتّى تغرب؛ و لم یعرف بأنّا لم نعین ناحیة الرُّؤیة نقطةً خاصّةً حتّى یرد علینا ما وَرد، بإمكان كونها نهاراً، و لا یرى القمر فیها إلّا إذا تطابق الافقان و المغربان.

  •  بل ذكرنا ناحیةً ما، أی ناحیةً غیر مشخّصة؛ فالأرض بحركتها الدوریة فی كلّ لحظة تقارن غروب الشّمس فی ناحیةٍ غیر مشخّصةٍ من أی النواحی.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

140
  •  فإذا خرج القمر عن الشعاع فی أی لحظةٍ فرضت، یقارن هذه الناحیة بالضرورة الكونیة.

  •  فنفس الخروج عن الشعاع وحده تُحقّق إمكانیة الرُّؤیة؛ و لا معنى لترقّب زوال أشعّة الشّمس عن المنطقة التی غربت عنها الشّمس.

  • الجواب عن النقطة الرابعة

  •  و أمّا النقطة الرابعة، و هی عدم محدودیة الآفاق المشتركة موضوعاً، لا زماناً و لا مكاناً؛

  •  فنقول: أوّلًا إنّ مجرّد عدم محدودیتها، و اختلافها فی الخارج فی الشهور المختلفة، لا یوجب رفع الید عن الحكم الثابت بالأدلّة؛ فهل یا ترى یمكن أن یلتزم فقیهٌ برفض الحكم و إبطاله بتّاً فیما إذا كان موضوعه غیر مشخّص و لا محدّدٍ عنده؛ و یلتزم بعمومیة الحكم لموضوع كلّی یندرج تحته جمیع جزئیاته: هذا الموضوع غیر المحدّد و غیره؟ فإذا دلّ الدّلیل على موضوعیة الرُّؤیة لدخول الشهور القمریة؛ ثمّ دلّ الدلیل على لزوم القضاء فی مصر لم تتحقّق فیه الرُّؤیة؛ لا یكون لنا مناصٌ إلّا الالتزام باتّحاد الآفاق المشتركة فی الرُّؤیة بالحكومة الشرعیة، و الحكم بسعة دائرة الرُّؤیة بالنسبة إلیها تعبّداً، بعین ما نحكم بسعة دائرة الرُّؤیة فی بلدةٍ واحدةٍ حقیقةً، إذا رئی الهلال فی ناحیةٍ منها و لم یرَ فی أُخرى.

  •  و هذا أحسن تقریب بأحسن بیان أوردناه فی المقام على كیفیة الحكومة و توسیع دائرة الرُّؤیة؛ بحیث لم یرفض الید عن الروایات الناصّة فی دخالة الرُّؤیة، و لم یلزم التخصیص فیها كما التزم به العلّامة فی التذكرة.

  •  و ذلك لأنّا لو خلّینا و أنفسنا مع خصوص ما دلّ على لزوم الرُّؤیة فی الشهور، لحكمنا بلزومها فی كلّ بلدةٍ بلدةٍ؛ و لو خلّینا و أنفسنا مع خصوص ما دلّ على لزوم القضاءِ فی ما لم تتحقّق الرُّؤیة، و لم تكن فی البین الأدلّة الناصّة على لزوم الرُّؤیة، لذهبنا إلى الشهور الفلكیة، و حكمنا بعدم لزوم الاشتراك فی الآفاق بلا تأمّلٍ. فالجمع بین هاتین الطائفتین من الروایات لا یجعل لنا مخرجاً و لا مفرّاً إلّا الالتزام بما یترتّب على أحكام الرُّؤیة فی كلّ ناحیة یكون الهلال موجوداً فی أُفقه، و كان المانع من الرُّؤیة وجود جبلٍ أو سحابٍ أو غیمٍ و نحو ذلك، و ترتُّبَ الآثار الشرعیة من الصیام ونحوه على تلك الآفاق؛ و عدم الالتزام به فیما إذا كان الهلال لا یكون موجوداً فی أُفقه حین دخول اللّیل فی تلك الناحیة بغیبوبة الشّمس تحت أُفقها.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

141
  •  و بعبارة أُخرى إنّ ما هو لازم فی الحكم بدخول الشهر هو الرُّؤیة الفعلیة إجمالًا، و الرُّؤیة الإمكانیة تفصیلًا لكلّ مكان.

  •  فمن مطاوی هذا البحث تولّد عنوان الاشتراك فی الآفاق، و عنوان عدم الاشتراك، تولّداً طبیعیاً.

  •  و ثانیاً، قد بحثنا بما لا مزید علیه، فی الموسوعة الاولى، من آخرصفحة ٤٣، إلى آخر صفحة ٤٥ فی كیفیة تعیین الضابطة الكلّیة.

  •  فبرهنّا على أنّ الآفاق المشتركة عبارة عن جمیع البلاد الغربیة القریبة العرض بالنسبة إلى مطلع القمر و جمیع البلاد الشرقیة التی كانت مشتركةً فی إمكان الرُّؤیة مع بلدٍ الرُّؤیة، و لو بلحظةٍ، الواقعة فی الطول الجغرافیائی بمسافة اثنتین و ثلاثین دقیقةً زماناً؛ و هی البالغة بأزید من مأة و ستّین فرسخاً.1

  •  و ثالثاً، إنّ رؤیة الهلال فی الآفاق المتحدة لیست موضوعاً واحداً لتكلیفٍ شخصی، حتّى یوجب اختلافها فی الشهور زماناً و مكاناً، الإبهام و الإجمال فی التكلیف.

  •  و ذلك، لأنّ التكالیف العامّة تنقسم على كلّ واحدٍ من آحاد المكلّفین على حسب القضیة الحقیقیة و معلوم أن لا إبهام و لا إجمال فی تكلیف كلّ فردٍ بالنسبة إلى نفسه؛ لأنّه إذا كان الهلال مشاهداً فی أُفقه، أو علم بمشاهدته فی أُفق قریب، یرى نفسه مكلّفاً؛ و إلّا فاستصحاب عدم الرُّؤیة أو استصحاب عدم دخول الشهر الجدید أو بقاء الشهر الماضی، لا یبقی مجالًا للشكّ فی التكلیف الحادث.

    1. لأنّ محيط کرة الأرض يساوي أربعين ألف کيلومتر، و إذا انقسم المحيط إلى ثلثمأة و ستّين درجةً يکون طول قوس الدرجة الواحدة منها أزيد من مأة وأحد عشر کيلومتراً؛
      ١١١/ ٣٦٠/ ١١١ ٤٠٠٠٠٠ثمّ إنّا نعلم بأنّ الأرض تدور حول نفسها مرّةً واحدةً في أربع و عشرين ساعةً ففي ساعةٍ تدور على مقدار خمس عشرة درجةً ١٥/ ٢٤ ٣٦٠، فکلّ درجةٍ منها تُطوى بأربع دقائق ٤/ ١٥ ٦٠؛ فمسافة اثنتين و ثلاثين دقيقةً زماناً تکون طول قوس ثمان درجاتٍ من الأرض ٨/ ٤ ٣٢؛ و يساوي طول هذا القوس من الأرض أزيد من ثمانمأة و ثماني و ثمانين کيلومتراً، الحاصل من ضرب المثال في مأة وأحدى عشرة کيلومتراً ٨٨/ ٨٨٨/ ٨* ١١١/ ١١١، ثمّ إنّا نعلم أنّ مسافة الفرسخ تبلغ خمس کيلومترات و نصف کيلومتر؛ فهذه المسأفة تزيد على مأة و ستّين فرسخاً ٦/ ١٦١/ ٥/ ٥ ٨٨٨/ ٨٨٨ هذا و لکنّا ذکرنا سابقاً أنّ هذا المقدار يفيد على بناء کفاية الهلال فوق الافق، لا على الرّؤية الفعلية.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

142
  •  تنبیهٌ، ما أفاد حفظه اللَه فی هذه النقطة من أنّ رؤیة الهلال كما قلنا تتحقّق نتیجة سیر القمر إلى جهة المغرب من الأرض وَهَمٌ؛ لأنّ جهة حركة القمر حول الأرض من المغرب إلى المشرق دائماً؛ كما أنّ جهة حركة الأرض حول الشّمس كذلك؛ و قد بینّاه فی صفحة ١٨ من الموسوعة الاولى.

  • الردّ على النقطة الخامسة

  •  أمّا النقطة الخامسة، فقد ذكرنا فی الموسوعة الثانیة بأنّ القول بعدم لزوم الاشتراك فی الآفاق یستلزم افتراض لیلة أوّل الشهر واحدةً فی جمیع النواحی التی تحلّ بها الظلمة من الكرة الارضیة فیؤدّی إلى أن یكون اللّیل فی الناحیة الواقعة شرق منطقة رؤیة الهلال منذ بدایته لیلة أوّل الشهر؛ مع أنّه فی بدایتها التی قد یكون قبلها باثنتی عشرة ساعةً فما دون، یكون القمر لا یزال تحت الشعاع؛ فلابدّ و أن یحسب من الشهر القادم، مع أنّ القمر حینئذٍ فی المحاق.

  •  فعبّر المجیب حفظه اللَه بأنّ هذه مشكلةٌ آثرتَها على المختار؛ مع أنّ جمیع ما أوردناه على هذا المذهب مشاكلُ ثمّ أجاب نقضاً و حلًّا.

  •  أمّا نقضاً فبما إذا افترضنا خروج الهلال عن الشعاع بنحو قابل للرؤیة بالعین المجرّدة مصادفاً للمغرب فی نقطةٍ على سطح الأرض مشتركة فی الافق مع نقطةٍ أُخرى فی شرق هذه النقطة تغرب فیها الشّمس من قبل.

  •  فإنّه فی مثل هذه القضیة یتحقّق خروج الهلال عن تحت الشعاع بالنسبة إلى النقطة الثانیة بعد المغرب بزمانٍ مع أنّه من ابتداء اللّیل یحسب من الشهر القادم.

  •  و أمّا حلًّا بأنّ رؤیة الهلال عند غروب الشّمس فی ناحیةٍ توجب لنا الحكم بأنّ النهار القادم بعد ذلك اللّیل من الشهر القادم فی جمیع النواحی التی تشترك مع منطقة الرُّؤیة فی ذلك اللّیل؛ لا النقاط التی لا تشترك معها فی تلك اللّیلة؛ بل یكون فیها نهاراً؛ لأنّه لا یصدق على ذلك النهار أنّه نهار ما بعد تلك اللّیلة التی هی لیلة الرُّؤیة.

  •  و الرّوایات الخاصّة الأمرة بقضاءِ صیام النهار ولو فی مصرٍ آخر، لا تدلّ على أزید من ذلك؛ لأنّها تدلّ على قضاءِ نهار القادم بعد لیلة الرُّؤیة.

  •  و لا یخفی ما فی كلا الجوابین من الخبط الواضح.

  •  أمّا فی النقض، فلانّ الهلال فی كلتا النقطتین المشتركتین قابلٌ للرؤیة؛ لأنّه لا معنى لاشتراك الآفاق إلّا كونها متّحدةً فی قابلیة الرُّؤیة.

  •  فمن المستحیل افتراض رؤیة الهلال فی نقطة من سطح الأرض عند غروب‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

143
  •  الشّمس مشتركة فی الافق مع نقطة أُخرى على طولٍ آخر فی مشرق هذه النقطة قد غربت الشّمس فیها من قبل، حین كون القمر تحت الشعاع. فرؤیة الهلال فی نقطةٍ عند غروب الشّمس، و عدم رؤیته فی النقطة الشرقیة المشتركة معها فی الافق حین تغرب الشّمس فیها من قبل؛ دلیلٌ على وجود مانعٍ خارجی من السُّحب أو الغیوم أوالجبال فی الناحیة الشرقیة من الرُّؤیة، بعد إمكانیة الرُّؤیة على الفرض من اتّحاد أُفقیهما.

  •  فالرُّؤیة فی النقطة الغربیة تكشف عن دخول الشهر فی النقطة الشرقیة من قبل، بها حلّ الشهر بعد تمامیة موضوعه، و هو إمكانیة الرُّؤیة بعد الخروج عن تحت الشعاع و الرُّؤیة الفعلیة فی الافق المتحد؛ و لا كلام لنا فیه.

  •  و أمّا فی الحلّ فلأنّه لیس محطّ البحث فی النواحی التی یكون فیها نهارٌ عند غشیان اللّیل نصف الكرة الأرضیة التی تشترك نواحیها مع نقطة الرُّؤیة فی الظلمة؛ لأنّه من المعلوم أنّ نهار تلك النواحی تابعٌ للیلها المتقدّم علیه.

  •  و إنّما البحث فی جمیع هذه الناحیة المظلمة التی تشترك مع ناحیة الرُّؤیة فی لحظةٍ واحدةٍ، إلى اثنتی عشرة ساعةً؛ و ربّما تكون أزید؛ و فی النواحی المعمورة البعیدة عن الاستواء ربّما یبلغ اللّیل عشرین ساعةً.

  • كفایة الرؤیة الإجمالیة توجب الحكم بدخول الشهر عند المحاق‌

  •  فقد أوردنا بأنّ قضیة عدم لزوم الاشتراك فی الآفاق توجب الحكم بدخول الشهر القادم فی جمیع هذه النواحی، مع أنّ القمر بعدُ فی المحاق.

  •  و هذا من بداهة البطلان بمكانٍ ینبغی أن یحسب من الأساطیر الوهمیة، أُضحوكةً للشابّ و الهرم.

  •  و ذلك لأنّ الشهر القمری المبدوّ برؤیة الهلال عند جمیع أهل الإسلام، بل جمیع أهل الأدیان بل الملل و الاقوام؛ یصیر حاله فی التنزّل إلى حدٍّ لا یقف بالرُّؤیة الفعلیة ولو فی نقطةٍ ما من بعیدٍ؛

  •  و لا یقف على إمكانیة الرُّؤیة أیضاً بخروجه عن تحت الشعاع؛ بل تنزّل إلى حدّ السقوط فی درك البوار یزعم أنّه موجودٌ فی عالم الفعلیة؛ مع أنّ مُوجِدَه و هو ظهور الهلال بعدُ باقٍ فی نطفة الاستعداد، محبوسٌ فی رحم المحاق؛ مظلم محجوبٌ تحت ظلمات ثلاث: ظلمة المحاق، و ظلمة تحت الشعاع، و ظلمة الخفاء فی الآفاق؛ فهل هذا إلّا من أخیلةٍ وهمیة؟

  •  فأین كنت یا لَلقرآن العظیم؟ إذ نادیتَ بصوتك المعجز الدائم الباقی العامّ‌

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

144
  •  لكلّ فردٍ فی العالم: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ.

  •  فهل یكون القمر فی المحاق، و لما یسمّى هلالًا، میقاتاً للناس، مبدئاً لعباداتهم و معاملاتهم و حجّهم و تاریخهم؟ و هل یدرك العالم و العامّی، الحضری و البدوی، هذا المبدء الوهمی، و یجعل مبدئاً لتاریخه؟ و هل یكون هذا معنى الشریعة السمحة السهلة، یباهی بها أهلُ الإسلام كافّة المذاهب و المكاتب فی العالم؟

  •  ألا و إنّ نتائج قلّة التأمّل، و المبادرة إلى رأی لا یستقیم على أُصولٍ متینةٍ، ممّا یضیق عن الإحاطة بها نطاق البیان.

  •  ثمّ إنّ المجیب حفظه اللَه نهض على كسر صولة هذه المشكلة، بالاستناد إلى المرتكزات العرفیة، مردِّداً بأنّ العرف إن اكتفى فی دخول الشهر الجدید بخروج الهلال عن تحت الشعاع بنحوٍ قابلٍ للرؤیة فی نقطةٍ مشتركةٍ معنا فی اللّیل، ولو كان المقدار الباقی منه عندنا أقلّ منه فی تلك النقطة فقد تطابق المستفاد من الروایات و المرتكزاتُ؛ و إلّا فلا أقلّ من أن یكون الحكم الشرعی بوجوب الصیام بمقتضى الروایات المذكورة منوطاً بذلك.

  •  لأنّه لا إشكال فی عدم وجود ارتكازٍ معاكسٍ على الخلاف، كی یتجرّأ به أن یرفع الید عن مقتضى ظهور أدلّة الباب، المتمثّلة فی الروایات الخاصّة التی استند إلیها فی اختیار القول بعدم لزوم الاشتراك فی الآفاق.

  •  و لا یخفی ما فیه من اتّهام العرف بوجود هذا الارتكاز أو عدم وجود الارتكاز المعاكس.

  •  لأنّ العرف لایقبل أبداً اشتراك نقطةٍ بعیدةٍ عن نقطة الرُّؤیة باثنتی عشرة أو عشرین ساعةً مثلًا فی دخول الشهر الجدید.

  •  و لا یلتزم بتّاً بأحكام الشهر القادم من أوّل اللّیل المنوط بخروج القمر عن تحت الشعاع، مع أنّه بعدُ فی المحاق؛ و من ادّعى فقد كابر و العرب بالباب.

  •  و أنت یا أیها المجیب! سَلْ نفسك بما أنّها من العرف، لا بما أنّها متّهمةٌ فی حدسها؛ هل تقبل و أنت فی النجف الأشرف، بعد تصرّم اللّیل، و قبل الفجر بدقیقةٍ، و جاء الخبر من نقطةٍ بعیدةٍ زماناً باثنتی عشرة ساعةً و مكاناً بفاصل نصف القطر المحیط، من وسط الاقیانوس الكبیر، بأنّ القمر خرج عن الشعاع ورئی فیهذه اللحظة فی هذا المكان، و هل تبنى على أنّ اللّیلة المتصرّمة من أوّلها إلى آخرها مع كون القمر فی المحاق من الشهر

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

145
  •  القادم؟

  •  و أعجب منه إذا جاء الخبر فی أوّل غروب الشّمس، و القمر بعدُ فی المحاق بأنّه سیخرج عنه بعد اثنتی عشرة ساعةً، فی وسط البحر المحیط، و یرى عندئذٍ، فهل تبنى من هذه اللحظة على أحكام الشهر القادم؟

  •  ثمّ الأعجب أنّه إذا لم یجئ خبر، لكنّك تعلم بالمحاسبة الرصدیة، أو الرجوع إلى قول الرصدی الثقة المدوّن فی الزیجات، خروجَه عنه كذلك؛ فهل تبنى على كون هذه اللّیلة لیلة أوّل الشهر القادم، مع افتراض ما هو المسلّم عندك من دخالة خروج القمر عن الشعاع فی تحقّق موضوع الشهر عرفاً، فی جمیع هذه التقادیر؟

  •  و المحصّل أنّ وجود الارتكاز المعاكس، على الخلاف عرفاً، خصوصاً مع ملاحظة تسجیل أذهان المسلمین جمیعاً على لزوم الرُّؤیة فی دخول الشهر، تبعاً لسنّة النبی الأعظم صلّى اللَه علیه و آله و سلّم، خاصّةً فی تلك الأزمنة التی تباعد البلاد بعضها عن بعضٍ زماناً، و عدم وصول الأخبار إلى الأقطار بتّاً، لا یبقی مجالًا لانعقاد ظهورٍ للمطلقات التی استند إلیها فی اختیار القول بعدم لزوم الاشتراك فی الآفاق، فی الإطلاق.

  •  فانصرافها بهذه القرینة الارتكازیة العرفیة و المتشرّعیة، إلى البلاد القریبة المتحدة فی الآفاق هو المتعین.

  • الجواب عن النقطة السادسة

  •  و أمّا النقطة السادسة فقد اعترف بأنّ المستفاد من روایات الصوم الأوّلیة، هو نسبیة رؤیة الهلال، و اختلافها بالنسبة إلى مناطق مختلفة؛ و الظاهر منها إناطة الحكم بإمكانیة الرُّؤیة فی كلّ منطقةٍ؛ إلّا أنّ ما جاء فی الروایات الخاصّة من كفایة حصول الرُّؤیة فی مصر، لتحقّق الشهر فی الجمیع، دلّ على عدم لزوم الاشتراك فی الآفاق.

  •  و فیه أنّه بعد كثرة الشواهد و القرائن الصارفة التی كاد أن تجعل هذه الروایات الخاصّة ناصّةً فی اختصاصها بالآفاق القریبة، بمثابة انجلاء الشّمس فی رابعة النهار؛ لا یبقى مجال للأخذ بالإطلاق.

  •  فالمحكَّم هو الأخذ بمفاد أدلّة الصوم و نحوه من الأحكام المترتّبة على الشهور، الدالّة على اختصاصها بمنطقة الرُّؤیة لیس غیر.

  •  و حمل مادلّ على كفایة الرُّؤیة فی مصرٍ على الأمصار المتقاربة، بمناط إمكانیة الرُّؤیة فی آفاقها ببلوغ الهلال فیها مرتبةً من الظهور فی نفسه، بحیث یكون قابلًا للرؤیة،

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

146
  •  لولا وجود سحاب و نحوه؛ على أساس الارتكاز العرفی، و تسجیل لزوم الرُّؤیة فی المجتمع الإسلامی من تعلیم نبیهم الخاتم صلّى اللَه علیه وآله و سلّم: صُومُوا لِرُؤْیتِهِ، و أفْطِرُوا لِرُؤْیتِهِ.

  •  فعلى هذا الارتكاز و التسجیل لا یفهم العرف أبداً من قوله علیه السّلام: فَإنْ شَهِدَ عِنْدَک شَاهِدَانِ مَرْضِیانِ بِأنَّهُمَا رَأیاهُ فَاقْضِهِ، إلّا البلد القریب الذی یمكن جعل الرُّؤیة فیه رؤیةً فی بلده، بالحكومة و توسیع دائرة الرُّؤیة بالنسبة إلیه، بمناط اتّحاد المكان من حیث وجود الهلال فی الافق، و المانع شئٌ عارضی، كالسحاب و الجبال و نحوهما.

  •  كما أنّه فی بلدٍ واحد متّسعٍ، إذا تحقّقت الرُّؤیة فی نقطةٍ منه، فهی كافیةٌ للحكم بها فی جمیع نواحیه لمناط وحدة المكان عرفاً.

  •  فالإمام علیه السّلام، كان یرید أن یوسّع دائرة اتّحاد المكان فی الرُّؤیة بالحكومة التشریعی؛ و یبین بأنّ المناط وجود الهلال فی الآفاق، و إمكانیة الرُّؤیة فی البلاد المتقاربة، بعد الرُّؤیة الفعلیة فی الجملة؛ و لا یرید أن ینقض قول المشرّع الأعظم صلّى اللَه علیه و آله و سلّم: صُومُوا لِرُؤْیتِهِ و أفْطِرُوا لِرُؤْیتِهِ.

  •  فلا یكاد یفهم العرف من إطلاق ألفاظ: البلد و مصر و البینة و جمیع أهل الصلوة، إطلاقها بالنسبة إلى جمیع أصقاع العالم؛ و بالنسبة إلى جمیع المسلمین القاطنین فی الربع المسكون، إلى أقصى البلاد المعمورة.1

  • التنبیه على أُمور؛ الاوّل: استقلال كلّ من الادلّة العلمیة والشرعیة

  •  ینبغی التنبیة على أُمور.

  •  الأوّل: قد عرف بما ذكرناه فی مطاوی هذه الموسوعات، أنّ المتكفّل لإثبات لزوم الاشتراك فی البلدان فی رؤیة الهلال، كلّ واحدة من الأدلّة العلمیة، و الأدلّة الشرعیة، بحذاءِ نفسها؛ لا ربط لإحدیهما بالاخرى كلّ الارتباط.

  •  و لذا ذهب المشهور إلى هذا المرام على أساس الأدلّة الشرعیة؛ و لم نجد فی‌

    1. و ممّا ينبّهک و يسدّدک و يؤيّدک على هذا المرام الذي بيّنّاه أنّه لم يُر من النبيّ صلّى اللَه عليه و آله و سلّم و من الأئمّة المعصومين سلام اللَه عليهم أجمعين في طوال القرون الثلاثة الأمر بقضاء صوم أهل بلدانهم من مکة و المدينة و الکوفة و بغداد و سُرّ من رآه و طوس مع إمکان دعوى العلم الإجماليّ برؤية الهلال في بلاد المغرب قبل رؤية أهل بلدهم بليلةٍ واحدة في طول هذه المدّة أزيد من ألف مرّة، وصل إليهم الخبر بعد زمان أم لم يصل و ذلک لانّ العلم الاجماليّ منجّز للتکليف؛ فعلى عهدة کلّ أحدٍ في مدّة عمره قضاء أيّام من الصيام حسب علمه إجمالًا برؤية من تقدّمه من بلاد المغرب؛ و حيث لم يکن في الروايات و التواريخ و السير عين و لا أثر من الأمر بقضاء الصيام بالعلم الاجماليّ علمنا عدم وجود تکليف برؤية من تقدّمهم بالرؤية (منه عفي عنه).

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

147
  •  كلامهم أن یعتمدوا فی ذلك على ما بین فی العلوم الفلكیة و الهندسیة، و ما شابههما من العلوم الطبیعیة و الریاضیة، إلّا قلیلًا.

  •  و أمّا نحن فقد باحثنا فی المقام على أساس كلّ واحدةٍ من العلوم الطبیعیة و الشرعیة مستقلًّا.

  •  فما أفاد المجیب حفظه اللَه من أنّ بحوثنا من الأدلّة و الروایات من الناحیة الشرعیة، وقعت على ضوء بحوثنا العلمیة فیما هو مرتبط بالموضوع من القضایا الفلكیة، غیر تامٍّ.

  •  ثمّ إنّ الظاهر منه تمامیة بحوثنا العلمیة فیما هو مرتبطٌ بالمقام، و الاعتراف بها جملةً؛ بخلاف الأدلّة الشرعیة؛ فلم یعترف بها كلّ الاعتراف.

  •  و فیه ما لا یخفی؛ لأنّه كیف یمكن أن یخالف الدلیل الشرعی ما هو مسلّم من العلوم العقلیة أو الطبیعیة المنتهیة إلى الأوّلیات و المسلمات و الوجدانیات و غیرها، ممّا یكون مأخذاً للبرهان؟ و كیف یمكن التعبّد بما هو غیر صحیح عند العقل أو الوجدان؟ مع أنّ التشریع منطبقٌ على التكوین؛ و حاشا لمذهب الإسلام، مع ارتفاع بنیانه، أن تكون قاعدةٌ من قواعده، على خلاف العقل الصریح، أو مخالفةً لواقعیةٍ خارجیةٍ، أو یكون أُسٌّ من أُسسه مبنیاً على التخیل و التوهّم، خلافَ المنطق الصحیح واقعاً على شفا جرف هارٍ؛ مع ندائه الصریح بالقول الفصل الذی لیس بالهزل:

  • فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ.1

  • التنبیه الثانی: الجهات الاصلیة لتعقیب المباحث‌

  •  التنبیه الثانی: إنّ ما أوردناه فی الموسوعة الاولى، ثمّ فی هاتین الموسوعتین، لیس حمایةً لمذهب المشهور صرفاً.

  •  و لیس على مبنى الخوف من استیجاب مزیدٍ من الأوهام، و اضطراب العوامّ، و كثرة الشجار و القیل و القال كما أُفید؛ لأنّه لا یعبأ بهذه التمویهات. قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ‌.2

  •  و لیس على أساس الخطابة و النصح المجرّد، للجهات الخارجیة، لملاحظة

    1. الآية ٣٠، من السورة ٣٠: الرّوم.
    2. الآية ٩١، من السورة ٦: الانعام.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

148
  •  الظروف و الملابسات و المقامات و المقتضیات؛ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى‌ وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ.1 و لا على تحمیل رأی و مؤاخذةٍ على ما لاینبغی. الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَ عِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى‌ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ؛2 إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.3 بل لما رأینا أنّ فتوى عدم لزوم الاشتراك فی الآفاق، خلاف للموازین العلمیة و للجهات الشرعیة.

  •  و ما أُفید من ابتناء الشهور القمریة على مجرّد نفس خروج القمر عن تحت الشعاع، بما أنّه حادثةٌ سماویةٌ غیر مرتبط ببقاع الأرض، غیر تامٍّ.

  •  و ما أُفید من دلالة المطلقات، مجروحٌ بجهاتٍ من الإیراد من القرائن العقلیة و النقلیة على الخلاف و بداهة الانصراف.

  •  و نسبة هذه الفتوى إلى العلّامة فی المنتهى، و الشهید فی الدروس، غیر صحیحةٍ.

  •  و التزام صاحب الحدائق بها مبنی على تسطیح الأرض، و صاحبِ الجواهر على تسطیحها أو على صغر الربع المسكون إلى سعة السماء و نحو ذلك؛ ممّا هو باطلٌ بالضرورة.

  •  و ما فی كلام النراقی و المحدّث الكاشانی و السید الحكیم، جهات من الإشكال.

  •  و نسبة فتوى المشهور إلى قیاسهم رؤیة القمر الخارج عن الشعاع، بطلوع الشّمس و غروبها و ما لها من المشارق و المغارب، باطلةٌ.

  •  و لیس كلّ من كانت فتواه مطابقةً لفتوى الشیخ قدّس اللَه نفسه من المقلّدة.

  •  فلم نتمكّن إذاً على الاختلاف الشدید، الموجب لترك الجماعات، و سقوط الابّهة و العظمة و بروز النفاق فی عید الفطر؛ على مبنى فتوى غیر صحیحةٍ.

  •  فأتعبنا أنفسنا مع كثرة الشواغل و المشاغلٍ التی تحیط بنا من كلّ صوبٍ، بتحریر

    1. الآية ١٢٠، من السورة ٢: البقرة.
    2. الآية ٣٥، من السورة ٤٠: الغافر.
    3. الآية ٥٦، من السورة ٤٠: الغافر.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

149
  •  رسالةٍ استدلالیة إلى فقیهٍ نبیهٍ، له حقُّ علینا فی الدراسة و التعلیم. كی یرفع اللَه بها الخلاف، و یقع الحجر على أساسه الأصلی، و تعود السنن.

  •  و الحمد لله عادت فی عید الفطر الماضی على موضعها، و لم یوجد خلاف فی جمیع قطر الشیعة.

  • التنبیه الثالث: أخذ الإطلاقات ورفض روایات الرؤیة، متنافیان‌

  •  التنبیه الثالث إنّ مصادر الخلاف بین أصحابنا الاصولیین و إخواننا الأخباریین، و إن كانت كثیرةً؛ و مواقع الردّ و الإیراد بینهم، و الطعن و الدقّ دائمةٌ على ما هو المشهود من كتبهم المدوّنة؛ إلّا أنّ محطّ جمیع موارد اختلافاتهم، موردٌ واحدٌ؛ و یرجع كلٌّ من منازعاتهم إلى محلٍّ فاردٍ و هو أنّ الأخباریین یأخذون ظواهر الأخبار الواردة عن أئمّتنا المعصومین علیهم السلام، بلا تحقیقٍ كافٍ فی أسناده غالباً، و لا فحص تامٍّ عن القرائن العقلیة و النقلیة، الموجبة لصرف ظواهرها إلى المحطّ الأصلی المشهود فی مدلولهما.

  •  و أمّا الاصولیون فهم أدقّ نظراً بمواقع القرائن المتصلة و المنفصلة، المقالیة، و المقامیة؛ و لا یأخذون خبراً إلّا بعد الفحص التامّ عن سنده، و لا ظهور روایةٍ إلّا بعد ملاحظة جمیع الجوانب التی یحتمل وجود ما یصرف الظهور إلى غیره.

  •  فما أُفید فی المقام من الإصرار على أخذ ظهور الإطلاقات الواردة فی قضاءالصیام، ثمّ الإصرار على إسقاط ظهور الروایات الواردة فی دخالة الرُّؤیة، عن الموضوعیةإلى الطریقیة المحضة؛ ممّا یجعل الباحث على القطبین المختلفین، من الإفراط فی الأوّل و التفریط فی الثانی.

  • التنبیه الرابع: موضوعیة الرؤیة لكلّ أُفق، تُناسب الشریعة السمحة السهلة

  •  التنبیه الرابع قد روى الشیخ الطوسی بإسناده فی التهذیب عن أبی أُسامة زیدٍ الشحّام أو غیره، و روى الصدوق بإسناده فی من لا یحضره الفقیه و فی المجالس عن زیدٍ الشحّام قال: صَعَدْتُ مَرَّةً جَبَلَ أبِی قُبَیسٍ وَ النَّاسُ یصَلُّونَ المغْرِبَ، فَرَأیتُ الشَّمْسَ لم تَغِبْ، إنَّمَا تَوَارَتْ خَلْفَ الجَبَلِ عَنِ النَّاسِ؛ فَلَقِیتُ أَبَا عَبْدِ اللَهِ عَلَیهِ السَّلَامُ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ‌. فَقَالَ لِی: و لِمَ فَعَلْتَ ذَلِک؟ بِئْسَ مَا صَنَعْتَ؟؛ إنَّمَا تُصَلِّیهَا إذَا لم تَرَهَا خَلْفَ جَبَلٍ، غَابَتْ أوْ غَارَتْ، مَا لم یتَجَلَّلْهَا سَحَابٌ أوْ ظُلْمَةٌ تُظِلُّهَا؛ و إنّما عَلَیک مَشْرِقُک و مَغْرِبُک؛ و لَیسَ عَلَى النَّاسِ أنْ یبْحَثُوا.

  •  و أورده فی الوسائل فی كتاب المواقیت من الصلوة، و أشار إلیه فی باب ثبوت رؤیة الهلال بالشیاع و بالرُّؤیة فی بلدٍ آخر قریبٍ فی كتاب الصوم.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

150
  •  و هذه الروایة و إن وردت فی باب المواقیت من الصلوة، إلّا أنّه یمكن أن یستفاد من قوله علیه السّلام: وإنَّمَا عَلَیک مَشْرِقُک و مَغْرِبُک،1 تنقیح مناط كلّی فی باب الصیام و غیره، بلزوم الرُّؤیة فی كلّ بلدٍ لدخول الشهور القمریة؛ و لا أقلّ من التأیید.

  •  حیث إنّه علیه‌السّلام بعدتوبیخه عن بحثه عن‌الشّمس خلف الجبل حصروظیفته‌بالأخذ بما هو المشرق و المغرب عنده بلا تجاوزٍ عنه؛ كأنّه قال أیضاً: و إنّما علیك رؤیتك؛ كما ورد نظیر هذا التعبیر فی روایات باب الرُّؤیة خصوصاً مع ما هو المشهود من ابتناءِ أحكام الإسلام، على الموضوعات السهل التناول.

  •  و لذا لم یجعل مدار شهوره على السنة الشمسیة المبنیة على الحساب، بلا استمساكٍ بالرُّؤیة الخارجیة يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ.2

  •  فموضوعیة الرُّؤیة لكلّ أُفقٍ، توجب سهولةً تناول الشهور لترتّب الأحكام، فی‌

    1. و لنعم ما أفاد العالم الفاضل الفلکيّ آية اللَه الشيخ أبوالحسن الشَّعرانيّ رحمه اللَه في حاشيته على الوافي ج ٢ کتاب الصوم ص ٢٢ ردّاً على ما ذهب إليه الفيض القاسانيّ من عدم الفرق بين البلاد القريبة و البعيدة في لزوم القضاء إذا غمّ هلال رمضان في تسع و عشرين من شعبان إذا شهد أهل بلدٍ آخر برؤيته بقوله رحمه اللَه: العادة قاضية بأنّ الشهادة من أهل بلدٍ قريب کمکة بالنسبة إلى اهل المدينة و الکوفة إلى بغداد. و ذلک لأنّ المسأفرة من البلاد البعيدة کبَلخ و مَرو و بُخارا إلى الکوفة و المدينة کانت تطول شهوراً بعد أن مضي شهر رمضان و انصرف الأذهان و توجّه الهمم من الصوم إلى أُمور أُخر و لا يسأل أحدٌ أحداً عن الهلال و ربّما ينسون أوّل الشهر أنّه أيّ يوم کان و الهلال کنصف النهار و نصف اللّيل و الطلوع و الغروب يختلف باختلاف البلدان فيجب أن يختلف الرؤية أيضاً فيحسب الاربعاء في الصين مثلًا آخر شعبان و في طنجة أوّل رمضان لأنّ الغروب في الصين قبل الغروب في طنجة بعشر ساعات و يمکن أن لا يکون الهلال ظاهراً في ساعة و يظهر بعد عشر ساعات و کما أنّ المتبادر من الغروب و الزوال في کلّ بلدٍ الغروب و الزوال في ذلک البلد فکذلک صُمْ لِلرُّؤْيَةِ و أفْطِرْ لِلرُّؤْيَةِ أي لرؤية ذلک البلد ألا ترى أنّ قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوک الشَّمْسِ، ليس معناه أنّ المکيّ يجب عليه إقامة الصلاة إذا دلکت الشّمس في الصين أو في المغرب بل إذا دلکت في مکة فکذلک صُمْ لِلرُّؤْيَةِ و أفْطِرْ لِلرُّؤْيَةِ؛ فالصينيّ لم ير الهلال و لا يجب عليه الصوم و الطنجيّ رآه فوجب و ليس الغروبان في ساعة واحدة بل کانا ليوم مسمّى باسم واحد و أوّل ليلة الأربعاء في طنجة إنّما تکون بعد مضيّ عشر ساعات من ليلة الأربعاء في الصين ألا ترى أنّک تفطر في بلدک لأنّ الشّمس غربت عنک و في هذا الوقت بعينه لا يجوز الإفطار لأهل الکوفة لأنّ الشّمس لم تغب عنهم بعد انتهى ما أفاده رحمه اللَه. (منه عفي عنه)
    2. الآية ١٨٥، من السورة ٢: البقرة.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

151
  •  حقّ كلّ حاضر و مسافر فی البرّ و البحر، أو قاطنٍ على قلّة جبلٍ أو أكمهٍ أو بطن وادٍ، أو مسافر مع خدمه و حشمه و خیمه طوال السنة، فی الأماكن المعمورة المتناسبة، كالایلات.

  •  و أمّا البناء على عدم لزوم الاشتراك فی الآفاق، یوجب مزید غموضٍ و إشكالٍ و تحیر فی الناس، و یضطرّهم إلى الرجوع إلى أقوال الرصدیین، بلزوم أخذ مستخرجاتهم فی التقاویم و غیرها؛ أو البناء فی غالب شهورهم على الشكّ و استصحاب عدم الهلال.

  •  كما أنّ بناء المواقیت فی الصلوات إنّما هو على موضوعاتٍ سهل التناول كالزوال و الغروب و العصر المعلوم بظلّ الشاخص و العشاءِ المعلوم بذهاب الحمرة المغربیة و تبین الفجر الصادق.

  •  و هذه المواقیت معلومة لكلّ أحدٍ حضری و بدوی، برّی و بحری عالمٍ بالعلوم الریاضیة و جاهلٍ بها فلو كانت مواقیت الصلوات منوطةً بالساعات المستخرجة من التقاویم، لما تمكّن من تناولها الجمیع، و انحصرت فی بعض الطوائف من الناس، أو وقع الناس فی العسر العظیم و الحرج الشدید.

  •  كلّ ذلك فی الصلاة و الصوم و الحجّ و ما شابهها، ممّا لا تساعده الشریعة السمحة الغرّاء. وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ؛1 وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ‌.2

  • التنبیه الخامس: الكلام حول الاستدلال بصحیحة محمّد بن عیسى‌

  •  التنبیه الخامس، أنّ كتاب سبیل الرشاد فی شرح كتاب نجاة العباد للسید أبی تراب الخوانساری قدّه لم یكن بأیدینا حین تألیف الموسوعة الاولى، كی نطالعه و نلاحظ مواقع الاستدلال فیه على عدم لزوم الاشتراك فی الآفاق.

  •  و قد وهبنا اللَه تعالى فی هذه الآونة؛ و بعد ما طالعناه وجدنا أنّ من جملة ما استدلّ به على مرامه صحیحة محمّد بن عیسى المرویة فی التهذیب بإسناده عنه قال: كَتَبَ إلَیهِ أبُوعَمْروٍ: أخْبِرْنِی یا مَوْلَای أنَّهُ رُبَّمَا اشْكَلَ عَلَینَا هِلَالُ شَهْرِ رَمَضَانَ وَ لَا نَرَاهُ؛ و نَرَى السَّمَآءَ لَیسَتْ فِیهِ عِلَّةٌ؛ و یفْطِرُ النَّاسُ وَ نُفْطِرُ مَعَهُمْ؛ وَ یقُولُ قَوْمٌ مِنَ الحسَّابِ قِبَلَنَا أنَّهُ یرَى فی تِلْكَ اللَیلَةِ بَعَینِهَا بِمِصْرَ وَ إفْرِیقِیةَ وَالأنْدُلُسِ؛ هَلْ یجوزُ یا مَوْلَای مَا قَالَ الحسَّابُ فی هَذَا البَابِ، حَتَّى یختَلِفَ الفَرْضُ عَلَى أهْلِ الأمْصَارِ، فَیكُونُ صَوْمُهُمْ‌

    1. الآية ٧٨، من السورة ٢٢: الحجّ.
    2. الآية ١٠٧، من السورة ٢١: الانبياء.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

152
  •  خِلَافَ صَوْمِنَا وَ فِطْرَهُمْ خِلَافَ فِطْرِنَا؟

  •  فَوَقَّعَ عَلَیهِ السَّلَامُ‌: لَا تَصُومَنَّ بِالشَّک، أفْطِرْ لِرُؤْیتِهِ و صُمْ لِرُؤْیتِهِ.

  •  و رواه فی الوسائل فی باب أنّه لا عبرة بأخبار المنجّمین، و أهل الحساب.

  •  طریق الاستدلال: أنّ النهی عن الصوم لأجل كونه شاكّاً من قولهم كالصریح فی أنّه لو كان قاطعاً برؤیة أهل تلك البلاد، لكان له حكمهم، و الحال أنّها من البلاد البعیدة بالنسبة إلى بلاد الراوی كما لا یخفی.

  •  بل و ظاهر السؤال أنّ فی استخراج أهل الحساب أیضاً إنّما كان ممكن الرُّؤیة فی تلك البلاد خاصّةً، دون بلدٍ الراوی كما لا یخفی.

  •  و احتمال أن یكون المراد أنّ الرُّؤیة فی تلك البلاد موجبةٌ للشكّ فی إمكان الرُّؤیة فی بلدك، فلا تصم لأجل ذلك؛ فیدلّ على أنّ العبرة ببلد المكلّف خاصّةً، كما ترى خلاف الظاهر جدّاً ولو بالنظر إلى أنّه لو كان المراد ذلك لقال: صم بالرُّؤیة فی بلدك صریحاً، و لم یأمر بالصوم بالرُّؤیة بقولٍ مطلقٍ الذی هو فی مقابل العمل بقول أهل الحساب و نحوه من الامور الظنّیة، كما أشرنا إلیه مراراً، و إلى أنّ من البعید فرض الشكّ فی إمكان الرُّؤیة فی بلد الراوی، بعد فرض عدم رؤیة جمیع الناس طرّاً، مع عدم العلّة فی السماءِ، و كونه فی استخراج أهل الحساب غیر ممكن الرُّؤیة.

  •  فلیس إلّا الشكّ فی الرُّؤیة فی تلك البلاد، لقول أهل الحساب بإمكان الرُّؤیة فیها انتهى.

  •  أقول: فقه الحدیث یدلّنا على أنّ السائل لم یرد سؤال تكلیفه بالصیام عن الإمام علیه السّلام، و لم یشكل علیه شهر رمضان بالنسبة إلى بلده حیث صرّح فی سؤاله بأنّه لم یر الهلال و لم یره الناس و لیست فی السماء علّة؛ و الظاهر منه أیضاً أنّ فی استخراج أهل الحساب كانت الرُّؤیة ممتنعةً فی بلده حیث علّق إمكان الرُّؤیة على قولهم بتلك البلاد النائیة خاصّةً.

  •  بل كان بانیاً على عدم دخول شهر رمضان فی بلده، على ما هو المرتكز فی ذهنه و أذهان الناس، من لزوم الرُّؤیة فیه بخصوصه.

  •  و على هذا الأساس بنى على الإفطار قطعاً كإفطار الناس.

  •  و لم یظهر من سؤاله هذا أدنى توهّم شكٍّ و شبهةٍ بالنسبة إلى إفطاره و إفطارهم.

  •  و إنّما سأل عن أمرٍ آخر؛ و هو جواز اختلاف الآفاق فی الرُّؤیة و عدمه؛ و أنّه هل تجوز الرُّؤیة فی بلدٍ، فیترتّب علیها أحكام الصیام، و عدم الرُّؤیة فی آخر، فلا یترتّب علیها

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

153
  •  أحكامه، أم لا؟ بعد مفروغیة ترتّب الصیام فی كلّ بلدٍ على الرُّؤیة فی ذلك البلد.

  •  فلذا صرّح بأنّ قوماً من الحسّاب ذهبوا إلى رؤیته فی تلك اللّیلة بعینها فی تلك الآفاق البعیدة، فهل یجوز ما قاله الحسّاب حتّى تختلف الآفاق و یختلف الفرض على أهل الأمصار، ببیان ما هو مرتكزٌ فی ذهنه من ترتّب الصیام على الرُّؤیة لیس غیر، معبِّراً عنه بأنّه هل یمكن بأن یكون صومهم خلاف صومنا، و فطرهم خلاف فطرنا؟

  •  فتبین أنّه لم یكن بصدد تكلیف نفسه فی بلده أبداً، بل كان متیقّناً على أنّه لم یؤمر بالصیام لمكان عدم الرُّؤیة عنده.

  •  بل كان بصدد أن یعرف تكلیف القاطنین فی تلك البلاد، بأنّهم هل یمكن أن یصوموا لمكان الرُّؤیة الحاكیة عنها طائفة الحسّاب، و یفطروا لمكان الرُّؤیة فی بلادهم أیضاً باختلاف آفاقهم مع أُفقه؛ أم لا یجوز ما قاله الحسّاب؛ فیكون جمیع الآفاق متّحدةً فی إمكان الرُّؤیة و عدمه؟

  •  و إذا لم یجز ما قاله الحسّاب، فلمكان استهلاله فی آفاقه و عدم الإهلال مع فقدان علّة فی السماءِ علم عدم وجوده فی تلك الآفاق أیضاً، فعلم بطلان قول الحسّاب.

  •  و ممّا ذكرنا یظهر أنّ قوله فی أوّل سؤاله: بأنّه ربّما أشكل علینا هلال شهر رمضان، لم یكن المراد تردّداً و إشكالًا فی وظیفته من الصیام قطعاً.

  •  بل المراد تحقّق الإشكال من حیث إمكان دخول شهر رمضان فی ناحیةٍ كإفریقیة و الأندلس، و عدم دخوله فی ناحیةٍ أُخرى كبلده، و عدم إمكانه.

  •  و یظهر أیضاً أنّ ما وقّع علیه السّلام بقوله‌: لَا تَصُومَنَّ بِالشَّک؛ أَفْطِرْ لِرُؤْیتِهِ وَ صُمْ لِرُؤْیتِهِ، لم یكن بیان تكلیفه فی بلده و هو فی هذه الحالة من الیقین على عدم دخول الشهر.

  •  بل كان بصدد بیان قاعدةٍ كلّیةٍ لجمیع الأفراد فی كلّ مكانٍ، فی قالب الخطاب الشخصی، بأنّ المدار على الرُّؤیة الفعلیة؛ و لا عبرة بقول المنجّمین الموجب للشكّ.

  •  فكلّ أحدٍ فی أی بلدةٍ من البلاد، إذا تحقّقت الرُّؤیة یصوم، و إلّا فلا یصوم؛ نظیر الخطابات القرآنیة فیما یكون المخاطب فیها خصوص النبی صلّى اللَه علیه و آله و سلّم، و المراد بیان تكلیف قاطبة المكلّفین.

  •  فعلم ممّا ذكرنا أنّ هذه الروایة من حیث دلالتها على مفروغیة الرُّؤیة الفعلیة فی كلّ ناحیةٍ فی ذهن السائل و عدم ردعه علیه السّلام أوّلًا،

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

154
  •  ثمّ السؤال عن إمكان تحقّق الاختلاف فی الآفاق حتّى یكون تكلیف كلّ ناحیةٍ على مدار الرُّؤیة فیها بخصوصها و عدم ردعه علیه السّلام كذلك ثانیاً،

  •  ثمّ بیان القاعدة الكلّیة بأنّ المدار على الرُّؤیة الفعلیة، لا على الشكّ ثالثاً،

  •  لابدّ و أن تحسب من الروایات الدالّة على لزوم الاشتراك فی الآفاق، لا من الأدّلة الدالّة على عدم اللزوم كما ذهب إلیه السید قدّس سرّه.

  • التنبیه السادس، والتنبیه السابع‌

  •  التنبیه السادس: ذهب هذا السید قدّه على أنّ ممّا یدلّ على عدم لزوم الاشتراك فی الآفاق فی رؤیة الهلال ورود النصوص المتواترة و الإجماع بل الضرورة أیضاً على أنّ شهر رمضان إمّا ثلاثون یوماً و أمّا تسعة و عشرون.

  •  و ذلك لأنّه على مقالة المشهور من لزوم الاشتراك فی الآفاق یلزم أن یكون شهر رمضان أحداً و ثلاثین یوماً أو ثمانیةً و عشرین، فی حقّ من رأى هلال شهر رمضان فی بلده ثمّ سافر إلى بلدٍ آخر یخالفه فی الحكم حیث إنّه بانتقاله إلیه یتبدّل حكمه لا محالة.

  •  و فیه ما لا یخفی، لأنّ مدار الثلاثین أو تسعة و عشرین إنّما هو فی حقّ القاطنین فی كلّ بلدةٍ، و المسأفرین إلى بلادٍ متقاربةٍ تتّحد فیها الآفاق، بعین ما بینّا مورد الانصراف فی مطلقات القضاءِ بالآفاق القریبة المتحدة بإمكانیة الرُّؤیة؛ لا فی حقّ من سافر نادراً من قطرٍ إلى قطرٍ.

  •  كما أنّ مطلقات آیات المواقیت فی الصلوة و أخبارها منصرفة إلى المكلّفین الساكنین فی النواحی المعمورة المعتدلة من الأرض؛ لا فی حقّ من خرج عن المعمورة، و لم تكن فیها مواقیت، من زوالٍ و غروبٍ و فجرٍ و نحوها و هذا واضحٌ.

  •  التنبیه السابع: روى الكلینی فی الكافی و الشیخ فی التهذیب‌1 و الصدوق فی من لا یحضره الفقیه و الطبرسی فی مجمع البیان فی تفسیر سورة القدر، كلّ واحدٍ منهم بإسنادهم عن علی بن أبی حمزة الثُّمالی، قال: كُنْتُ عِنْدَ أَبِی عَبْدِ اللَهِ عَلَیهِ السَّلَامُ، فَقَالَ لَهُ أبُو بَصِیرٍ: جُعِلْتُ فِدَاكَ اللَیلَةُ التی یرْجَى فِیهَا مَا یرْجَى؟ فَقَالَ: فی لَیلَةِ إحْدَى وَ عِشْرِینَ أوْ ثَلَاثٍ وَ عِشْرِینَ. قَالَ: فَإنْ لم أقْوِ عَلَى كِلْتَیهِمَا؟ فَقَالَ: مَا أیسَرَ لَیلَتَینِ فِیمَا تَطْلُبُ. قَالَ: قُلْتُ: فَرُبَّمَا رَأینَا الهلالَ عِنْدَنَا، و جَآءَ مَنْ یخبِرُنَا

    1. في کتاب الصلوة في باب فضل شهر رمضان و الصلاة فيه زيادةً على النوافل المذکورة في سائر الشهور.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

155
  •  بِخِلَافِ ذَلِكَ مِنْ أرْضٍ اخْرَى؟

  • فَقَالَ: مَا أیسَرَ أرْبعَ لَیالٍ تَطْلُبُهَا فِیهَا.1 و أورده فی الوسائل فی كتاب الصیام باب ٣٢ تعین لیلة القدر و أنّها فی كلّ سنة و تأكّد استحباب الغسل فیها و إحیائها بالعبادة...

  •  ربّما تُوهّم من هذا الحدیث عدم لزوم الاشتراك فی الآفاق، حیث إنّ قوله علیه السّلام‌: مَا أیسَرَ أرْبَعَ لَیالٍ تَطْلُبُهَا فِیهَا، یدلّ على لزوم الأخذ بالهلال المرئی فی الافق الذی جاء منه الخبر، قبل رؤیته فی أُفق السائل.

  •  و فیه لو كان كذلك لتعین اللّیلة التی یرجى فیها أیضاً فی لیلتین، لكنّهما على حساب الرُّؤیة فی الافق الذی جاء منه الخبر، لا أربع لیالٍ.

  •  فمراده علیه السّلام بالأخذ بأربع لیالٍ لیس إلّا من باب الأخذ بالحائطة؛ بأنّه إن كانت اللّیلة التی رئی فیها الهلال، هی أوّل الشهر بالنسبة إلى أُفقه، فاللّیلتین المذكورتین ظرفٌ للمطلوب، لكون لیلة القدر فی إحدیهما لا محالة؛ و إن كانت لیلة أوّل الشهر هی اللّیلة التی رئی فیها القمر من قِبَل المخبر، وخفی الهلال عندئذٍ فی أُفق السائل، لغیمٍ أو سحابٍ و نحوهما، فاللّازم إحیاء لیلتین أُخریین أیضاً قبل هاتین اللّیلتین، رجاءً لإدراك لیلة القدر فی إحدیهما.

  •  بل هذه الروایة للقول بلزوم الاشتراك فی الآفاق أدلّ.

  •  لأنّه لو لم یلزم الاشتراك فیها لتعین أن یجیب علیه السّلام بإحیاء لیلتین أُخریین فقط على حساب الرُّؤیة فی أُفق المخبر بالخبر، لاختلاف أُفقه مع أُفق السائل؛ فیلزم الأخذ برؤیة الهلال فیه، بنائاً على عدم لزوم الاشتراك؛ فعدم التعیین دلیلٌ على لزوم‌

    1. تتمة الحديث: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِداک لَيْلَةُ ثَلاثٍ وَ عِشْرينَ لَيْلَةُ الجُهَنيّ؟ فقال: إنّ ذلک ليقال. قال جُعِلْتُ فِداک إنَّ سُلَيمانَ بْنَ خالِدٍ رَوَى في تِسْعَ عَشْرَةَ يُکتَبُ وَ فْدُ الحاجِّ. فَقالَ لِي: يا أبا مُحَمَّدٍ وَفْدُ الحاجِّ يُکتَبُ في لَيْلَةِ القَدْرِوَ المنايا وَ البَلايا وَ الأرْزاق وما يَکونُ إلى مِثْلِها في قابِلٍ فَاطْلُبْها في لَيْلَةِ إحْدَى وَعِشْرينَ وَثَلثٍ وَ صَلِّ في کلِّ واحِدَةٍ مِنْهُمَا مِأةَ رَکعَةٍ و أحْيِهِمَا إنِ اسْتَطَعْتَ إلَى النّورِ وَ اغْتَسِلْ فيهِما قالَ: قُلْتُ و إنْ لم أقْدِرْ عَلَى ذَلِک و أَنَا قآئمٌ؟ قالَ فَصَلِّ و أنْتَ جالِسٌ قُلْتُ فَإنْ لم أسْتَطِعْ قالَ فَعَلَى فِراشِک قُلْتُ فَإنْ لم أسْتَطِعْ قالَ: لا عَلَيْک أنْ تَکتَحِلَ أوَّلَ اللَيْلِ بِشَيئٍّ مِنَ النَّوْمِ و إنَّ أبْوابَ السَّمآءِ تُفْتَحُ في رَمَضانَ و تُصْفَدُ الشَّياطينُ و تُقْبَلُ أعْمالُ المؤْمِنِينَ، نِعْمَ الشَّهْرُ رَمَضانُ کانَ يُسَمَّى عَلَى عَهْدِ رَسولِ اللَهِ صَلَّى اللَهُ عَلَيْهِ وَ ءَالِهِ و سَلَّمَ المرزوقَ.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

156
  •  الاشتراك، بالقیاس الاستثنائی.

  •  هذا آخر ما وُفّقت بتحریره فی هذه الموسوعة بتوفیقٍ من اللَه تعالى.

  • ختام الموسوعة الثالثة

  •  و هی موسوعةٌ ثالثةٌ حرّرتها حول مسئلة لزوم الاشتراك فی الآفاق فی رؤیة الهلال فی دخول الشهور القمریة.

  •  و راعیت فیها جوانب الجواب، و سدّ ثغور ما تُوهّم أن یدخل فیها من كلّ بابٍ. و للّه الحمد و له المنة عَلَی، على أن أخرَجها طریةً نقیةً صافیةً قابلةً لأن أُرسلها إلى السید الأید الفقیه النبیه: أُستاذنا المعظّم، علیه من التحیات أزكاها و من الدعوات أنماها.

  • اشاهِدُ معنى حُسْنِکمْ فَیلَذُّ لی‌   ***   خُضُوعی لَدَیکمْ فی الهَوَى وَ تَذَلُّلِی‌

  • وَ أشْتاقُ لِلْمَعْنَى الذی أنتُمُ بِهِ‌   ***   و لَوْلاکمُ ما شَاقَنی ذِکرُ مَنْزِلِی‌

  • وَ نِلْتُ مُرادی فَوْقَ ما کنْتُ رَاجیاً   ***   فَوا شَعَفاً لَوْتَمَّ هذا وَدامَ لِی‌

  •  عسى أن یقع مورد القبول، و تبین له المقبول، فهو غایة المسئول، و نهایة المأمول؛ فاللَه تبارك و تعالى دعا أرباب العقول بقوله عزّ مِن قائل‌: فَبَشِّرْ عِبادِ،

  • الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ.1

  •  و فی الختام ندعو لك بدوام الصحّة و التوفیق، و التأیید و التسدید، و فیضان الرحمة الراحمة من نفسك الواسعة، على الامّة المرحومة، الفرقة الناجیة.

  •  و أن یتفضّل علینا بقبول أعمالنا، و أن یجعلها خالصةً لوجهه الكریم، و یمنّ علینا بالعفو و المغفرة فی سیئاتنا، بجوده و كرمه و السلام علیكم و رحمة اللَه و بركاته.

  •  اللَهمّ إنّا نعوذ بك أن نَذهبَ عن قولك، أو نَفتتن عن دینك، أو تَتابعَ بنا أهوائنا دون الهدى الذی جاء من عندك.

  •  اللَهمّ أمتِعْنا بأبصارنا و أسماعِنا و قُوّاتِنا ما أحییتَنا، و اجعلْهُ الوارثَ مِنّا، و لا تَجعل مُصیبتَنا فی دیننا و لا تَجعلِ الدُّنیا أكبر همِّنا و لا مَبلغَ علمِنا.

  •  و أعنّا على ذلك بفتحٍ منك تُعجِّله، و بضرٍّ تَكْشفه، و نصرٍ تُعزّه، و سلطانِ حقٍّ تُظهره، و رحمةٍ منك تُجلِّلناها و عافیةٍ منك تُلبِسناها، برحمتك یا أرحم الراحمین.

    1. آلايتان ١٨ ١٧ من السورة ٣٩: الزمر.

رسالة حول مسألة رؤية الهلال‏

157
  •  خُتمت هذه الموسوعة بتوفیق من اللَه و تأییده و بحوله و قوّته فی الساعة الرابعة بعد الظهر، من الیوم السادس و العشرین من شهر ربیع المولود، مولد سیدنا الأعظم و نبینا الأكرم، الخاتم لما سبق و الفاتح لما استقبل، محمّد بن عبد اللَه، علیه و على أولاده الطاهرین صلَوات اللَه و صلوات ملائكته المقرّبین و أنبیائه المرسلین و عباده الصالحین إلى یوم الدین؛ سنة ألف و ثلثمأة و ثمان و تسعین بعد الهجرة المحمّدیة على هاجرها آلاف التحیة و الإكرام من الملك العلّام؛ و أنا الرّاجی عفو ربّه محمّد الحسین بن محمّد الصادق الحسینی الطهرانی ببلدة طهران.